تجاوز إلى المحتوى

من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

محمد بن عبد الله بن داود بن خطاب الغافقي

حاله: من صلة ابن الزبير: كان كاتبا بارعا، شاعرا مجيدا، له مشاركة في أصول الفقه وعلم الكلام، وغير ذلك، مع نباهة وحسن فهم، ذو فضل وتعقل، وحسن سمت. وورد على غرناطة، واستعمل في الكتابة السلطانية مدة، وكان معلوم القدر، معظّما عند الكافة. ثم إنه رجع إلى مرسية، وقد ساءت أحوالها، فأقام بها مدة، ثم انفصل عنها، وقد اشتدّت أحوالها، واستقر بالعدوة بعد مكابدة.

قلت: أخبرني شيخنا أبو الحسن الجياب، ﵀، قال: كان شكس الأخلاق، متقاطبا، زاهيا بنفسه؛ ابتدأ يوما كتابا مصدّرا بخطبته، فقال فيه يصف صحابة رسول الله ﷺ «عفوة العفوة»، وتركه لأمر عرض له، فنظر إليه الفقيه عمر اللّوشي، وهو كاتب المقام السلطاني، فظنّ لقصوره أنه وهم، وأراد «الصفوة» فأصلحه، فلمّا عاد ونظر إليه مزّقه، وكسر الآلة، وقال: لا أقيم بموضع بلغ فيه الجهل إلى هذا القدر، ويتسوّر به الإصلاح على قلم يطمع بعد في مقامه.

وانصرف، واستقرّ بتلمسان، كاتبا عن سلطانها أبي يحيى يغمراسن بن زيّان.

وزعموا أن المستنصر أبا عبد الله ابن الأمير أبي زكريا، استقدمه على عادته في استدعاء الكتّاب المشاهير والعلماء، وبعث إليه ألف دينار من الذهب العين، فاعتذر وردّ عليه المال، وكانت أشقّ ما مرّ على المستنصر، وطهر له علوّ شأنه، وبعد همّته.

مشيخته: روى عن القاضيين أبي عيسى بن أبي السّداد، وأبي بكر بن محرز، وعن الأستاذ أبي بكر محمد بن محمد، المعروف بالقرشي، وقرأ وسمع على هؤلاء ببلده، وأجاز له كتابة أبو الربيع بن سالم وغيره.

شعره: من ذلك قوله:

اقنع بما أوتيته تنل الغنىوإذا دهتك ملمّة فتصبّر
واعلم بأنّ الرزق مقسوم فلورمنا زيادة ذرّة لم نقدر
والله أرحم بالعباد فلا تسلأحدا تعش عيش الكرام وتؤجر
وإذا سخطت لبؤس حالك مرةورأيت نفسك قد غوت فلتبصر
وانظر إلى من كان دونك تدّكرلعظيم نعمته عليك وتشكر

ومما قاله في صباه:

يا دعوة شاكما قد دهاه من لحاظ رشاك
ظبي تصدّى للقلوب يصيدهامن ناظريه في سلاح شاك
ورمى وإن قالوا رنا عن فاترساج عليه سيمة النّسّاك
قد كنت أحذر بطشه لو أننيأبصرت منه مخايل الفتّاك
أو ما عليه ولا عليه حاكميحمي ثغورك أو يحوط حماك
أو ما لجارك ذمّة مرعيّةأبذا يظلّ دم الغريب طلاك؟
إني استنمت إلى ظلالك ضلّةفإذا ظباؤك ماضيات ظباك
ما لي أخاطب بانة ما أن تعيقولا ولا ترثي لدمعة باك؟
أكريمة الحيّين، هل لمتيّمرحمى لديك فأرتجي رحماك؟
أصبتني بعد المشيب وليس منعذر لمن لم يصبه ثراك
لولاك ما جذبت عناني لوعةوالله يشهد أنني لولاك
لمّا دعا داعي هواك أجبتهمن لا يجيب إذا دعت عيناك؟
أصليتني نار الصّدود وإنّنيراض بأن أصلى ولا أسلاك
وأبحت ما منع التشرّع من دميبالله من أفتاك قتل فتاك؟
وتركت قلبي طائرا متخبّطابشباك ختلك أو بطعن سباك
ومنعت أجفاني لذيذ منامهاكي لا يتيح لي الكرى لقياك
ولقد عجبت وأنت جدّ بخيلةكأن أعرت الشمس بعض حلاك
إني لأيأس من وصلك تارةلكن أعلّل مطمعي بعلاك
أسماك أنك قد خفضت مكانتيهلّا خلعت عليّ من سيماك؟
إني معنّاك المتيّم فليكنحظّي لديك مناسبا مغناك
تثني معاطفك الصّبا خوطيّةوكذا الصّبا فصباك مثل حماك
أبعدتني منها بطعنة رامحألذاك سمّتك الورى بسماك؟
أأموت من عطش وثغرك موردفيه الحياة استودعتها فاك؟
هلا تني عن حلوة فلعلّةوضعت أداة النفي في اسم لماك

وقال يجيب أبا عبد الله بن خميس، ﵀، عن قصيدة بعث بها إليه أولها:

رد في حدائق مائها مرتادقد لذّ مورود وطاب مراد
زرق الأسنّة دون زرق حمامهاوظبى كما رنت العيون حداد

هذه الأبيات:

نعم المراد لمن غدا يرتادمرعى يرفّ نباته ومهاد
سالت على العافي جداوله كماصالت على العادي ظبى تناد
فشددت رحل مطيتي منه إلىحيث السيادة تبتنى وتشاد
وركبت ناجية مبارية الصّباخضراء فوق خضارة تعتاد
يغتادها سكانها قلّب علىمن كان من سكانها استبداد
عجبا لهم أحلامهم عاديّةتمضي عليهم حكمها أعواد
خبّر تلمسانا بأني جئتهالمّا دعاني نحوها الرّواد
وأعاقها سمعا ولم أر حسنهاإلّا أناسا حدّثوا فأجادوا
ولربّ حسن لا ثواه ناظرويراه لا يخفى عليه فؤاد
ودخلتها فدخلت منها جنّةسكانها لا تخفى ولا حياد
ورأيت فضلا باهرا ومكارماوعلا تغاضر دونها التّعداد
أهل الرّواية والدراية والنّدىفي نورهم أبدا لنا استمداد
فهم إذا سئلوا بحار معارفولدى السكينة والنهى أطواد
درجاتها ينحطّ عنها غيرهمومن الورى قتر ومنه وهاد
فأجلّهم وأحلّهم من مهجتيبمكانة ما فوقها مزداد
وأودّ حين أخطّ أطيب ذكرهملو أنّ أسود مقلتيّ مداد

وقال يخاطبه وقد وقف على بعض قصيدة:

رقّت حواشي طبعك ابن خميسفهفا قريضك بي وهاج رسيسي
ولمثله يصبو الحليم ويمتريما للشروق به وسير العيس
لك في البلاغة والبلاغة بعض ماتحويه من أثر محلّ رئيسي
نظم ونثر لا تبارى فيهمامهّدت ذاك وذا بعلم الطّوس

وقال عند وفاته وربما نسبت لغيره:

ربّ أنت الحليم فاغفر ذنوبيليس يعفو عن الذنوب سواكا
ربّ ثبّت عند السؤال لسانيوأقمني على طريق هداكا
ربّ كن لي إذا وقفت ذليلاناكس الرأي أستحي أن أراكا
ربّ من لي والنار قد قربت ليوأنا قد أبحت عهد حماكا؟
ربّ مالي من عدّة لمآليغير أني أعددت صدق رجاكا
ربّ أقررت أنّني عبد سوءحلمك الجمّ غرّه فعصاكا
ربّ أنت الجواد بالخير دومالم تزل راحما فهب لي رضاكا
ربّ إن لم أكن لفضلك أهلاباجترائي فأنت أهل لذاكا

نثره: ومن نثره ما خاطب به صديقين له بمرسية من مدينة إشبيلية:

كتبته، كتب الله لكما فوزا بالحسنى، وأجناكما من ثمرات إحسانه أكثر ما يجنى. من إشبيلية، وحالي بحمد الله حسنة، ونفسي بحبّ قربكما مرتهنة، وعليّ بما لديكما من السّراوة التي جبلتما على فطرتها، وامتزتما في الاجتلاء بغرّتها، علم لا يدخله الشكّ، ونسبتي إلى ودّكما الذي لبسته معلما، وتقلّدته محرما، لا يعبّر عن معناها إلّا بما لا يزال ولا ينفكّ. فلنثن عنان القلم عن مداده، ونأخذ في حديث سواه. وصلنا إشبيلية ضحوة يوم الثلاثاء خامس ربيع الآخر، ولقينا الإفانت على ميلين، وفزنا بما ظهر من بشره واعتنائه بقرار الخاطر، وقرة العين، ونزلنا في الأخبية

خارج البلد، موضعا يعرف بالقنب، قد تفجّر عيونا، وجمع ماؤه وهواؤه من المحاسن فنونا، وعرض علينا النزول في الدّيار داخل المدينة، فرأينا المقام فيه أحد الأسباب المسعدة على حفظ الصحة المعينة، ورغبنا عن المدينة لحرّها الوهاج، وغبارها العجاج، ومائها الأجاج. ولمّا ثاب من النشاط البارح، واستقلّ من المطيّ الرازح، طفت في خارجها وداخلها، ووقفت على مبانيها المشيّدة ومنازلها، ورأيت انسياب أراقشها، وتقصيت آثار طريانتها وبراقشها، فشاهدت من المباني العتيقة، والمنارة الأنيقة، ما يملأ أعين النّظّار، وينفسح فيه مجال الاعتبار، على أني ما رأيتها إلّا بعد ما استولى عليها الخسف، وبان عنها الظّرف، ونبا عنها الطّرف، فلا ترى من مغانيها إلّا طللا دارسا، ولا تلمح من بدائعها إلا محيّا عابسا، لكن الرائي إذا قدّر وضعها الأول، وركب وهمه من مبانيها ما تحلّل، وتخيّل في ذهنه حسنها وتمثل، تصور حسنا يدعو إلى المجون، ويسلي عن الشجون، لولا أنها عرضت لأشمط راهب، لما دان إلّا بدن ولا تقرّب بغير قارب، وحسبي أن أصفها بما يقيها من القبول، وأقول إنها في البلاد بمنزلة الربيع من الفصول، ولولا أن خاطري مقسّم، وفكري حدّه مثلم، لقضيت من الإطناب وطرا، ولم أدع من معاهدها عينا إلّا وصفتها ولا أثرا.

وفاته: توفي بتلمسان يوم عاشوراء سنة ست وثمانين وستمائة.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الإحاطة في أخبار غرناطة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.