من «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر» لمحمد خليل المرادي (ت ١٢٠٦هـ)
عبد الرحمن ابن شاشة
عبد الرحمن بن محمد الذهبي المعروف بابن شاشه الدمشقي نزيل الحرمين الشيخ الفاضل الكامل ترجمه الشيخ سعيد السمان وقال في وصفه أديب تردي من الكمال البرد المفوف وجاب البلاد لاقتناء مخبآته وطوف فلم شعثه المنبث ووصل سببه المجتث وأراد أن يرشف من بحره فكرع وافترع من عون شوارده ما افترع وتنقل من وطن إلى وطن إلى أن تجاوز صنعا وعدن الا أنه ما استقر حتى أذعن إلى الأوبة بالانقياد واستقر فأم أم القرى وقال عند الصباح يحمد القوم السري فمكث مدة طويله وهو يكثر على تربة مولده نحيبه وعويله فأعمل الرواحل وطوى المراحل فأدرك المأمول وحط ثقل الحمول وقد رأيت له مجموعة تنبئ عن حيثيته عارض بها الأمين في نفحته وأراد أن ينهض فكبا وأتعب كاهلاً ومنكباً وأعانه ولا أقول أشابة بل عصابه وقدموه على أمر سد دونه باب الاصابة فحاول ما أراد أن يحاول وأين الثريا من يد المتناول فما كل رام مصيب ولا كل روض خصيب وشتان بين حلة مطرزة واخرى مرقعة مخرزة وبالجملة فله اطلاع ملأ منه الجوانح والأضلاع وله نظم أطلعت منه في مجموعته على القليل كالروض المطير البليل وهاك منه ما يساغ وما هو كالذهب المصاغ انتهى ما قاله ومن شعره ما كتبه للأديب عبد الحي الخال الدمشقي من مكة المشرفة بقوله من قصيدة مطلعها
الا مبلغ عني الأحبة من نجدبأني على ما يعهدون من العهد
أبيت لفقدي من أحب متيمايزيد بي الأعراض وداً على ود
أنهنه دمعاً من عيون أظنهامذاب عصى القلب يجري على خدي
أسائر نجم الليل سهداً كأننيواياه ذا فقد تقابل بالبعد
كأن الدجى بحر من الفكر دائماًأغوص به فالدر من موجه أبدي
كان الفلا أفق مواقيد نارهاشموس أنارها من سماها على الوفد
كان مديد الأرض والركب فوقهسفين بلا جزر تسير ولا مد
كان المطايا فوق أظهرها لهاقباب من الآمال شوقاً بها تفدي
كان الزمام الشوق منها لها غدايقود فلا تدري الحداة بما تحدي
كان شدا الغلمان عند انقيادهالها صوت من تهوي يقول لها عندي
كان انثنا أيدي المطي ورفعهاقدوداً لغواني الراقصات من الوجد
كان حصى البيداء أحشاء مغرمفلم تستطع وطئاً عليها من الوقد
كان هلال الأفق قابل حاجباًلطاعن سن قد أباد على العهد
كان ابن سبع والثمانون جبن منأناب اقتطاف الخد منه على الورد
كان الدجى والبدر لو أنه بدامحيا كحيل الطرف في حالك البرد
كان اغبرار الأفق ألفاظ كاشحتغير منه ناصع الجيد والخد
كان انسياب الزهر من حوله غدتفرائد در قد تناثر من عقد
كان ائتلاف الفرقدين محاكياًتلازم من أهواه عني إلى الصد
كان بنى نعش أما نبي التيتنازعها أيدي التبدد والرد
كان سنا المريخ وجنة صادقيخيل إني لاح في أعين الرمد
كان سهيلاً قلب وغد لقد أتىيبشرني بالسير ليلاً معي وحدي
كان السها مرآة في حندس الدجىتلوح ولا تبد ولكاذبة الوعد
كان الثريا شكل سعد لطالعلذلك غابت عندما هم بالقصد
كأني والشعراء في يوم فرقةلسابق علم ليس يدرك بالحد
كأني أرى الجوزاء شمل حواسديوخادمها سعد السعود كما العبد
كأني وايم الله كالنسر واقعبطود امتناع من محمد أو عبدي
كطائر من أهوى باشراك خيلهميرفرف بالمنتوف ريشاً وبالرعد
فواعجباً مني أباع بدرهموعندي من الآداب ما ناف عن نقدي
ويجهل مني العذر من شأنه غدايرتب أرباب الفضائل بالعد
أخو الفضل والتأليف والود والوفاوجامع شمل المجد سيدنا عبدي
سليل على ذي الأيادي ومن لهرفيع فخار قد تسلسل عن جد
وذو ثروة منهم بدا خير فاضليقوم مقام الجيش فضلاً عن الجند
له قلم إن جال في طرس حلبةمن النظم قلت الجمع في صورة الفرد
له قلم إن جال في طرس حلبةمن النظم قلت الجمع في صورة الفرد
وإن خال في سبك المعاني خيالههو الخال لا خال يخال بلا خد
حكى لفظه الدر النضيد صناعةولطف طباع منه صافية الورد
تخيرته من بين قومي وإن أكنلقصدي منه لست أظفر بالقصد
ولكنما فرط المحبة ملجأمكاتبتي والضد يعرف بالضد
وكتب أيضاً إلى الاستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي الدمشقي قصيدة يمدحه بها ومطلعها
أبدا لذاتك دائماً أتشوقفعلام برق لقاك لا يتألق
وإلى م لا تدني بعيداً مالهبسوى حبال الود منك تعلق
علقت بحبك منه روح قبل أنيبدو لها في ذا الوجود تخلق
وصبت لمعناك البديع فلم تزلبجميل ذكرك في العوالم تنطق
عجباً لها والطرف منها معرفعن حسنها وإلى جمالك ترمق
هل أفهمت سر المحبة أم لهاعلم بأن سواك من لا يعشق
أو أودعت معنى تمكن في الحشافلها به بعد الخفاء تحقق
إذ ذاك تطرب إن شدت ورق الرباشوقاً لما تبدى جوى وتصفق
أم لاشتياق موهم منك اللقاأذلات حين الوعد منك يصدق
يا أيها الفتان لا ذقت الهوىثوب افتتاني فيك لا يتمزق
أترع كؤوس الهجر صرفاً واسقنيكأساً فكأساً انني لا أفرق
حمل فؤادي من متاعبك التيما لا تطيق لحملهن الأينق
وأفتك بلحظك في جوانحي التيبسوى التهتك فيه لا تنخلق
واطعن بلدن قوامك الرطب الذيبسوى اجتناء دم الورى لا يورق
ما شئت ممن ليس يعرف ما الهوىالا بحبك لا كمن يتعشق
اني الصبور على مكايدة الهوىوعزيز دمعي فيه لا يترقرق
اني امرؤ ممن يقال بشأنهبين الوصال وصده لا يفرق
هذي وحقك حالتي إن شئت جدأولا فواصل انني بك موثق
مثل اعتمادي في معادي بالذيبولائه دون الورى أنا موثق
الكامل الحبر الالهي الذيبسواه نهج الحق لا يتحقق
صور الكمال به غدت مجلوةوعليه إن حققتها تتعبق
المستضئ بنوره في طمسهمن لم يظن الفرق فيه يخلق
تجري جداول فيضه في طرسهإن راح للمعنى البديع ينمق
أورام أن يبدي الكمال بصورةالامكان يبدو الابتداع المطلق
لا يستحيل عليه شيء منحةفالأمر فيه ظاهر ومحقق
وإليه يرجع كل معنى إن بدابتخالف في المشربين يوفق
سعياً عفاة الهدى نوراً قبل أنبكؤوس أفراح الندامة تشرقوا
واستقبسوا من نور حضرة قدسهقلباً به دين الجهالة يحرق
واستنطقوا من رمز عقد كلامهسراً لولا من قبل أن لا تنطقوا
واستغنموا أوقاته فهي التيلذرى المعارف سلم فيه ارتقوا
واستنبؤا عنه المعالي إن بدتبفرائد من نظمه تتمنطق
هذي هي الحور الحسان تبرجتيقتادها حب له وتشوق
منه به ظهرت له إن شئتمواقولوا بوحدة ذاته أو فرقوا
تالله ما روض الأماني أصبحتأغصانه بثمارها تتقرطق
والزهر قد نشر الربيع به رداعرف المنى من نوره يتنشق
والطل يرشح من جنى ورودهورقيق كأس شقيقه يتشقق
والنرجس الغض المشير بطرفهما آن بالأرواح أن تتصدقوا
هذا زمان اللهو قبل أوانهلا تغفلوا عنه ولا تتعوقوا
إن البنفسج ليس يترك ما بنامن حمقه فهو العدو الأزرق
والماء يغضب غيرة فيمر فيأطراف شقة زهره ويشقق
والورق تعرب في تفنن لحنهابترنم طوراً وطوراً تصعق
مع فتية شربوا كؤوس صبابةمملوءة من قبل أن لا يخلقوا
من كل مفتون لعشقة شادنيسقيك راح العشق منه المنطق
دووجنة صقلت حيا فكأنهاكأس بخمرة ريقه تتدفق
ذو صورة تكفيك منها نظرةعن أن ترى وجهاً سواه يعشق
تندي خدود الروض من حجل ومنحمق شقائقه جوى تتشقق
أنى تبدي في حنادس فرعهبدر له الأقمار طوعاً تطرق
وبحار كل في محاسن وصفهمعنى له قلب البلاغة يخفق
عنه بأحسن من سماع حديث منبرحابه سوق الفضائل ينفق
مولى الوجود ومن به وبذاتهوبوصفه ظهر الكمال المطلق
وله
وجاهل يقدح فيعرضي وليس يفهم
بأن ذمي مدحةلكونه لا يعلم
وهو قول العلامة النجم الغزي
يا أيها الحاسد لو تفهمإنك تطريني ولا تعلم
تذكر وصفي وترى أنهذم ومنه مدحتي تفهم
ولأبن الوردي
سبحان من سخر لي حاسدييحدث لي في غيبتي ذكرا
لا أكره الغيبة من حاسديفيدني الشهرة والأجرا
ومثله لأبي حيان
عداتي لهم فضل علي ومنةفلا أذهب الرحمن عني الأعاديا
هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتهاوهم نافسوني فاكتست المعاليا
وقريب منه قول المتنبي
وإذا أتتك مذمتي من ناقصفهي الشهادة لي بأني كامل
ومدح الحسد ورد في كلام الشعراء كثيراً منه قول بعضهم
فلا خلاك الله من حاسدفإن خير الناس من يحسد
وقول الآخر
ولكن على الآلاء كثر حواسديولا خير في نعمي قليل حسودها
وللمترجم قوله
إن احتجاب جماله متعذرإذ عم كل الكون نور سنائه
لكن تواري غيرة أن لا يرىمن لم يذق للعشق من قتلائه
هو من قول الفاضل إبراهيم بن عبد الرحمن السؤالاتي
في أزرق الملبوس مر معذبيمتمائلاً كالغصن في خيلائه
ورقي دخان التبغ غشى وجههمن فيه مثل الغيم يوم شتائه
وكأنه لما بدا من شرقهبدر تبدي في أديم سمائه
ستر الجمال عن العيون مخافةأن لا تكون الناس من قتلائه
وللمترجم
وجائر الحكم أمسىيقول والقلب حائر
قصدي أهاجر صفنيفقلت يا حب هاجر
هو من قول القطب الرباني عبد الغني النابلسي
وأهيف القد وافىيقول والشوق وافر
قصدي أسافر صفنيفقلت يا بدر سافر
ومن شعر المترجم في العذار قوله
حاش لله ليس ذاك عذاراانما الوهم قد أراك اعتذارا
بل معاني تلقى لنا كسطورقد أبانت عن الهوى أسرارا
أشباكاً صنع الآله براهاكي تصيد العقول والأفكارا
أو خيالاً سرى برائق خدأوهمته خمر اللمى أسكارا
أو صحافاً من اللجين توشتآي حسن لذي الغرام عذارا
ومثله قول الأديب الماهر الأمير منجك الدمشقي
لقد كتبت يد الرحمن سطراًبصدغك ظنه الواشي عذارا
ومن شعر المترجم في النحول قوله
ولو أنني ألقيت في رأس شعرةمن الجفن لم تشعر بي العين من سقم
لذلك لو مازجت بالجسم نقطةمن الخط ما امتازت عن الخط في الحجم
ولو رام فرض الجسم مني توهماأخو فكرة أعياه ذلك بالوهم
وللشعراء في النحول مبالغات منها قول ابن العميد
لو أن ما أبقيت من جسمي قذافي العين لم يمنع من الأعضاء
وقول بعضهم
ولو أنني علقت في رجل نملةلسارت ولم تدري بأني تعلقت
ولو نمت في عين البعوض معارضاًلما علمت في أي زاوية بت
وقول الأديب سعيد السمان
بادرتني من النوى مدحأحرمتني لذائذ الأنس
وبراني ولا أقول ضنيغير أني خفيت عن نفسي
فانظرن حالتي ترى عجباًخارجاً عن اطاقة الأنس
وللمترجم
وخصر خفي لا يكاد إذا مشىيلوح لموج قد علا رد فيه
كأن النجوم الزهر أود عن حبهوخافت بأن يبدو فدرن عليه
ومن ذلك قول الأديب محمد بن علي الحرفوشي
له خصر بألحاظالورى ما زال منتطقاً
ومن ذلك قول المتنبي
وخصر تثبت الأحداق فيهكأن عليه من حدق نطاقا
وقول السرى
أحاطت عيون العاشقين بخصرهفهن له دون النطاق نطاق
وأصله لعلي بن يحيى من أبيات يغني بها وهي
وجه كان البدر ليلة تمهمنه استعار النور والاشراقا
وأرى عليه حديقة أضحى لهاحدقي وأحداق الأنام نطاقا
ونقله الشهاب الخفاجي إلى العذار مضمناً مصراع بيتي المتنبي وأجاد
عذار خط في الوجنات خطاهوى كل الأنام به وفاقا
ترى الأبصار شاخصة إليهوماء الحسن في خديه راقا
تصورت العيون به فأمسىكأن عليه من حدق نطاقا
ولم أدر في أي سنة كانت وفاته غير أنه في سنة ألف ومائة وإحدى عشرة كان موجوداً رحمه الله تعالى.
النص من طبعة دار البشائر الإسلامية ودار ابن حزم (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع