من «إنباه الرواة على أنباه النحاة» لجمال الدين القفطي (ت ٦٤٦هـ)
أخبار أبى الأسود الدؤلى ﵀
ماذا روى «إنباه الرواة على أنباه النحاة» عن أبو الأسود الدؤلي؟
أبو الأسود ظالم بن عمرو بن سفيان، وقيل: ظالم بن عمرو بن جندل بن سفيان، وقيل: ابن سفيان بن جندل بن عمرو بن عدىّ بن الدّئل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة. وقيل: اسمه عثمان. وقيل: ابن عمرو بن حلبس بن نفاثة- وقيل حلس.
وابن حبيب ينسبه فيقول: الديلىّ (بكسر الدال وإسكان الياء)، وأما المبرّد وغيره فيقولون: الدئلىّ (بضم الدال وكسر الياء والهمزة). وكذلك قال ابن سلّام.
قال ابن سلّام الجمحىّ: «أوّل من أسس العربية وفتح بابها وأنهج سبيلها ووضع قياسها أبو الأسود الدّئلىّ؛ وهو ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل بن يعمر بن حلس بن نفاثة بن عدىّ بن الدّئل. وكان رجل أهل البصرة، وكان علوىّ الرأى».
وقال بعض أهل الضبط: هم ثلاثة: الدّول من حنيفة بن لجيم، من ربيعة الفرس (ساكن الواو)، والدّيل فى عبد القيس (ساكن الياء)، والدّئل (بكسر الياء وهمزها) فى كنانة، رهط أبى الأسود.
وقال المبرّد: الدّؤلىّ (مضمومة الدال مفتوحة الواو)، من الدّئل (بضم الدال وكسر الياء)، وامتنعوا من أن يقولوا الدّئلىّ لئلا يوالوا بين الكسرات- فقالوا:
الدّؤلىّ، كما قالوا: فى النّمر النّمرىّ. والدّئل: الدابّة، ويقال: دويبّة.
ويقال عن محمد بن حبيب أيضا إنه قال: «فى ربيعة بن نزار الدّول بن حنيفة [ابن] لجيم بن صعب بن علىّ بن بكر بن وائل، وفى الأزد الدّيل بن هداد بن زيد مناة ابن الحجر، وفى عنزة الدّول بن صباح بن عتيك بن أسلم بن يذكر بن عنزة، وفى تغلب الدّيل بن زيد بن غنم بن تغلب، وفى إياد بن نزار الدّيل بن أمية بن حذاقة بن زهيرة بن إياد، وفى الأزد الدّول بن سعد مناة بن غامد، وفى ضبّة بن أدّ الدّول
ابن ثعلبة بن سعد بن ضبّة، وفى للرّباب الدّول بن جلّ بن عدىّ بن عبد مناة بن أدّ، وفى كنانة بن خزيمة الدّيل بن بكر بن عبد مناة؛ رهط أبى الأسود الدّيلىّ، واسمه ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل بن يعمر بن حلس بن نفاثة بن عدىّ بن الدّيل؛ ويقال: اسمه عثمان بن عمرو بن سفيان، وفى عبد القيس الدّيل بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس، وفى الهون بن خزيمة بن مدركة الدّئل- مهموز مثل فعل- بن محلّم بن غالب بن يثيع بن الهون بن خزيمة». وهذا كله من كتاب المختلف والمؤتلف لابن حبيب.
وقيل لأبى الأسود: من أين لك هذا العلم؟ - يعنون النحو- فقال: لقنت حدوده من علىّ بن أبى طالب- ﵇ وكان أبو الأسود من القرّاء، قرأ على أمير المؤمنين علىّ- ﵇.
وقد اختلفت روايات الناس فى سبب وضعه النحو، فمن ذلك ما تقدّم ذكره، ومنه ما روى أنه جاء إلى زياد قوم فقالوا: أصلح الله الأمير! توفّى أبانا وترك بنون. فقال زياد: توفى أبانا وترك بنون! ادع لى أبا الأسود؛ فقال: ضع للناس العربية.
