من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
محمد بن عبد الله بن محمد بن لب الأمي
يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن الصايغ، بالصاد المهملة، والغين المعجمة، من أهل ألمريّة.
حاله: من خطّ شيخنا أبي البركات في «الكتاب المؤتمن على أنباء أبناء الزمن»: كان سهلا، سلس القياد، لذيذ العشرة، دمث الأخلاق، ميّالا إلى الدّعة، نفورا عن النّصب، يركن إلى فضل نباهة وذكاء، يحاسب بها عند التحصيل والدراسة والدّؤوب على الطلب، من رجل يجري من الألحان على مضمار لطيف،
ولم يكن له صوت رخيم، يساوق انطباعه في التّلحين، يخبر ذلك بالأوتار.
وحاول من ذلك بيده مع أصحابه، ما لاذ به الظرفاء منهم. واستعمل بدار الأشراف بألمرية، فأحكم تلك الطريقة في أقرب زمان، وجاء زمامه يروق من ذلك العمل شأنه. ثم نهضت به همّته إلى أرفع من ذلك، فسار إلى غرناطة، وقرأ بها العربية وغيرها، وانخرط في سلك نبهاء الطلبة لأدنى مدة. ثم رحل إلى بلاد المشرق في حدود العشرين وسبعمائة، فلم يتجاوز القاهرة لموافقة هوائها علّة كان يشكوها، وأخذ في إقراء العربية بها، وعرف بها إلى أن صار يدعى بأبي عبد الله النحوي. قال شيخنا المذكور: ورأى في صغره فأرة أنثى، فقال: هذه قرينة، فلقّب بذلك، وصار هذا اللقب أغلب عليه من اسمه ومعرفته.
وجرى ذكره في التاج بما نصه: لجّ معرفة لا يغيض، وصاحب فنون يأخذ فيها ويفيض. نشأ ببلده مشمّرا عن ساعد اجتهاده، وشارك في قنن العلم ووهاده، حتى أينع روضه، وفهق حوضه. ثم أخذ في إراحة ذاته، وشام بارقة لذّاته، ثم سار في البطالة سير الجموح، وواصل الغبوق بالصّبوح، حتى قضى وطره، وسيم بطره، وركب الفلك، وخاض اللّجج الحلك، واستقرّ بمصر على النعمة العريضة، على شكّ في قضائه الحجّة العريضة، وهو اليوم بمدرستها الصالحية، نبيه المكانة، معدود في أهل العلم والديانة.
مشيخته: قرأ بألمرية على المكتّب أبي عبد الله الميرقي، وأخذ عن شيخ الجماعة أبي الحسن بن أبي العيش، وقرأ بالحضرة على الخطيب أبي الحسن القيجاطي وغيره. وأخذ بالقاهرة عن الأستاذ أبي حيّان، وانتفع به وبجاهه.
شعره: قال شيخنا أبو البركات: وكان أخذ من قرض جيد الشعر بالحظّ الوافر.
فمن شعره ما نقله إلينا الحاج الحافظ المكتّب أبو جعفر بن غصن، حسبما قيّده عنه بمصر:
بعد المزار ولوعة الأشواقحكما بفيض مدامع الآماق
وحفوق نجديّ النسيم إذا سرىأذكى لهيب فؤادي الخفّاق
أمعلّلي إنّ التّواصل في غدمن ذا الذي لغد فديتك باق؟
إنّ الليالي سبّق قد أقبلتوإذا تولّت لم تنل بلحاق
عج بالمطيّ على الحمى، سقي الحماصوب الغمام الواكف الرّقراق
فيه لذي القلب السليم ودادهقلب سليم يا له من راق
قلب غداة فراقهم فارقتهلا كان في الأيام يوم فراق
يا ساريا والليل ساج عاكفيفري الفلا بنجائب ونياق
عرّج على مثوى النّبيّ محمدخير البريّة ذي المحلّ الراقي
ورسول ربّ العالمين ومن لهحفظ العهود وصحّة الميثاق
الظّاهر الآيات قام دليلهاوالطّاهر الأخلاق والأعراق
بدر الهدى البادي الذي آياتهوجبينه كالشمس في الإشراق
الشّافع المقبول من عمّ الورىبالجود والإرفاد والإرفاق
والصّادق المأمون أكرم مرسلسارت رسالته إلى الآفاق
أعلى الكرام ندى وأبسطهم يداقبضت عنان المجد باستحقاق
وأشدّ خلق الله إقداما إذاحمي الوطيس وشمّرت عن ساق
أمضاهم والخيل تعثر في القناوتجول سبحا في الدّم المهراق
من صيّر الأديان دينا واحدامن بعد إشراك مضى ونفاق
وأحلّنا من حرمة الإسلام فيظلّ ظليل وارف الأوراق
لو أنّ للبدر المنير كمالهما ناله كسف ونكس محاق
لو أنّ للبحرين جود يمينهأمن السّفين غوائل الإغراق
لو أنّ للآباء رحمة قلبهذابت نفوسهم من الإشفاق
ذو العلم والحلم الخفيّ المنجليوالجاه والشّرف القديم الباقي
آياته شهب وغرّ بنانهسحب النّوال تدرّ بالأرزاق
ماجت فتوح الأرض وهو غياثهاوربت ربى الإيمان وهو الساقي
ذو رأفة بالمؤمنين ورحمةوهدى وتأديب بحسن سياق
وخصال مجد أفردت بالخصل فيمرمى الفخار وغاية السّبّاق
ذو المعجزات الغرّ والآي التيكم آية فقدت وهنّ بواقي
ثنت المعارض حائرا لمّا حكتفلق الصّباح وكان ذا إفلاق
يقظ الفؤاد سرى وقد هجع الورىلمقام صدق فوق ظهر براق
وسما وأملاك السّماء تحفّهحتى تجاوزهنّ سبع طباق
منها:
يا ذا الذي اتصل الرّجاء بحبلهوانبتّ من هذا الورى بطلاق
حبّي إليك وسيلتي وذخيرتيإني من الأعمال ذو إملاق
وإليك أعملت الرّواحل ضمّراتختال بين الوخد والإعناق
نجبا إذا نشرت حلى تلك العلاتطوي الفلا ممتدّة الأعناق
يحدو بهنّ من النّحيب مردّدوتقودهنّ أزمّة الأشواق
غرض إليه فوّقتنا أسهماوهي القسيّ برين كالأفواق
وأنختها بفنائك الرّحب الذيوسع الورى بالنائل الدفّاق
وقرى مؤمّلك الشفاعة في غدوكفى بها هبة من الرزّاق
وعليك يا خير الأنام تحيّةنحيى النفوس بنشرها الفتّاق
تتأرّج الأرجاء من نفحاتهاأرج النّديّ بمدحك المصداق
منها:
قسما بطيب تراب طيبة إنهمسك الأنوف وإثمد الأحداق
وبشأن مسجدها الذي برحابهلمعامل الرّحمن أيّ نفاق
لأجود فيه بأدمع أسلاكهامنظومة بترائب وتراق
أغدو بتقبيل على حصبائهوعلى كرائم جدره بعناق
وعليك ذا النّورين تسليم لهنور يلوح بصفحة المهراق
كفؤ النبيّ وكفؤ أعلى جنّةحيزت له بشهادة وصداق
