من «عيون الأنباء في طبقات الأطباء» لابن أبي أصيبعة (ت ٦٦٨هـ)
رفيع الدّين الجيلي
هُوَ القَاضِي الْأَجَل الإِمَام الْعَالم رفيع الدّين أَبُو حَامِد عبد الْعَزِيز بن عبد الْوَاحِد بن إِسْمَاعِيل ابْن عبد الْهَادِي الجيلي من أهل فيلمان شهر من الجيلان وَكَانَ من الأكابر المتميزين فِي الْعُلُوم الْحكمِيَّة وأصول الدّين وَالْفِقْه وَالْعلم الطبيعي والطب
وَكَانَ مُقيما بِدِمَشْق وَهُوَ فَقِيه فِي الْمدرسَة العذراوية دَاخل بَاب النَّصْر
وَله مجْلِس للمشتغلين عَلَيْهِ فِي أَنْوَاع الْعُلُوم والطب
وقرأت عَلَيْهِ شَيْئا من الْعُلُوم الْحكمِيَّة
وَكَانَ فصيح اللِّسَان قوي الذكاء كثير الِاشْتِغَال والمطالعة
واستخدم قَاضِيا فِي مَدِينَة بعلبك وَبَقِي بهَا مديدة
وَكَانَ صديقا للصاحب أَمِين الدولة وَبَينهمَا عشرَة
وَلما تملك السُّلْطَان الْملك الصَّالح عماد الدّين إِسْمَاعِيل دمشق وَتُوفِّي قَاضِي الْقُضَاة شمس الدّين الخوبي ﵀ فَأَشَارَ الصاحب أَمِين الدولة أَن يَجْعَل مَوْضِعه فولاه السُّلْطَان وَصَارَ قَاضِي الْقُضَاة بِدِمَشْق وَارْتَفَعت مَنْزِلَته وأثرى وَبَقِي كَذَلِك مُدَّة وَكَانَ كثير من النَّاس يتظلمون مِنْهُ ويشكون سيرته
وَبِالْجُمْلَةِ فَإِن الْحَال تأدى بِهِ إِلَى أَن قبض عَلَيْهِ وَقتل ﵀ فِي أَيَّام الْملك الصَّالح إِسْمَاعِيل
وَكَانَ قد وَقع بَين القَاضِي رفيع الدّين وَبَين الْوَزير أَمِين الدولة فبعثوه تَحت الحوطة مَعَ رجال عوامله إِلَى قريب بعلبك فِي مَوضِع فِيهِ هوة عَظِيمَة لَا يعرف لَهَا قَعْر يُقَال لَهَا مغارة أفقه
وَكَانُوا أمروهم بِمَا يَفْعَلُونَهُ بِهِ فكتفوه ثمَّ دفعوه فِي وَسطهَا
وَحدثنَا بعض الَّذين كَانُوا مَعَه أَنه لما دفع فِي تِلْكَ الهوة تحطم فِي نُزُوله وَكَأَنَّهُ تعلق فِي بعض جوانبها أَسْفَل بثيابه
قَالَ فبقينا نسْمع أنينه نَحْو ثَلَاثَة أَيَّام وَكلما مر يضعف وَيخْفى حَتَّى تحققنا من مَوته ورجعنا عَنهُ
أَقُول وَمن عَجِيب مَا يحْكى أَن القَاضِي رفيع الدّين وقف على نُسْخَة من هَذَا الْكتاب بحضوري وَمَا كنت ذكرته فِي تِلْكَ النُّسْخَة فطالع فِيهِ وَلما وقف على أَخْبَار شهَاب الدّين السهروردي تأثر من ذَلِك وَقَالَ لي ذكرت هَذَا وَغَيره أفضل مِنْهُ مَا ذكرته وَأَشَارَ إِلَى نَفسه
ثمَّ قَالَ وإيش كَانَ من حَال شهَاب الدّين إِلَّا أَنه قتل فِي آخر أمره وَقدر الله ﷿ أَن رفيع الدّين قتل أَيْضا مثله فسبحان الله الْعَظِيم الْمُدبر فِي خلقه بِمَا يَشَاء
وَكَانَت وَفَاة القَاضِي رفيع الدّين فِي شهر ذِي الْحجَّة سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وسِتمِائَة
وَلما كَانَ رفيع الدّين قد تولى الْقَضَاء بِدِمَشْق وَصَارَ قَاضِي الْقُضَاة وَذَلِكَ
سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة عملت فِيهِ هَذِه القصيدة وأهنئه فِيهَا
مجد وَسعد دَائِم وعلاءأَبَد الزَّمَان ورفعة وسناء
بِبَقَاء مَوْلَانَا رفيع الدّين ذِيالْجُود العميم وَمن لَهُ النعماء
قَاضِي الْقُضَاة أجل مولى لم يزلبعلاه يسمو الْعلم وَالْعُلَمَاء
متفرد بالمكرمات وَإِنَّمَاكل الورى فِي بَعْضهَا شُرَكَاء
لَو رام كل بليغ قَول أَنهيحصي علاهُ لقصر البلغاء
كم من عداة شَاهِدين بفضلهوَالْفضل مَا شهِدت بِهِ الْأَعْدَاء
وَله التصانيف الَّتِي قد أعربتعَن كل مَا قد أعجم القدماء
وَبِه لجيل فِي الْبِلَاد مفاخروَكَذَا لهَذَا الجيل مِنْهُ عَلَاء
يَا سيدا فاق الْأَنَام حَقِيقَةبجميل وصف لَيْسَ فِيهِ خَفَاء
قد كَانَ عِنْدِي من فراقك والنوىألم وَمن رُؤْيَاك جَاءَ شِفَاء
وأتى إِلَى قلبِي السرُور وأشرقتشمس الحبور وزالت البرحاء
وبدت تباشير الهناء بِمنْصبيعلوه من نور الْإِلَه بهاء
إحكام أَحْكَام وَعدل شَائِعملئت بِهِ وبفضلك الغبراء
وَتَفَرَّقَتْ فِي النَّاس مِنْك فواضلوتجمعت مِنْهُم لَك الْأَهْوَاء
فلك السِّيَادَة والسعادة والعلاوَالْفضل والأفضال والآلاء
وَالْمُشْتَرِي للحمد أَنْت وَإِن تقلفصل الْخطاب فَإنَّك الجوزاء
وَلَئِن خصصتك بالهناء فَإِنَّهُعَم الْأَنَام بِمَا وليت هناء
لله كم أوليتني مننا علىمر الزَّمَان وَمَا لَهَا إحصاء
فَاسْلَمْ وَدم فِي رغد عَيْش دَائِممَا غردت فِي أيكها الورقاء) الْكَامِل
ولرفيع الدّين الجيلي من الْكتب شرح الإشارات والتنبيهات أَلفه المظفر تَقِيّ الدّين عمر ابْن الْملك الأمجد بهران شاه بن فرخ شاه بن شاهنشاه بن أَيُّوب
اخْتِصَار الكليات من كتاب القانون لِابْنِ سينا
كتاب جمع مَا فِي الْأَسَانِيد من حَدِيث النَّبِي ﷺ
النص من طبعة دار مكتبة الحياة ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع