تجاوز إلى المحتوى

من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

محمد بن إبراهيم بن عيسى بن داود الحميري

من أهل مالقة، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن عيسى.

حاله: كان أديبا، حسن الخطّ، جيّد النظم، متظرّفا، لوذعيّا، مطبوعا، منحطّا في هواه، جامحا في ميدان بطالته، معاقرا للنّبيذ، على حفظ للرسم، واضطلاع بالخدمة، وإيثار للمروءة، ومعرفة بمقادير الأمور، وتشبّث بأذيال الحظوة. كتب للرئاسة السّعيدية بمالقة، ونظر على ألقاب جبايتها، وانتفع الناس بجاهه وماله، ووقع الثناء على حسن وساطته. ثم سافر عنها، وقد سمت مجادة السلطان في غرض انتقالها إلى العدوة، معوّضة بمدينة سلا من مالقة. وكان ما كان من معاجلة الأمر، والقبض على الريّس، وقيام ولده بالأمر، فانبتّ المذكور بالعدوة، وكانت بها وفاته.

وجرى ذكره في الإكليل الزاهر بما نصه: علم من أعلام هذا الفن،

ومشعشعي راح هذا الدّن، بمجموع أدوات، وفارس يراعة ودواة، ظريف المنزع، أنيق المرأى والمسمع، اختصّ بالرئاسة وأدار فلك إمارتها، واتّسم باسم كتابتها ووزارتها، ناهضا بالأعباء، راقيا في درج التقريب والاجتباء، مصانعا دهره في راح وراحة، آويا إلى فضل وسماحة، وخصب ساحة، كلما فرغ من شأن خدمته، وانصرف عن ربّ نعمته، عقد شربا، وأطفأ من الاهتمام بغير الأيام حربا، وعكف على صوت يستعيده، وظرف يبديه ويعيده. فلما تقلّبت بالرئاسة الحال، وقوّضت منها الرحال، استقرّ بالمغرب غريبا، يقلّب طرفا مستريبا، ويلحظ الدنيا تبعة عليه وتثريبا، وإن كان لم يعدم من أمرائها حظوة وتقريبا، وما برح يبوح بشجنه، ويرتاح إلى عهود وطنه.

شعره وكتابته: ممّا كتبه، وبيّن فيه أدبه قوله:

يا نازحين ولم أفارق منهمشوقا تأجّج في الضّلوع ضرامه
غيّبتم عن ناظري وشخصكمحيث استقرّ من الضلوع مقامه
رمت النّوى شملي فشتّت نظمهوالبين رام لا تطيش سهامه
وقد اعتدى فينا وجدّ مبالغاوجرت بمحكم جوره أحكامه
أترى الزمان مؤخّرا في مدّتيحتى أراه قد انقضت أيّامه

تحملها يا نسيم نجديّة النّفحات، وجديّة اللّفحات، يؤدي عني نغمها إلى الأحبّة سلاما، ويورد عليهم لفحها بردا وسلاما، ولا تقل كيف تحمّلني نارا، وترسل على الأحبّة مني إعصارا، كلّا إذا أهديتهم تحية إيناسي، وآنسوا من جانب هبوبك نار ضرام أنفاسي، وارتاحوا إلى هبوبك، واهتزّوا في كفّ مسرى جنوبك،

وتعللّوا بها تعليلا، وأوسعوا آثار مهبّك تقبيلا، أرسلها عليهم بليلا، وخاطبهم بلطافة تلطفّك تعليلا. ألم تروني كيف جئتكم بما حملني عليلا:

كذاك تركته ملقى بأرضله فيها التعلّل بالرّياح
إذا هبّت إليه صبا إليهاوإن جاءته من كلّ النواحي
تساعده الحمائم حين يبكيفما ينفكّ موصول النّياح
يخاطبهنّ مهما طرن شوقاأما فيكنّ واهبة الجناح؟

ولولا تعلّله بالأماني، وتحدّث نفسه بزمان التّداني، لكان قد قضى نحبه، ولم أبلّغكم إلّا نعيه أو ندبه، لكنه يتعلّل من الآمال بالوعد الممطول، ويتطارح باقتراحاته على الزمن المجهول، ويحدّث نفسه وقد قنعت من بروق الآمال بالخلّب، ووثقت بمواعيد الدهر القلّب، فيناجيها بوحي ضميره، وإيماء تصويره: كيف أجدك يوم الالتقاء بالأحباب، والتخلّص من ربقة الاغتراب؟ أبائنة الحضور أم بادية الاضطراب؟ كأنّي بك وقد استفزّك وله السرور، فصرفك عن مشاهدة الحضور، وعاقتك غشاوة الاستعبار للاستبشار، عن اجتلاء محيّا ذلك النهار:

يوم يداوي زماناتي من ازمانيأزال تنغيص أحياني فأحياني
جعلت لله نذرا صومه أبداأفي به وأوفّي شرط إيماني
إذا ارتفعنا وزال البعد وانقطعتأشطان دهر قد التفّت بأشطاني
أعدّه خير أعياد الزمان إذاأوطاني السّعد فيه ترب أوطاني

أرأيت كيف ارتياحي إلى التّذكار، وانقيادي إلى معلّلات توهّمات الأفكار؟

كأنّ البعد باستغراقها قد طويت شقّته، وذهبت عني مشقّته، وكأنّي بالتّخيّل بين تلك

الخمائل أتنسّم صباها، وأتسنّم رباها، وأجتني أزهارها، وأجتلي أنوارها، وأجول في خمائلها، وأتنعّم ببكرها وأصائلها، وأطوف بمعالمها، وأتنشّق أزهار كمائمها، وأصيخ بأذن الشّوق إلى سجع حمائمها، وقد داخلتني الأفراح، ونالت منّي نشوة الارتياح، ودنا السّرور لتوسّم ذهاب الأتراح. فلمّا أفقت من غمرات سكري، ووثبت من هفوات فكري، وجدت مرارة ما شابه لبّي في استغراق دهري، وكأنّي من حينئذ عالجت وقفة الفراق، وابتدأت منازعة الأشواق، وكأنما أغمضتني للنّوم، وسمح لي بتلك الفكرة الحلم:

ذكر الدّيار فهاجه تذكارهوسرت به من حينه أفكاره
فاحتلّ منها حيث كان حلولهبالوهم فيها واستقرّ قراره
ما أقرب الآمال من غفواتهلو أنها قضيت بها أوطاره

فإذا جئتها أيها القادم، والأصيل قد خلع عليها بردا مورّسا، والربيع قد مدّ على القيعان منها سندسا، اتّخذها فديتك معرّسا، واجرر ذيولك فيها متبخترا، وبثّ فيها من طيب نفحاتك عنبرا، وافتق عليها من نوافج أنفاسك مسكا أذفرا، واعطف معاطف بانها، وأرقص قضب ريحانها، وصافح صفحات نهرها، ونافح نفحات زهرها. هذه كلّها أمارات، وعن أسرار مقاصدي عبارات، هنالك تنتعش بها صبابات، تعالج صبابات، تتعلّل بإقبالك، وتعكف على لثم أذيالك، وتبدو لك في صفة الفاني المتهالك، لاطفها بلطافة

اعتلالك، وترفّق بها ترفّق أمثالك، فإذا مالت بهم إلى هواك الأشواق، ولووا إليك الأرؤس والأعناق، وسألوك عن اضطرابي في الآفاق، وتقلّبي بين الإشآم والإعراق، فقل لهم: عرض له في أسفاره، ما يعرض للبدر في سراره، من سرّ السّرار، وطاق المحاق، وقد تركته وهو يسامر الفرقدين، ويساير النّيّرين، وينشد إذا راعه البين:

وقد نكون وما يخشى تفرّقناواليوم نحن وما يرجى تلاقينا
للشاعر ابن زيدون، من قصيدة «أضحى التنائي بديلا من تدانينا»

لم يفارق وعثاء الأسفار، ولا ألقى من يده عصا التّسيار، يتهاداه الغور والنّجد، ويتداوله الإرقال والوخد، وقد لفحته الرّمضاء، وسئمه الإنضاء.

فالجهات تلفظه، والآكام تبهظه، تحمل همومه الرّواسم، وتحفى به النّواسم:

لا يستقرّ بأرض حين يبلغهاولا له غير حدو العيس إيناس

ثم إذا استوفوا سؤالك عن حالي، وتقلّبي بين حلّي وترحالي، وبلغت القلوب منهم الحناجر، وملأت الدموع المحاجر، وابتلّت ذيولك بمائها، لا بل تضرّجت بدمائها، فحيّهم عنّي تحيّة منفصل، وودّعهم وداع مرتحل. ثم اعطف عليهم ركابك، ومهّد لهم جنابك، وقل لهم إذا سألني عن المنازل بعد سكانها، والرّبوع بعد ظعن أظعانها، بماذا أجيبه، وبماذا يسكن وجيبه. فسيقولون لك هي البلاقع المقفرات، والمعارف التي أصبحت نكرات:

صمّ صداها وعفا رسمهاواستعجمت عن منطق السائل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «يا دار ماوِية بالحائلِ»

قل لهم: كيف الرّوض وآسه؟ وعمّاذا تتأرّج أنفاسه؟ عهدي به والحمام يردّد أسجاعه، والذّباب يغني به هزجا فيحكّ بذراعه ذراعه، وغصونه تعتنق، وأحشاء جداوله تصطفق، وأسحاره تتنسّم وآصاله تغتبق، كما كانت بقية نضرته، وكما عهدتها أنيقة خضرته، وكيف التفاته عن أزرق نهره، وتأنّقه في تكليل إكليله بيانع زهره. وهل رقّ نسيم أصائله، وصفت موارد جداوله؟ وكيف انفساح ساحاته، والتفاف دوحاته؟ وهل تمتدّ كما كانت مع العشيّ فينانة سرحاته؟

عهدي بها، المديدة الظّلال، المزعفرة السّربال، لم تحدّق الآن به عيون نرجسه، ولا صدّ بساط سندسه. وأين منه مجالس لذّاتي، ومعاهد غدواتي وروحاتي؟ إذ أباري في المجون لمن أباري، وأسابق إلى اللّذات كلّ من يجاري. فسيقولون لك: ذوت أفنانه، وانقصفت أغصانه، وتكدّرت غدرانه، وتغيّر ريحه وريحانه، وأقفرت معالمه، وأخرست حمائمه، واستحالت به حلل خمائله، وتغيّرت وجوه بكره وأصائله، فإن صلصل حنين رعد فعن قلبي لفراقه خفق، وإن تلألأ برق فعن حرّ حشاي ائتلق، وإن سحّت السّحب فمساعدة لجفني، وإن طال بكاؤها فعنّي، حيّاها الله تعالى منازل، لم تزل بمنظوم الشّمل أواهل. وحين انتثرت نثرت أزهارها أسفا، ولم تثن الريح من أغصانها معطفا، أعاد الله تعالى الشّمل فيها إلى محكم نظامه، وجعل الدهر الذي فرّقه يتأنّق في أحكامه. وهو سبحانه يجبر الصّدع، ويعجّل الجمع، إنه بالإجابة جدير، وعلى ما يشاء قدير. إيه بنيّ، كيف حال من استودعتهم أمانتك، وألزمتهم صونك وصيانتك، وألبستهم نسبك، ومهّدت لهم حسبك؟ الله في حفظهم فهو اللّائق بفعالك، والمناسب لشرف خلالك، ارع لهم الاغتراب لديك، والانقطاع إليك، فهم أمانة الله تعالى في يديك، وهو سبحانه يحفظك بحفظهم، ويوالي بلحظك أسباب لحظهم، وإن ذهبتم إلى معرفة الأحوال، فنعم الله ممتدّة الظّلال، وخيراته ضافية السّربال؛ لولا الشوق الملازم، والوجد الذي سكن الحيازم.

ووقفت من شعره على قصيدة من جملة رسالة، أثبتها وهي:

أللبرق يبدو تستطير الجوانحوللورق تشدو تستهلّ السّوافح
وقلبي للبرق الخفوق مساعدووجدي للورق الثكالى مطارح
إذا البرق أورى في الظلام زناديفللوجد في زند الصّبابة قادح
وكم وقفة لي حيث مال بي الهوىأغادي بها شكوى الجوى وأراوح
تنازعني منها الشّجون فأشتكيويكثر بثّي عندها فأسامح
أبثّ شجوني والحمام يصيخ ليويسعدني فيما تبيح التّبارح
وتطرب أغصان الأراك فتنثنيإلى صفحة النهر الصّقيل تصافح
فتبتسم الأزهار منها تعجّبافتهدي إليها عرفها وتنافح
كذلك حتى ماد عطف مثقّفيوطرفي أبدى هزّة وهو مارح
فلمّا التظى وجدي ترنّم صاهلافقلت: أمثلي يشتكي الوجد نابح؟
صرفت عدوّ البيد أرخو عنانهوقلت له: شمّر فإنّي سابح
تهيّأ لقطع البيد واعتسف السّرىسيلقاك غيظان بها وممايح
فحمحم لو يسطيع نطقا لقال لهبمثلي تلقى هذه وتكافح
وحمّلته عزما تعوّد مثلهفقام به مستقبلا من يناطح
ويمّمت بيدا لم أصاحب لجوّهاسوى جلد لا يتّقى منه فاضح
وماضي الغرارين استجدت مضاءهإذا جرّدت يوم الجلاد الصّفائح
ومندمج صدق الأنابيب نافذ بهعند كرّي في الحروب أفاتح
وسرت فلا ألقى سوى الوحش نافراوقد شردت عنّي الظّباء السوانح
تحدّق نحوي أعينا لم يلح لهاهنالك إنسيّ ولا هو لائح
وقد زأرت أسد تقحّمت غيلهافقلت: تعاوت إنها لنوابح
وكم طاف بي للخبر من طائف بهافلم أصغ سمعا نحوها وهو صائح
ويعرض لي وجها دميما ومنظراشنيعا له تبدو عليه القبائح
فما راعني منه تلوّن حالهبل ايقظ عزمي فانثنى وهو كالح
فلمّا اكتست شمس العشيّ شحوبهاومالت إلى أفق الغروب تنازح
تسربلت للإدلاج جنح دجنّةفها أنذا غرسي إلى القصد جانح
فخضت ظلام الليل والنّجم شاخصإليّ بلحظ طرفه لي لامح
يردّده شزرا إليّ كأنماعليّ له حقد به لا يسامح
وراقب من شكل السّماك نظيرهخلا أنّ شكلي أعزل وهو رامح
يخطّ وميض البرق لي منه أسطراعلى صفحة الظّلماء فهي لوائح
إذا خطّها ما بين عينيّ لم أزلأكلّف دمعي نحوها فهو طامح
وما زلت سرّا في حشا النبل كامناإلى أن بدا من ناسم الصّبح فاتح
وهبّ نسيم الصبح فانعطفت لهقدود غصون قد رقتها صوادح
تجاذبن من ذكري أحاديث لم تزليردّدها منها مجدّ ومازح
وملت إلى التّعريس لما انقضى السّرىأروض له نفسي وعزمي جامح
ومال الكرى بي ميلة سكنت لهاعلى نصب الوعثاء منّي الجوارح
كم أخذت منه الشّمول بثارهافبات يسقّى وهو ريّان طافح
وقرّبت الأحلام لي كلّ مأملفأدنته منيّ وهو في الحقّ نازح
أرتني وجوها لو بذلت لقربهاحياتي لمن بالقرب منه يسامح
لقلّ لها عمري وما ملكت يديوحدّثت نفسي أنّ تجري رابح
وما زلت أشكو بيننا غصص النّوىوما طوّحت بي في الزمان الطوائح
فمنها ثغور للسّرور بواسملقربه ومنها للفراق نوائح
تقرّبها الأحلام منّي ودونهامهامه فيها للهجير لوافح
وبحر طمت أمواجه وشآبيبوقفر به للسّالكين جوامح
قضيت حقوق الشوق في زورة الكرىفإنّ زيارات الكرى لموانح
يقرّبن آمالا تباعد بينهاوتعبث فيها بالنفوس الطّوامح
فلمّا تولّى عنّي النوم أعقبتهموم أثارتها الشّجون فوادح
وعدت إلى شكوى البلاء ولم أزلأردّدها والعذر منّي واضح
وما بلّغت عني مشافهة الكرىتبلّغها عنّي الرياح اللّواقح
وحسبك قلب في إسار اشتياقهوقد أسلمته في يديه الجوانح

وفاته: قال شيخنا أبو بكر بن شبرين: توفي بسجلماسة في صفر عام ستة عشر وسبعمائة.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الإحاطة في أخبار غرناطة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.