وعلى أبي السّبطين من سبق الألىسبقوا إلى الإسلام أيّ سباق
الطاهر الصّهر ابن عمّ المصطفىشرف على التّعميم والإطلاق
مبدي القضايا من وراء حجابهاومفتّح الأحكام عن إغلاق
يغزو العداة بغلظة فيهدّهمبصوارم تفري الفقار رقاق
راياته لا شيء من عقبانهابمطار يوم وغى ولا بمطاق
وعلى كرام ستّة عثرت بهمعند النظام ليالي النّسّاق
ما بين أروع ماجد نيرانهجنح الظلام تشبّ للطرّاق
وأخي حروب صدّه رشف القناعمّا قدود مثلهنّ رقاق
ما غرّدت شجوا مطوّقة وماشقّت كمام الرّوض عن أطواق
وعلى القرابة والصّحابة كلّهموالتابعين لهم ليوم تلاق
ولمّا سنّى الله في الرّوم الوقعة المبيرة والوقيعة الشهيرة التي أجلت عن قتل مليكهم معركتها، وانتهت للفتح معركتها وحركتها، وعمّت الإسلام بإتعاس فلّ الكفر بركتها، قدم مع الوفود من أهل بلده، وهنّأ أمير المسلمين بفتحه ذلك، وطلوع
ولده، فقال:
أمليك أم بدر الدّجى الوضّاحوحسامه أم بارق لمّاح؟
أعلى المسالك ما بنته يد التّقىوعمادها الأعلام والأرماح
وأحقّ من يدعى خليفة ربّهملك خلافته هدى ونجاح
كأمير أندلس وناصرها الذيأفنى العداة حسامه السّفاح
أسمى الملوك أبو الوليد المرتضىوأعزّ من شرفت به الأمداح
هو دوحة الملك العليّ فروعهاوبراحتيه ترزق الأدواح
وبمحو رسم عداته بلبانهنطق الكتاب وخطّت الألواح
بدر الكمال لو أنّ بدرا مثلهلم يبد خشية نوره الإصباح
بحر النّوال لو أنّ بدرا مثلهلارتاع خشية فيضه الملّاح
ولمثله قاد الجياد عدوّهفخبا له قدح وخاب قداح
أهواه شيطان الهوى في لجّةإنّ الهوى بأليفه طمّاح
طمع الشّقيّ أضلّه وأذلّهكل المطالع للغبيّ فصاح
فأبادهم وملوكهم فتح بداوبسعد جدّك ربّنا فتّاح
وفواصل تبرى بهنّ مفاصلوصفائح يفرى بهنّ صفاح
لم تفن كلّهم سيوف الهند بللسيوف جودك في النفوس جراح
ما زال حيّ عداك يحسد ميتهمويحثّ فوتا عاجلا فيراح
فاقتل كبيرهم وأحيى صغيرهمواسب النّساء فما عليك جناح
تسبيح ما حاط العداة وما حمواوحماك يا منصور ليس يباح
يا أمّة الكفران تفنيدا وهللجفون أعمى ينجلي مصباح؟
أتركتم بطرو وحيدا مفردايشدو عليه الطائر الصيّاح؟
وجوان يرتشف الندى فنديمهغربانه ووساده الصّفّاح
وكذلك المطران جاد رسومهقطر المنايا الصارم الطّفّاح
أرؤوس تبيضّ النعام بمرجناأصنافكم هذي أم الأشباح؟
ما للمطامير اشتكت من ضيقهابالمال والأسرى وهنّ فساح؟
جارت بكم أبطالنا فكأنكمكشح وجيش المسلمين وشاح
تبّا لروميّ يهيم براحةأيرام عن خيل الإله براح؟
قصّت قوادمكم فما إقدامكموالليل جنح الكفر تغيض جناح
هذا فلا تستعجلوا ببلادكمسترون كيف يكون الاستفتاح
قد انثنت بطحاؤنا بحطامكمونباتها الرّيحان والتفاح
تالله ما كنتم بأول عسكرأمل النجاح وحينه يجتاح
القسّ غرّكم ليهلك نسلكمبسيوفنا إن إفكه لصراح
كم ذا يسخّركم ويسخر منكمغدرا ومكرا إنه لوقاح
منها:
وفوارس نشأوا لنهب فراسطلبوا انتشاء للدّما لا الراح
أربوا على الأسد الهزبر بسالةمع أنهم غرّ الوجوه صباح
خاضوا بحار الحرب يطمو بحرهاووطيسها حامي الصّلى لفّاح
ما هم ببذل نفوسهم ونفيسهموعن النوال أو النّزال سجاح
وإذا هم ذكروا بناد فانتشقمسكا تضوّع عرفه النفّاح
فغدا وراح النصر يقدم جمعهمويحفّهم حيث اعتدوا أو راحوا
سنّاك مولانا بسعد مقبلخلصاء قد عمّتهم الأفراح
وبنجلك البدر الذي آفاقهملك وهالته هدى وصلاح
بدر البدور فلا بدار عليهوبذا أنارت» أربع وبطاح
فلكم عدوّ ما أفلّ بزوغهخسفت به الأوجال والأتراح
وهنا ونالك بالأمير تجدّدكلّ بحبّك نفسه ترتاح
قد جاء بعد العسر يسر شاملقد جاء بعد الشّدة الإنجاح
فالحمد لله الذي قد خصّناولنا بحمدك بعده إفصاح
وعلى المقام المولويّ تحيّةكالزّهر إذ تهدي شذاه رياح
ما خطّ مدحك في الطّروس محبّرومحا دياجير الأصيل صباح
وقال يرثي الخطيب ببلده، الشهير الفاضل، أبا الحسن بن شعيب، ﵀:
بوادي لقد حملت ما ليس لقواهفراق ولا من شرف الأرض تقواه
بليت بذا التفريق فاصبر فربمابلغت بحسن الصبر ما تتمنّاه
شجا كلّ نفس فقد أنفس جوهرتعدّ ولا تحصى كرام سجاياه
بكى كلّنا حزنا عليه كما بكىلفرقته محرابه ومصلّاه
فلله خطب جليل لقد رمىأجلّ خطيب بالجلالة مصماه
فلولاكم يغلب تأسّينا الأسىولم يشمل الشّمل التفجّع لولاه
فلم يبق إلّا من جفا جفنه الكرىومن جانبت وصل المضاجع جنباه
وفاء المرّي وفّى فوفّي أجرهوأصفى بإصفاء الإله وصافاه
أبي الحسن العدل الرّضا المحسن الذيأتته بأضعاف الزيادة حسناه
خطيب جلا فصل الخطاب بيانهوأعدل قاض فاضل في قضاياه
وجسم الهدى الرّحب السبيل وروحهولفظ العلى الفخر الأصيل ومعناه
مطيع رفيع خاضع متواضعكريم حليم طاهر القلب أوّاه
متى يمش هونا ليس إلّا لمسجدتمد خجلا أرض بها حطّ نعلاه
تكلّمه عرف وذكر وحكمةتلذّ بها الأسماع ما كان أحلاه
كذا صمته خوف وفكر وخشيةفما زال يخشى الله والكلّ يخشاه
يصوم وقد طال النهار مهجّراوتبحر بالليل التغمّض عيناه
فكم دارس أحياه من أربع التّقاوكم غاسق من حندس الليل أحياه
فيا طيّبا أصلا وذكرا وتربةومنه استفاد الطّيب أطيب ريّاه
وفي حرقة تحنو ومرأى وباطناوأمن سنا شمس الضحى من محيّاه
محيّا يروّي الناظرين تهلّلافتعرفه في الصالحين بسيماه
بحبّك هامت كلّ نفس منيبةكذا من أحبّ الله حبّبه الله
فما أنعم الأرض التي بك قدّستوآثر ذيّاك الضريح وأنداه
بشراك إنّا قد شغلنا بحزنناورضوان بشراه بذلك بشراه
عزا لأهليه الأهلة أنهملهم يعتري من بعده العزّ والجاه
نال شعيب في الزمان بدورهولم تكن الشمس المنيرة إلّاه
أعزّي أولي الإيمان كلّا بفقدهنعم وأسنّيه بحبّه مأواه
سقى الله وسميّ الحيا ذلك الثرىوغاداه صوب الغاديات وميّاه
كما قد سقاه ليلة الدّفن ربّهمن الغيث وكّاف السحاب وأسخاه
ترضّوا عن القاضي الإمام خطيبكمفقد رضي الرحمن عنه وأرضاه
وصلّوا على هادي الأنام نبيّكمصلاة بها يمحو المسيء خطاياه
عليك سلام الله ما الروض فاح إنسرت سحرا ريح الصّبا بخزاماه
وفاته: توفي، ﵀، في رمضان، تحقيقا من سنة خمس على شكّ وسبعمائة، أخبرني بذلك من يوثق به.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع