تجاوز إلى المحتوى

من «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر» لمحمد خليل المرادي (ت ١٢٠٦هـ)

محمد الدكدكجي

ابن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم التركماني الأصل الدمشقي المولد المعروف بالدكدكجي الحنفي الصوفي الشيخ الامام المتفنن البارع الأديب نادرة العصر كان فاضلاً كاملاً مهيباً صالحاً ديناً صوفياً وأخلاقه شريفة ورزقه الله الصوت الحسن في الترتيل ولد بدمشق ونشأ بها وقرأ القرآن العظيم وجوده على الشيخ محمد الميداني وطلب العلم فلزم شيخ الاسلام الشيخ محمداً أبا المواهب الحنبلي فقرأ عليه الشاطبية وختمة كاملة جمعاً للسبعة من طريقها وقرأ عليه شرح ألفية المصطلح لشيخ الاسلام زكريا وسمع عليه صحيح البخاري وبعض صحيح مسلم وسمع عليه كثيراً من كتب الحديث والمصطلح والتجويد والقراآت وحضر دروس المحقق الشيخ إبراهيم الفتال وقرأ عليه شرح القطر لمصنفه وشرح الألفية لأبن عقيل ولازم دروس الأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي وكتب كثيراً من مصنفاته بخطه الحسن وسافر في خدمته في رحلته الكبرى وكان الأستاذ شديد المحبة له وله من المؤلفات رسالة سماها تهويل الأمر على شارب الخمر وديوان شعر وأنا أخذت من شعره ما هو مسطر هنا فمنه قوله مخمساً بيتي ابن حبابة الأندلسي

إن عشق الحبيب دأبي وفنيوبذكراه ينجلي الهمّ عني
فأحد بالشوق للمطايا وغنىلا تعقني عن العقيق لأني

بين أكنافه تركت فؤادي

فلذا قد أطلت فيه ولوعيعل أحظى به بتلك الربوع
فعلى حبه بذلت خضوعيوعلى تربه وقفت دموعي

ولسكانه وهبت رقادي

وله مداعباً رجلاً من أهل الخلاعة يلقب بالعفريت

إنّ شخصاً شغل المجلس باللهو والمزح وأنواع الغنا
يضحك العالم في أفعالهيجلب البشر وينفي الحزنا
وكذا في كل وقت دأبهليس يلفي مثله في عصرنا
لقب العفريت من قوّتهوخلاعات توالت علنا
فسألناه من الأنس ترىأنت أم جن تشكلت لنا
فبدا منه جواب مازحاًقال عفريت من الجن أنا

وللأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي في المعنى

رب شخص جاءنا في قريةطوله في عرضه قد ضمنا
فسألناه وقلنا أنت منقال عفريت من الجن أنا

وللمولى الهمام محمد خليل الصديقي

مطرب قد سار في صحبتنافشهدنا منه ما أضحكنا
أزعج الأسماع منا صوتهمنذ وافانا بأنواع الغنا
رمت منه الكشف عن أصل لهقال عفريت من الجن أنا

وللأديب محمد سعدي العمري في ذلك

وخليع حين وافانا لكينقطع السبل حديثاً وغنا
رام أن يطربنا في صوتهفسمعنا منه ما أزعجنا
قلت من أنت فقد روّعتناقال عفريت من الجن أنا

وكتب هذه الوصية لولده إبراهيم المقدم ذكره

زر والديك وقف على قبريهمافكأنني بك قد نقلت إليهما
لو كنت حيث هما وكانا بالبقازاراك حبواً لا على قدميهما
ما كان ذنبهما إليك فطالمامنحاك نفس الودّ من نفسيهما
كانا إذا ما أبصرا بك علةجزعا لما تشكو وشق عليهما
كانا إذا سمعا أنينك أسبلادمعيهما أسفاً على خديهما
وتمنيا لو صادفا بك راحةبجميع ما تحويه ملك يديهما
لتلحقنهما غداً أو بعدهحتماً كما لحقاهما أبويهما
ولتندمنّ على فعالك مثل ماندماهما قدماً على فعليهما
بشراك لو قدّمت فعلاً صالحاًوقضيت بعض الحق من حقيهما
وقرأت من آي الكتاب بقدر ماتسطيعه وبعثت ذاك إليهما
فاحفظ حفظت وصيتي وأعمل بهافعسى تنال الفوز من بريهما

وأشعاره كثيرة دونها صاحبنا الكمال الغزي في ديوان وكان للناس به محبة عظيمة واعتقاد وافر وألف مؤلفات نافعة منها شرحه على دلائل الخيرات وشرح على حزب البحر للشاذلي وشرح على طيبة النشر في القراآت العشر وتراجم رجال سلسلة طريقة الشاذلية وشرح

على الجزرية وديوان خطب وجمع بخطه الحسن المضبوط عدة مجاميع علمية وأدبية وبيض غالب مؤلفات شيخه الشيخ عبد الغني النابلسي بخطه وكانت ولادته بدمشق في شعبان سنة ثمانين وألف وتوفي ليلة الجمعة ثامن عشر ذي الحجة سنة احدى وثلاثين ومائة وألف ووقع في ساعة موته مطر عظيم واستمر المطر حتى غسل وكفن يوم الجمعة وصلى عليه بالجامع الأموي بعد جمعتها ودفن بتربة الغرباء بمرج الدحداح وتمثل الشمس محمد الغزي العامري يوم وفاته بقول الشيخ نجم الدين بن إسرائيل

بكت السماء عليه ساعة موتهبمدامع كاللؤلؤ المنثور
وكأنها فرحت بمصعد روحهلما سمت وتعلقت بالنور
أوليس دمع الغيث يهمي بارداًوكذا تكون مدامع المسرور

النص من طبعة دار البشائر الإسلامية ودار ابن حزم (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الميم

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.