وقيل: إنه كان استأذنه فى وضع كتاب، فنهاه، فلما سمع هذا أمره بوضعه.
وقيل: إن زياد ابن أبيه قال لأبى الأسود: إن بنىّ يلحنون فى القرآن، فلو رسمت لهم رسما. فنقط المصحف. فقال: إن الظئر والحشم قد أفسدوا ألسنتهم.
فلو وضعت لهم كلاما. فوضع العربية.
وقيل: إن ابنة لأبى الأسود قالت له: يا أبت ما أشدّ الحر! فى يوم شديد الحر- فقال لها: إذا كانت الصّقعاء من فوقك، والرمضاء من تحتك. فقالت:
إنما أردت أن الحرّ شديد. فقال لها: فقولى إذن ما أشد الحرّ! والصقعاء: الشمس.
وقيل: إنه دخل إلى منزله، فقالت له بعض بناته: ما أحسن السماء! قال: أىّ بنية، نجومها، فقالت: إنى لم أرد أىّ شىء منها أحسن؟ وإنما تعجبت من حسنها؛ فقال: إذا فقولى: ما أحسن السماء! فحينئذ وضع كتابا.
قال أبو حرب بن أبى الأسود: أوّل باب رسم أبى من النحو باب التعجب. وقيل:
أوّل باب رسم باب الفاعل والمفعول، والمضاف، وحروف الرفع والنصب والجر والجزم.
قيل: وأتى أبو الأسود عبد الله بن عباس، فقال: إنى أرى ألسنة العرب قد فسدت؛ فأردت أن أضع شيئا لهم يقوّمون به ألسنتهم. قال: لعلك تريد النحو؛ أما إنه حق، واستعن بسورة يوسف.
وحدّث أبو الحسن المدائنىّ عن عباد بن مسلم عن الشعبىّ قال: كتب عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- إلى أبى موسى: «أما بعد؛ فتفقهوا فى الدين؛ وتعلموا السّنة؛ وتفهّموا العربية، وتعلّموا طعن الدّرية؛ وأحسنوا عبارة الرؤيا، وليعلّم أبو الأسود أهل البصرة الإعراب».
وكان أبو الأسود من المتحقّقين بولاية أمير المؤمنين علىّ بن أبى طالب- ﵇ ومحبّته وصحبته ومحبّة ولده، وشهد معه الجمل وصفّين وأكثر مشاهده؛ وهو الذى يقول لبنى قشير- وكانوا أخواله وأصهاره، وكانوا يردّون عليه قوله فى علىّ- ﵇:
يقول الأرذلون بنو قشيرطوال الدهر لا تنسى عليّا
فقلت لهم: وكيف يكون تركىمن الأعمال ما يجدى عليّا
أحب محمدا حبّا شديداوعبّاسا وحمزة والوصيّا
وجعفر إن جعفر خير سبطشهيدا فى الجنان مهاجريّا
بنو عمّ النبى وأقربوهأحبّ الناس كلّهم إليّا
فإن يك حبّهم رشدا أصبهولست بمخطئ إن كان غيّا
فقالت له بنو قشير: شككت يا أبا الأسود فى قولك: «فإن يك حبّهم».
فقال: أما سمعتم قول الله تعالى: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ.
وتمام الشعر:
هم أهل النصيحة من لدنّىوأهل مودّتى ما دمت حيّا
هوى أعطيته لمّا استدارترحى الإسلام لم يعدل سويا
أحبهم كحبّ الله حتّىأجيب إذا بعثت على هويّا
رأيت الله خالق كلّ شىءهداهم واجتبى منهم نبيّا
هم آسوا رسول الله حتّىتربّع أمره أمرا قويّا
وأقوام أجابوا الله لمّادعا لا يجعلون له سميا
مزينة منهم وبنو غفاروأسلم أضعفوا معه بليّا
يقودون الجياد مسوّماتعليهنّ السوابغ والمطيا
واستعمله أمير المؤمنين علىّ بن أبى طالب- ﵇ على البصر واستعمل زيادا على الديوان والخراج؛ وكان زياد يسبع أبا الأسود عند على- ﵇ فقال فى ذلك أبو الأسود أشعارا؛ منها:
رأيت زيادا ينتحينى بشرّهواعرض عنه وهو باد مقاتله
ويعجبه صفحى له وتحمّلىوذو الفحش يحذو الجهل من لا يماثله
وفيها:
وذى خطل فى القول ما يعترض لهمن القول من آرابه فهو قائله
وثمّ ظنون مستظنّ ملعّنلحوم الصديق لهوه ومآكله
تجاوزت عمّا قال لى واحتسبتهوكان من الذنب الذى هو نائله
فقلت لنفسى والتذكر كالنهى:أتسخط ما يأتى به وتماثله
فكرّ قليلا ثم صدّ وقد نثتعلى كرهه أنيابه وأنامله
فما إن ترانى ضرّنى إذ تركتهبظهرى، وأشقى الناس بالجهل فاعله
وصاحب صدق ذى حياء وجرأةينال الصديق نصره وفواضله
كريم حليم يكسب الحمد والندىإذا الورع الهيّاب قلّت نوافله
مددت بحبل الود بينى وبينهكلانا مجدّ ما يليه وواصله
وولى أبو الأسود القضاء بالبصرة فى ولاية عبد الله بن العباس، واستخلفه حين خرج إلى الحكمين.
وقال أبو الأسود حين قتل علىّ- ﵇:
ألا أبلغ معاوية بن حربفلا قرّت عيون الشامتينا
أفى الشهر الحرام فجعتمونابخير الناس طرّا أجمعينا
قتلتم خير من ركب المطاياوأكرمهم ومن ركب السفينا
ومن لبس النعال ومن حذاهاومن قرأ المثانى والمبينا
إذا استقبلت وجه أبى حسينرأيت البدر راق الناظرينا
وقد علمت قريش حيث كانتبأنك خيرها حسبا ودينا
وقال يرثى حسينا ومن أصيب معه من بنى هاشم- ﵈:
أقول لعاذلتى مرّةوكانت على ودّنا قائمه
إذا أنت لم تبصرى ما أرىفبينى وأنت لنا صارمه
ألست ترين بنى هاشمقد افنتهم الفئة الظالمه
وأنت ترثّيهم بالهذاءوبالطفّ هام بنى فاطمه
فلو كنت راسخة فى الكتابوبالحرب خابرة عالمه
علمت بأنهم معشرلهم سبقت لعنة حاتمه
سأجعل نفسى لهم جنّةفلا تكثرى لى من اللائمه
أرجىّ بذلك حوض الرسول والفوز بالنعمة الدائمه
أرجىّ بذلك حوض الرسول والفوز بالنعمة الدائمه
لتهلك إن هلكت برّةوتخلص إن خلصت غانمه
وأصاب أبا الأسود الفالج بالبصرة، فقال له عبيد الله بن زياد بعد ما فلج:
لو وجدتك صحيحا لاستعملتك، قال: إن كنت تريد الأمانة والغناء فعندى، وإن أردت المراهنة؛ فليس عندى! ومات أبو الأسود بالبصرة سنة تسع وستين؛ وهو ابن خمس وثمانين سنة فى طاعون الجارف. ويقال: مات قبل الطاعون؛ لأنه لم يسمع له فى فتنة مسعود وأمر المختار خبر.
وولد لأبى الأسود عطاء وأبو حرب؛ فأما عطاء فكان على شرط أبيه بالبصرة، ثم بعج العربية هو ويحيى بن يعمر العدوانى بعد أبى الأسود؛ ولا عقب لعطاء.
وأما أبو حرب فكان عاقلا شجاعا، ولّاه الحجّاج جوخا، وقال له: أما والله لو أدركت أبا الأسود لقتلته؛ لأنه كان شيعيّا. فقال: أصلح الله الأمير! أو يأتى عليه عفوك كما أتى عليه عفو من قبلك. قال: وذاك. فلم يزل على جوخا إلى أن مات الحجّاج. فولد أبو حرب جعفرا؛ فكان أسرى إخوته؛ وله عقب بالبصرة.
ومات أبو حرب؛ وهو اسمه، سنة تسع ومائة.
النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع