من «عيون الأنباء في طبقات الأطباء» لابن أبي أصيبعة (ت ٦٦٨هـ)
صَدَقَة السامري
هُوَ صَدَقَة بن منجا بن صَدَقَة السامري من الأكابر فِي صناعَة الطِّبّ والمتميزين من أَهلهَا والأماثل من أَرْبَابهَا
كَانَ كثير الِاشْتِغَال محبا للنَّظَر والبحث وافر الْعلم جيد الْفَهم قَوِيا فِي
الفلسفة حسن الدِّرَايَة لَهَا متقنا لغوامضها
وَكَانَ يدرس صناعَة الطِّبّ وينظم متوسطا وَرُبمَا ضمنه ملحا من الْحِكْمَة وَأكْثر مَا كَانَ يَقُوله دوبيت
وَله تصانيف فِي الْحِكْمَة وَفِي الطِّبّ
وخدم الْملك الْأَشْرَف مُوسَى ابْن الْملك الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب وَبَقِي مَعَه سِنِين كَثِيرَة فِي الشرق إِلَى أَن توفّي فِي الْخدمَة
وَكَانَ الْملك الْأَشْرَف يحترمه غَايَة الاحترام ويكرمه كل الْإِكْرَام ويعتمد عَلَيْهِ فِي صناعَة الطِّبّ وَله مِنْهُ الجامكية الوافرة والصلات المتواترة
وَتُوفِّي صَدَقَة بِمَدِينَة حران فِي سنة نَيف وَعشْرين وسِتمِائَة وَخلف مَالا جزيلا وَلم يكن لَهُ ولد
وَمن كَلَامه مِمَّا نقلته من خطه قَالَ الصَّوْم منع الْبدن من الْغذَاء وكف الْحَواس عَن الخطاء والجوارح عَن الآثام
وَهُوَ كف الْجَمِيع عَمَّا يلهي عَن ذكر الله
وَقَالَ اعْلَم أَن جَمِيع الطَّاعَات ترى إِلَّا الصَّوْم لَا يرَاهُ إِلَّا الله فَإِنَّهُ عمل فِي الْبَاطِن بِالصبرِ الْمُجَرّد
وللصوم ثَلَاث دَرَجَات صَوْم الْعُمُوم وَهُوَ كف الْبَطن والفرج عَن قَضَاء الشَّهْوَة وَصَوْم الْخُصُوص وَهُوَ كف السّمع وَالْبَصَر وَاللِّسَان وَسَائِر الْجَوَارِح عَن الآثام وَأما صَوْم خُصُوص الْخُصُوص فصوم الْقلب عَن الهمم الدنية والأفكار الدنياوية وكفه عَمَّا سوى الله تَعَالَى
وَقَالَ مَا كَانَ من الرطوبات الْخَارِجَة من الْبَاطِن لَيْسَ مستحيلا وَلَيْسَ لَهُ مقرّ فَهُوَ طَاهِر كالدمع والعرق واللعاب والمخاط
وَأما مَا لَهُ مقرّ وَهُوَ مُسْتَحِيل فَهُوَ نجس كالبول والروث
وَقَالَ اعْلَم أَن الْوَزير مُشْتَقّ اسْمه من حمل الْوزر عَمَّن خدمه وَحمل الْوزر لَا يكون إِلَّا بسلامة من الْوَزير فِي خلقته وخلائقه
أما فِي خلقته فَإِن يكون تَامّ الصُّورَة حسن الْهَيْئَة متناسب الْأَعْضَاء صَحِيح الْحَواس وَأما فِي خلائقه فَهُوَ أَن يكون بعيد الهمة سامي الرَّأْي ذكي الذِّهْن جيد الحدس صَادِق الفراسة رحب الصَّدْر كَامِل الْمُرُوءَة عَارِفًا بموارد الْأُمُور ومصادرها
فَإِذا كَانَ كَذَلِك كَانَ أفضل عدد المملكة لِأَنَّهُ يصون الْملك عَن التبذل وَيَرْفَعهُ عَن الدناءة ويغوص لَهُ على الفرصة
ومنزلته منزلَة الْآلَة الَّتِي يتَوَصَّل بهَا إِلَى نيل البغية ومنزلة السُّور الَّذِي يحرز الْمَدِينَة من دُخُول الآفة ومنزلة الْجَارِح الَّذِي يصيد لطعمة صَاحبه
وَلَيْسَ كل أحد يصلح لهَذِهِ الْمنزلَة يصلح لكل سُلْطَان مَا لم يكن مَعْرُوفا بالإخلاص لمن خدمه والمحبة لمن استخصه والإيثار لمن قربه
وَقَالَ صَبر الْعَفِيف ظريف
وَمن شعره قَالَ
سلوه لما صدني تيها وَلم هجراوأورث الجفن بعد الرقدة السهرا
وَقد جفاني بِلَا ذَنْب وَلَا سَبَبوَقد وفيت بميثاقي فَلم غدرا
يَا للرِّجَال قفوا واستشرحوا خبريمني فغيري لم يصدقكم خَبرا
إِن لنت ذلا قسا عزا عَليّ وَإِندانيته بَان أَو آنسته نَفرا
هَذَا هُوَ الْمَوْت عِنْدِي كَيفَ عنْدكُمْهَيْهَات أَن يَسْتَوِي الصادي وَمن صَدرا) الْبَسِيط
وَقَالَ أَيْضا
يَا وَارِثا عَن أَب وجدفَضِيلَة الطِّبّ والسداد
وضامنا رد كل روحهَمت عَن الْجِسْم بالبعاد
اقْسمْ لَو كَانَ طب دهرالعاد كونا بِلَا فَسَاد) الْكَامِل
وَقَالَ أَيْضا
فَإِذا قَرَأت كَلَامه قدرتهسحبان أَو يُوفي على سحبان
لَو كَانَ شَاهده معد خاطباأَو ذُو الفصاحة من بني قحطان
لاقر كل طائعين بِأَنَّهُأولاهم بفصاحة وَبَيَان
رب الْعُلُوم إِذا أجال قداحهلم يخْتَلف فِي فوزهن اثْنَان
ذُو فطنة فِي المشكلات وخاطرأمضى وأنفذ من شباة سِنَان
فَإِذا تفكر عَالم فِي كتبهيَنْفِي التقى وشرائط الْإِيمَان
أضحت وُجُوه الْحق فِي صفحاتهاترمي إِلَيْهِ بواضح الْبُرْهَان
وَدلَالَة تجلو بطالع بشرهاعز القرائح من ذَوي الأذهان) الْكَامِل
وَوجدت بِخَطِّهِ أَيْضا فِي الْحَاشِيَة هَذَا الْبَيْت وَهُوَ متكرر القافية
من حجَّة ضمن الْوَفَاء بنصرهانَص الْقيَاس وواضح الْبُرْهَان
وَكَأَنَّهُ كتبه عوضا عَن الْبَيْت الَّذِي أَوله أضحت وُجُوه
وَقَالَ يهجو
درى ومولاته وسيدهحُدُود شكل الْقيَاس مَجْمُوعه
وَالسَّيِّد فَوق الِاثْنَيْنِ منحملوالست تَحت الِاثْنَيْنِ مَوْضُوعه
وَالْعَبْد مَحْمُول ذِي وحامل ذَالحُرْمَة بَينهُنَّ مرفوعه
ذَاك قِيَاس جَاءَت نتيجتهقرينَة فِي دمشق مطبوعه) المنسرح
وَقَالَ أَيْضا
يَا ابْن قسيم أَصبَحت تنتحلالنَّحْو ودعواك فِيهِ منحوله
أمك مَا بالها فَقل وأجبمَرْفُوعَة السَّاق وَهِي مَفْعُوله
فاعلها الأير وَهُوَ منتصبمسَائِل قد آتتك مجهوله
وَالْعين عطل وَعين عصعصهابِنُقْطَة الخصيتن مشكوله) المنسرح
وَقَالَ أَيْضا
شيخ لنا من عظمه داهيهمَا مثله فِي الْأُمَم الخاليه
مهندس فِي طول أَيَّامهمَعَ قصره يبتلع الساريه
مثلث يدعمه قَائِملِأَنَّهُ منفرج الزاوية) السَّرِيع
وَقَالَ أَيْضا
يَا شمس علا بأبرج السعد تسيرالْعَالم فِي عظم معالك يسير
مَا زلت كَذَا ملكك بِالْعَدْلِ تسيرفِينَا وَتَفُك بالندى كل أَسِير) دوبيت
وَقَالَ أَيْضا
يَا سائلي عَن صِفَات مِنْهَا دائياسْمَع نكتا وخلني مَعَ رائي
فِي ريقتها سلافة الصَّهْبَاءفِي جبهتها كواكب الجوزاء) الدوبيت
وَقَالَ أَيْضا
مَا لَاحَ لناظري من الْعين عُيُونإِلَّا وَجَرت من أدمعي فيض عُيُون
غزلان نقا بَين أَرَاك وغصونأعرضن عني فزدن مَا بِي جُنُون) الدوبيت
وَقَالَ أَيْضا
بِاللَّه عَلَيْكُمَا ألما وَسَلاهُكم يقتلني ويحسب الْقلب سلاه
قد أوعد بالوفا فَإِن خَان وفاهقبلت جَبينه وَعَيْنَيْهِ وفاه) الدوبيت
وَقَالَ أَيْضا
الراح بَدَت بريحها الريحانيثمَّ افتخرت بلطفها الروحاني
لما سطعت بنورها النورانيرقت وصفت خلائق الْإِنْسَان) الدوبيت
وَقَالَ أَيْضا
أنفي نكد الزَّمَان بالأقداحفالراح قوام جَوْهَر الْأَرْوَاح
فَمَا يفلح من يظل يَوْمًا صاحيأَو يسمع من زخارف النصاح) الدوبيت
وَقَالَ أَيْضا
أطفئ نكد الْعَيْش بِمَاء وشرابفالدهر كَمَا ترى خيال وسراب
واغنم زمن اللَّذَّة بَين الأترابفالجسم مصيره كَمَا كَانَ تُرَاب) الدوبيت
وَقَالَ أَيْضا
الراح هِيَ الرّوح فواصل يَا صَاحصفراء بلطفها تنَافِي الأتراح
لَوْلَا شَبكَ يصيدها فِي الأقداحطارت فَرحا إِلَى مَحل الْأَرْوَاح
ولصدقة السامري من الْكتب شرح التَّوْرَاة
كتاب النَّفس
تعاليق فِي الطِّبّ ذكر فِيهَا الْأَمْرَاض وعلاماتها
شرح كتاب الْفُصُول لأبقراط لم يتم
مقَالَة فِي أسامي الْأَدْوِيَة المفردة
مقَالَة أجَاب فِيهَا عَن مسَائِل طبية سَأَلَهُ عَنْهَا الأسعد الْمحلي الْيَهُودِيّ
مقَالَة فِي التَّوْحِيد وسمها كتاب الْكَنْز فِي الْفَوْز
كتاب الِاعْتِقَاد
النص من طبعة دار مكتبة الحياة ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع