من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
شعره ودخوله غرناطة
قال في عشيّة بنهر الغنداق، خارج بلدنا لوشة بنت الحضرة، والمحسوب من دخلها فقد دخل إلبيرة، وقد قيل: إن هذا النهر من أحواز برجة، وهذا الخلاف داع إلى ذكره:
عرّج بمنعرج الكثيب الأعفربين الفرات وبين شطّ الكوثر
ولنغتبقها قهوة ذهبيّةمن راحتي أحوى المراشف أحور
وعشيّة قد كنت أرقب وقتهاسمحت بها الأيام بعد تعذّر
نلنا بها آمالنا في روضةتهدي لناشقها شميم العنبر
والدّهر من ندم يسفّه رأيهفيما مضى منه بغير تكدّر
والورق تشدو والأراكة تنثنيوالشمس ترفل في قميص أصفر
والرّوض بين مفضّض ومذهّبوالزّهر بين مدرهم ومدنّر
والنهر مرقوم الأباطح والرّبىبمصندل من زهره ومعصفر
وكأنّه وكأنّ خضرة شطّهسيف يسلّ على بساط أخضر
وكأنما ذاك الحباب فرندهمهما طفا في صفحة كالجوهر
وكأنّه، وجهاته محفوفةبالآس والنّعمان، خدّ معذّر
نهر يهيم بحسنه من لم يهمويجيد فيه الشّعر من لم يشعر
ما اصفرّ وجه الشمس عند غروبهاإلّا لفرقة حسن ذاك المنظر
ولا خفاء ببراعة هذا النظم. وقال منها:
أرأت جفونك مثله من منظرظلّ وشمس مثل خدّ معذّر
وهذا تتميم عجيب لم يسبق إليه. ثم قال منها:
وقرارة كالعشر بين خميلةسالت مذانبها بها كالأسطر
فكأنّها مشكولة بمصندلمن يانع الأزهار أو بمعصفر
أمل بلغناه بهضب حديقةقد طرّزته يد الغمام الممطر
فكأنه والزّهر تاج فوقهملك تجلّى في بساط أخضر
راق النّواظر منه رائق منظريصف النّضارة عن جنان الكوثر
كم قاد خاطر خاطر مستوفزوكم استفزّ جماله من مبصر
لو لاح لي فيما تقدّم لم أقلعرّج بمنعرج الكثيب الأعفر
قال أبو الحسن الرّعيني، وأنشدني لنفسه:
وعشيّة كانت قنيصة فتيةألفوا من الأدب الصّريح شيوخا
فكأنما العنقاء قد نصبوا لهامن الانحناء إلى الوقوع فخوخا
شملتهم آدابهم فتجاذبواسرّ السّرور محدّثا ومصيخا
والورق تقرأ سيرة الطرب التيينسيك منها ناسخا منسوخا
والنهر قد صفحت به نارنجةفتيمّمت من كان فيه منيخا
فتخالهم حلل السّماء كواكباقد قارنت بسعودها المرّيخا
خرق العوائد في السّرور نهارهمفجعلت أبياتي لهم تاريخا
ومن أبياته في البديهة:
وعندي من مراشفها حديثيخبّر أنّ ريقتها مدام
وفي أجفانها» السّكرى دليلوما ذقنا ولا زعم الهمام
تعالى الله ما أجرى دموعيإذا عنّت لمقلتي الخيام
وأشجاني إذا لاحت بروقوأطربني إذا غنّت حمام
ومن قصيدة:
عذيري من الآمال خابت قصودهاونالت جزيل الحظّ منها الأخابث
وقالوا: ذكرنا بالغنى، فأجبتهمخمولا وما ذكر مع البخل ماكث
يهون علينا أن يبيد أثاثناوتبقى علينا المكرمات الأثائث
وما ضرّ أصلا طيّبا عدم الغنىإذا لم يغيّره من الدهر حادث
وله يتشوق إلى أبي عمرو بن أبي غياث:
أبا عمرو متى تقضى اللياليبلقياكم وهنّ قصصن ريشي
أبت نفسي هوى إلّا شريشاوما بعد الجزيرة من شريش
وله من قصيدة:
طفل المساء وللنسيم تضوّعوالأنس ينظم شملنا ويجمّع
والزّهر يضحك من بكاء غمامةريعت لشيم سيوف برق تلمع
والنّهر من طرب يصفّق موجهوالغصن يرقص والحمامة تسجع
فانعم أبا عمران واله بروضةحسن المصيف بها وطاب المربع
يا شادن البان الذي دون النقاحيث التقى وادي الحمى والأجرع
الشمس يغرب نورها ولربماكسفت ونورك كلّ حين يسطع
إن غاب نور الشمس بتنا نتقيبسناك ليل تفرّق يتطلّع
أفلت فناب سناك عن إشراقهاوجلا من الظلماء ما يتوقّع
فأمنت يا موسى الغروب ولم أقل«فوددت يا موسى لو أنّك يوشع»
وقال:
ألا بشّروا بالصبح من كان باكياأضرّ به الليل الطويل مع البكا
ففي الصبح للصّبّ المتيّم راحةإذا الليل أجرى دمعه وإذا شكا
ولا عجب أن يمسك الصبح عبرتيفلم يزل الكافور للدّم ممسكا
ومن بديع مقطوعاته قوله:
مثل الرّزق الذي تطلبهمثل الظّلّ الذي يمشي معك
أنت لا تدركه متّبعافإذا ولّيت عنه أتبعك
وقال:
دخلتم فأفسدتم قلوبا بملككمفأنتم على ما جاء في سورة النّمل
وبالعدل والإحسان لم تتخلّقوافأنتم على ما جاء في سورة النحل
وقال أبو بكر محمد بن محمد بن جهور: رأيت لابن مرج الكحل مرجا أحمر قد أجهد نفسه في خدمته فلم ينجب، فقلت:
يا مرج كحل ومن هذي المروج لهما كان أحوج هذا المرج للكحل
يا حمرة الأرض من طيب ومن كرمفلا تكن طمعا في رزقها العجل
فإنّ من شأنها إخلاف آملهافما تفارقها كيفيّة الخجل
فقال مجيبا بما نصّه:
يا قائلا إذ رأى مرجي وحمرتهما كان أحوج هذا المرج للكحل
هو احمرار دماء الرّوم سيّلهابالبيض من مرّ من آبائي الأول
أحببته أن حكى من فتنت بهفي حمرة الخدّ أو إخلافه أملي
وفاته: توفي ببلده يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول سنة أربع وثلاثين وستمائة، ودفن في اليوم بعده.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع