من «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر» لمحمد خليل المرادي (ت ١٢٠٦هـ)
محمد بن الطيب
ابن محمد بن محمد بن موسى الشرفي الفاسي المالكي الشهير بابن الطيب نزيل المدينة المنورة الشيخ الامام المحدث المسند اللغوي العالم العلامة المفنن أبو عبد الله شمس الدين ولد بفاس سنة عشر ومائة وألف ونشأ بها وأخذ عن جملة من العلماء منهم والده ومحمد بن محمد المسناوي ومحمد بن عبد القادر الفاسي ومحمد بن عبد الرحمن بن عبد القادر الفاسي ومحمد بن عبد السلام البناني ومحمد بن عبد الله الشاذلي وأبو عبد الله محمد بن محمد ميارة وأبو الاقبال أحمد بن محمد الدرعي وأبو عبد الله محمد بن محمد الأندلسي وأحمد بن علي الوجاري ومحمد أبو الطاهر بن إبراهيم الكوراني واستجاز له والده من أبي الأسرار حسن بن علي العجيمي وعمره نحو سنتين والسيد عمر البار العلوي وغيرهم ممن ينوف على مائة وثمانين شيخاً وبرع وفضل وصار امام أهل اللغة والعربية في وقته محققاً فاضلاً متضلعاً في كثير من العلوم ودرس بالحرم الشريف النبوي وانتفعت به الطلبة ورحل للروم من الطريق الشامي ورجع منها على الطريق المصري وأخذ عنه في الشام ومصر خلق كثيرون وحصل بينه وبينهم مباحث في فنون من العلم وله تآليف حسنة منها حاشية على القاموس وشرح نظم فصيح ثعلب في مجلدين وشرح على كفاية المتحفظ وحاشية على الاقتراح وشرح كافية ابن مالك وشرح شواهد الكشاف وحاشية على المطول ورحلة وجمع مسلسلاته في كتاب وهي تنوف على ثلثمائة وغير ذلك من المصنفات مما ينوف على خمسين مصنفاً وله شعر لطيف ينبئ عن قدر في الفضائل منيف فنه قوله هذه القصيدة في مدح السفر
سافر إلى نيل المعزةإن في السفر الظفر
وانفر لنيل المجد فيمن للمعالي قد نفر
واعلم بأن المكث في الأوطان يدعو للضجر
ويورّث الأخلاط والأجسام أنواع الضرر
أوما رأيت المالطول المكث يعلوه الوضر
والبدر لو لزم الاقامة في محل ما بدر
والدرّ لو أبقوه فيقعر البحار لما افتخر
والتبر ترب في المعادن وهو أفخر مدّخر
والعود معدود لدى الغابات من جنس الشجر
والباتر المغمود لولم يخرجوه لما بتر
هذا وكم مثل سرىفي الناس من هذي العبر
أبدى البدائع منه مننظم القريض ومن نثر
عن وجهها في غالب الأسفار أسفر من سفر
فادأب على الترحال في الأحوال أجمعها تسر
واعلم بأن البعد عنوطن به تمّ الوطر
وأغرب بشرق وأشرقنفي الغرب إن تك ذا نظر
واجعل جميع الناس أزرك والثرى طرّاً فذر
لا تؤثرن بدواً ولاحضراً وكن مع ما حضر
فالبدو عز واللطافة والظرافة في الحضر
فإذا بدوت فكل عزباذخ فيك استقر
وإذا حضرت فكل ظرف ظرفه لك مستقر
لا تبك الفالاً ولاداراً ولا رسماً دثر
فالناس الفك كلهموالأرض أجمعها مقر
فمتى وجدت العز والعيش الهنيّ أقم تبر
ومتى رأيت الضدّ والصدّ الخفيّ فدع وذر
واجعل بضاعتك التقىمع من أسرّ ومن جهر
فإذا اتقيت الله فزت بكل كنز مدّخر
وقوله
ألا ليت شعري هل أرى البيت معلماًوهل أردن يوماً على الريّ زمزما
ومن لي بحج البيت في خير معشرحدا بهم الحادي وغنى وزمزما
ومن لي بأن أمسى على حجراتهوأصبح ممن للمغاني به انتمى
ومن لي بالخلّ الذي قد ألفتهفندعى جهاراً أنتما القصد أنتما
نطوف بذاك البيت طوراً وتارةًنلمّ بهاتيك البقاع فنلثما
وآونة نأتي إلى الحجر الذيسما قدره حتى تطاول للسما
نعفر فيه الخدّ والوجه كلهولست أرى ممن يخص به فما
وطوراً نصلي ثم نسعى إلى الصفالنصفي الفؤاد المستهام المتيما
ونسرع كي نلقي المنى ولدى منينخيم فيمن كان لليمن خيما
ونجني ثمار العرف من عرفاتهونغرف منه الخير غرفاً معمما
ونبرأ من كل العقاب إذا دنتعقاب جمار تحرق الذنب أينما
وتصبح فيمن برّ لله حجهوأصبح في تلك الرياض منعما
ويا ليت شعري هل أرى طيبة التيبها طابت الأكوان نجداً وأتهما
وهل تبصر القبر الشريف محاجريفأصبح فيه منشداً مترنما
أخاطبه جهراً وأسأل ما أشاوأرجو حصول السؤل منه متمما
ويسعدني القول البليغ فأتثنىإذا ما نظمت القول فيه تنظما
وارجع مملوء الحقائب غامراًبما شئت من علم وحلم وما وما
وتخد مني الدنيا وأصبح في غدلدى رتبة شماء في منزل سما
تحف بي الأملاك من كل جانبلدى جنة الفردوس فوزاً معظما
فتربح هاتيك التجارة كلهاويغنم مولاها ابتداءً ومختما
وأهدى إلى خير الأنام محمدسلاماً بعرف الطيبات مختما
وقال في عين الماضي حين وصل إليها من طريقه وهي عين ماء غزيرة محتفة بالنبات والأشجار وعندها قرية ماهولة قد وصف أهلها بمحاسن الأخلاق واتصف نساؤها بمحاسن الخلق وحسن العيون على الخصوص وهذه العين المذكورة واقعة في أرض الجريد ما بين مدينة فاس ومدينة طرابلس الغرب
عين ماضي بها عيون مواضيفاعلات فعل السيوف المواضي
والتفات الغزال لما غزا ليصائلاً صولة الأسود المواضي
وقدود تزهو إذا قدّت القلب ازدهاء الأغصان بين الرياض
قال الشيخ المذكور بعد إيراد هذه الأبيان التي وصف فيها نساء عين الماضي غير أنا أخبرنا انهن لا يستعملن الماء في الاغتسال لأنه يضر بأبدانهن مهما قطر عليها وسال وقد ورد علينا سائل بين موجب ذلك وأوضح عذره قائلاً إن ذلك الماء يسقط حمل الحوامل ويذهب من الأبكار بالعذرة انتهى وله أيضاً
ورد الربيع فمرحباً بورودهوبنور بهجته ونور وروده
وبحسن منظره وطيب نسيمهوأنيق مبسمه ووشي بروده
فصل إذا افتخر الزمان فإنهإنسان مقلته وبيت قصيده
يعني المزاج عن العلاج نسيمهباللطف عند هبوبه وركوده
يا حبذا أزهاره وثمارهونبات ناجمه وحبّ حصيده
وتجاوب الأطيار في أشجارهكبنات معبد في مواجب عوده
والغصن قد كسى الغلائل بعدماأخذت يدا كانون في تجريده
نال الصبا بعد المشيب وقد جرىماء الشبيبة في منابت عوده
والورد في أعلى الغصون كأنهملك تحف به سراة جنوده
وكأنما الأقاح سمط لآلئهو للقضيب قلادة في جيده
والياسمين كعاشق قد شفهجور الحبيب بهجره وصدوده
وانظر لنرجسه الجنيّ كأنهطرف تنبه بعد طول هجوده
واعجب لآذربونه وبهارهكالتبر يزهو باختلاف نقوده
وانظر إلى المنثور في منظومهمتنوّعاً بفصوله وعقوده
أوما ترى الغيم الرقيق وقد بداللعين من أشكاله وطروده
والسحب تعقد في السماء مآتماوالأرض في عرس الزمان وعيده
ندبت فشق لها الشقيق جيوبهوأزرق سوسنها للطم خدوده
وله وقد أنشدهما في الحجر والحطيم
هديت إلى الصراط المستقيمفجئت لحجة البيت العظيم
وعند الحجر قال الحجر أبشرفقد حطمت ذنوبك بالحطيم
وله غير ذلك من الأشعار الرائقة والمكاتبات الفائقة وكان له الباع الطويل في اللغة والحديث وكان فرداً من أفراد العالم فضلاً وذكاءً ونبلاً وله حافظة قوية وفضله أشهر من أن يذكر وكانت وفاته بالمدينة المنورة سنة سبعين ومائة وألف بتقديم السين ودفن عند قبر السيدة حليمة ﵂ ورحمه الله وإيانا.
النص من طبعة دار البشائر الإسلامية ودار ابن حزم (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع