تجاوز إلى المحتوى

من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

محمد بن مسعود بن خالصة بن فرج بن مجاهد ابن أبي الخصال الغافقي

الإمام البليغ، المحدّث الحجّة، يكنى أبا عبد الله. أصله من فرغليط من شقورة، من كورة جيّان، وسكن قرطبة وغرناطة.

حاله: قال ابن الزّبير عند ذكره: ذو الوزارتين، أبو عبد الله بن أبي الخصال.

كان من أهل المعارف الجمّة، والإتقان لصناعة الحديث، والمعرفة برجاله، والتقييد لغريبه، وإتقان ضبطه، والمعرفة بالعربية واللغة والأدب، والنّسب والتاريخ، متقدما في ذلك كله. وأما الكتابة والنظم، فهو إمامهما المتفق عليه، والمتحاكم فيهما إليه.

ولما ذكره أبو القاسم الملّاحي بنحو ذلك قال: لم يكن في عصره مثله، مع دين وفضل وورع.

قال أبو عمرو ابن الإمام الإستجّي في سمط الجمان، لما ذكره: البحر الذي لا يماتح ولا يشاطر، والغيث الذي لا يساجل ولا يقاطر، والروض الذي لا يفاوح ولا يعاطر، والطّود الذي لا يزاحم ولا يخاطر، الذي جمع أشتات المحاسن، على ماء غير ملح ولا آسن؛ وكثرت فواضله، فأمنت المماثل والمحاسن، الذي قصرت البلاغة على محتده، وألقيت أزمة الفصاحة في يده، وتشرّفت الخطابة والكتابة باعتزائهما إليه، فنثل كنانتها، وأرسل كمائنها، وأوضح أسرارها ودفائنها، فحسب الماهر النّحرير، والجهبذ العلّامة البصير إذا أبدع في كلامه، وأينع في روض الإجادة نثاره ونظامه، وطالت قنى الخطيّة الذبل أقلامه، أن يستنير بأنواره، ويقتضي بعض مناهجه وآثاره، وينثر على أثوابه مسك غباره، وليعلم كيف يتفاضل الخبر والإنشاء، ويتلو إنّ الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.

وعضّه العقور أبو نصر في قلائده، حيث قال: «هو وإن كان خامل المنشأ نازله، لم ينزله المجد منازله، ولا فرّع للعلاء هضابا، ولا ارتشف للسّنا رضابا، فقد تميّز بنفسه، وتحيّز من أبناء جنسه، وظهر بذاته، وفخر بأدواته».

مشيخته: قال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير في الصلة: روى عن الغساني، والصّدفي، وأبي الحسن بن الباذش، وأبي عمران بن تليد، وأبي بحر الأسدي، وأبي عبد الله النّفزي، وجماعة غيرهم.

تواليفه: قال الأستاذ: وأمّا كتبه وشعره وتواليفه الأدبية، فكل ذلك مشهور، متداول بأيدي الناس، وقلّ من يعلم بعده، أن يجتمع له مثله، ﵀.

من روى عنه: روى عنه ابن بشكوال، وابن حبيش، وابن مضاء وغيرهم، وكل ذلك ذكره في رحاله، وهو أعرف بتقدّمه في احتفاله.

شعره: وله شعر كثير، فمن إخوانياته ما خاطب به أبا إسحاق بن خفاجة:

هبّ النسيم هبوب ذي إشفاقيذهبن الهوى بجناحه الخفّاق
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
وكأنما صبح الغصون بنشوةباحت لها سرائر العشاق
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
وإذا تلاعبت الرياح ببانهلعب الغرام بمهجة المشتاق
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
مه يا نسيم فقد كبرت عن الصّبالم يبق من تلك الصّبابة باق
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
إن كنت ذاك فلست ذاك ولاأنا قد أذنت مفارقي بفراق
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
ولقد عهدت سراك من عدد الهوىوالموت في نظري وفي استنشاق
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
أيام لو عنّ السّلوّ لخاطريقرّبته هديا إلى أشواقي
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
الهوى إلفي والبطالة مركبيوالأمن ظلّي والشباب رواقي
في حيث قسّمت المدامة قسمةضيزى لأن السكر من أخلاقي
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
لا ذنب للصّهباء أني غاصبولذاك قام السكر باستحقاق
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
ولقد صددت الكأس فانقبضت بهامن بعدها انبسطت يمين السّاقي
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
وتركت في وسط النّدامى خلّةهامت بها الوسطى من الأعلاق
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
فاستسرفوني مذكرين وعندهمأنى أدين اللهو دين نفاق
وحبابها نفث الحباب وربماسدكت يد الملسوع منه براق
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
وكأنه لما توقّر فوقهانور تجسّم من ندى الأحداق
لو بارح نفح النّوى في روضةفأثارها وسرى عن الأحداق
ولقد جلوا والله يدرأ كيدهمفتّانة الأوصاف والأعراق
أغوى بها إبليس قدما آدموالسّرّ يرمى في هواها الباقي
تالله أصرف نحوها وجد الرضالو شعشعت برضا أبي إسحاق

ومن نسيبه:

وليلة عنبريّة الأفقرويت فيها السرور من طرق
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
وكنت حرّان فاقتدحت بهانارا من الرّاح برّدت حرقي
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
وافت بها عاطلا وقد لبستغلالة فصّلت من الحدق
فاجا بها الدهر من بنيه دجىلقيته كالإصباح في نسق
قامت لنا في المقام أوجههموراحهم بالنجوم والشّفق
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
وأطلع البدر من ذرى غصنتهفو عليه القلوب كالورق
من عبد شمس بدا سناه وهلذا النور إلّا لذلك الأفق
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
مدّ بحمراء من مدامتهبيضاء كفّ مسكيّة العبق
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
فخلتها وردة منعّمةتحمل من سوسن على طبق
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
يشرب في الراح حين يشربهاما غادرت مقلتاه من رمق

وقال:

يا حبذا ليلة لنا سلفتأغرت بنفسي الهوى وما عرفت
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
دارت بظلمائها المدام فكمنرجسة من بنفسج قطفت
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة

وقال في مغنّ زار، بعده أغبّ وشطّ المزار:

وافى وقد عظمت عليّ ذنوبهفي غيبة قبحت بها آثاره
فمحا إساءته لنا إحسانهواستغفرت لذنوبه أوتاره

وقال يعتذر عن استبطاء مكاتبة:

ألم تعلموا والقلب رهن لديكميخبّركم عني بمضجره بعدي؟
فلو قلّبتني الحادثات مكانكملأنهبتها وفري وأوطأتها خدّي
ألم تعلموا أني وأهلي وواحدفداء ولا أرضى بتفدية وحدي؟
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة

ومن قوله في غرض المدح يخاطب تاشفين بن علي، ويذكر الوقعة بكركى، يقول فيها:

الله أعطاك فتحا غير مشتركوردّ عزمك عن فوت إلى درك
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
أرسل عنان جواد أنت راكبهواضمم يديك ودعه في يد الملك
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
حتى يصير إلى الحسنى على ثقةيهدي سبيلك هاد غير مؤتعك
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
قد كان بعدك للأعداء مملكةحتى استدرّت عليهم كورة الفلك
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
سارت بك الجرد أو طار الفضاء بهاوالحين قد قيّد الأعداء في شرك
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
فما تركت كميّا غير منعفرولا تركت نجيعا غير منسفك
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
ناموا وما نام موتور على حنقأسدى إذا فرصة ليست من السلك
فصبّحتهم جنود الله باطشةوالصبح من عبرات الفجر في مسك
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
من كل مبتدر كالنّجم منكدرتفيض أنفسهم غيظا من المسك
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
فطاعنوكم بأرماح وما طعنتوضاربوكم بأسياف ولم تحك
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
تعجّل النّحر فيهم قبل موسمهوقدّم الهدي منهم كلّ ذي نسك
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
فالطير عاكفة والوحش واقفةقد أثقلتها لحوم القوم عن حرك
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
عدت على كل عاد منهم أسربعثن في حنجر رحب وفي حنك
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
كلي هنيئا مريئا واشكري ملكاقرتك أسيافه في كل معترك
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
فلو تنضّدت الهامات إذ نشرتبالقاع للغيظان بالنّبك
أبرح وطالب بباقي الدهر ماضيهفيوم بدر أقامه الفيء في فدك
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
وكم مضى لك من يوم بنت لهفي ماقط برماح الحظّ مشتبك
بالنّقع مرتكم بالموت ملتئمبالبيض مشتمل بالشمر محتبك
فحص القباب إلى فحص الصعابإلى أريولة مداسات إلى السّكك
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
وكم على حبر محمود وجارتهللرّوم من مرتكل غير متّرك
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
وفّيت للصّفر حتى قيل قد غدرواسموت تطلب نصر الله بالدّرك
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
فأسلمتهم إلى الإسلام غدوتهموأذهب السيف ما بالدّن من حنك
يا أيها الملك السامي بهمّتهإلى رضى الله لا تعدم رضى الملك
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
ما زلت تسمعه بشرى وتطلعهأخرى كدرّ على الأجياد منسلك
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
بيّضت وجه أمير المؤمنين بهاوالأرض من ظلمة الإلحاد في حلك
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
فاستشعر النّصر واهتزّت منابرهبذكر أروع للكفار محتنك
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
فأخلدك ولمن والاك طاعتهخلود برّ بتقوى الله ممتسك
وافيت والغيث زاخر قد بكى طربالمّا ظفرت وكم بلّله من الضّحك
وتمّم الله ما أنشأت من حسنبكل منسبك منه ومنتمك
وعن قريب تباهي الأرض من زهيرسماها بها غضّة الحبك
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
فعد وقد واعتمد واحمد وسد وأبدوقل وصل واستطل واستول وانتهك
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
وحسبك الله فردا لا نظير لهتغنيك نصرته عن كل مشترك
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة

ومن قوله في غرض الرثاء، يرثي الفقيد أبا الحسن بن مغيث:

الدهر ليس على حرّ بمؤتمنوأيّ علق تخطّته يد الزمن
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
يأتي العفاء على الدنيا وساكنهاكأنه أدبر لم يسكن إلى سكن
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
يا باكيا فرقة الأحباب عن شحطهلّا بكيت فراق الرّوح للبدن؟
للشاعر ابن طفيل، من قصيدة «يا باكياً فرقة الأحباب عن شحط»
نور تقيّد في طين إلى أجلوانحاز علوا وخلّى الطين في الكفن
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
كالطير في شرك يسمو إلى دركحتى تخلّص من سقم ومن درن
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
إن لم يكن في رضى الله اجتماعهمافيا لها صفقة تمّت على غبن
للشاعر ابن طفيل، من قصيدة «يا باكياً فرقة الأحباب عن شحط»
يا شدّ ما افترقا من بعد ما اعتنقاأظنّها محرقة كانت على دخن
وربّ سار إلى وجه يسرّ بهوافى وقد نبت المرعى على الدّمن
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
أتى إلى الله لا سمع ولا بصريدعو إلى الرّشد أو يهدي إلى السّنن
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
في كل يوم فراق لا بقاء لهمن صاحب كرم أو سيّد قمن
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
أعيا أبا حسن فقد الذين مضوافمن لنا بالذي أعيا أبا حسن
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
كأنّ البقية في قوم قد انقرضوافهاج ما شاء ذاك القرن من شجن
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
يعدّ فدا وفي أثوابه رمز منكل ذي خلق عمرو وذي فطن
وإنّ من أوجدتنا كلّ مفتقدحياته لعزيز الفقد والظّعن
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
من للملوك إذا خفّت حلومهمبما يقاوم ذاك الطيش من سكن
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة

ومنها:

يا يونس لا تسر أصبحنا لوحشتنانشكو اغترابا وما بنّا عن الوطن
ويا مطاعا مطيعا لا عناد لهفي كل أمر على الإسلام مؤتمن
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
كم خطت كارتجاج البحر مبهمةفرّجتها بحسام سلّ من لسن
طود المهابة في الجلا وإن جذبتعنانه خلوة هزّت ذرى وتر
أكرم به سببا تلقى الرسول بهلخمس واردة في الفرض والسّنن
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
ناهيك من منهج سمّ القصور بههوى فمن قدر عال إلى فدن
من كل وادي التّقى يسقى الغمام بهفيستهل شروق الضّرع باللبن
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
تجمّلت بك في أحسابها مضروأصل مجدك في جرثومة اليمن
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
من دولة حولها الأنصار حاشدةفي طامح شامخ الأركان والقنن
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
من الذين هم رووا وهم نصروامن عيسة الدّين لا من جذوة الفتن
إن يبد مطّلع منهم ومستمعفارغب بنفسك عن لحظ وعن أذن
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
ما بعد منطقه وشي ولا زهرولا لأعلاق ذاك الدّرّ من ثمن
أقول وفينا فضل سؤددهأستغفر الله ملء السّر والعلن
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
محمد ومغيث نعم ذا عوضاهما سلالة ذاك العارض الهتن
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
تقيّلا هديه في كل صالحةنصر السّوابق عن طبع وعن مرن
ما حلّ حبوته إلّا وقد عقداحبا بما اختار من أيد ومن منن
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
غرّ الأحبّة عند حسن عهدهماوإن يؤنس في الأثواب والجنن
علما وحلما وترحيبا وتكرمةللزائرين وإغضاء على زكن
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
يا وافد الغيث أوسع قبره نزلاوروما حول ذاك الدّيم من ثكن
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
وطبق الأرض وبلا في شفاعتهفنعم رائد ذاك الرّيف واليمن
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
وأنت يا أرض كوني مرّة بأبيمثوى كريم ليوم البعث مرتهن
وإن تردّت بترب فيك أعظمهفكم لها في جنان الخلد من ردن
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة

ومن شعره قوله مخمّسا، كتب بها، وقد أقام بمراكش يتشوق إلى قرطبة:

بدت لهم بالغور والشّمل جامعبروق بأعلام العذيب لوامع
فباحت بأسرار الضمير المدامعوربّ غرام لم تنله المسامع

أذاع بها من فيضها لا يصوّب

ألا في سبيل الشّوق قلب مؤثّلبركب إذا شاء والبروق تحمل
هو الموت إلّا أنني أتحمّلإذا قلت هذا منهل عزّ منهل

وراية برق نحوها القلب يجنب

أبى الله إمّا كلّ بعد فثابتوإما دنوّ الدار منهم ففائت
ولا يلفت البين المصمّم لافتويا ربّ حيّ البارق المتهافت

غراب بتفريق الأحبّة ينعب

خذوا بدمي ذاك الوسيق المضرّجاوروضا بغيض العاشقين تأرّجا
عفى الله عنه قاتلا ما تحرّجاتمشّى الرّدى في نشره وتدرّجا

وفي كل شيء للمنيّة مذهب

سقى الله عهدا قد تقلّص ظلّهحيا قطره يحيى الربا مستهلّه
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
وعى به شخصا كريما أجلّهيصحّ فؤادي تارة ويعلّه

ويلمّه بالذكر طورا ويشعب

رماني على قرب بشرخ ذكائهفأعشت جفوني نظرة من ذكائه
وغصّت بأدنى شعبة من سمائهشعابي وجاء البحر في غلوائه

فكلّ بقرب ردع خدّيه يركب

ألم يأته أنّى ركنت قعوداوأجمعت عن وفز الكلام قعودا
ولم أعتصر للذّكر بعدك عوداوأزهقني هذا الزمان صعودا

فربع الذي بين الجوانح سبسب

على تلك من حال دعوت سميعاوذكّرت روضا بالعقاب مريعا
وتملأ الشعب المذحجي جميعاوسربا بأكناف الرّصافة ريعا

وأحداق عين بالحمام تقلّب

ولم أنس ممشانا إلى القصر ذي النّخلبحيث تجافى الطود عن دمث سهل
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
وأشرف لا عن عظم قدر ولا فضلولكنه للملك قام على رجل
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة

يقيه تباريح الشمال ويحجب

فكم وجع ينتابه برسيسهويرتحل الفتى بأرجل عيسه
أبق أمّ عمرو في بقايا دريسهكسحق اليماني معتليه نفيسه

فرقعته تسبي القلوب وتعجب

وبيضاء للبيض البهاليل تعتزيوتعتزّ بالبان جلالا وتنتزي
سوى أنها بعد الصّنيع المطرّزكساها البلى والثّكل أثواب معوز
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة

يبكي وتبكي للزائرين وتندب

وكم لك بالزّهراء من متردّدووقفة متّسق المجامع مقصد
يسكن من خفق الجوانح باليدويهتك حجب النّاصر بن محمد

ولا هيبة تخشى هنالك وترهب

لنعم مقام الخاشع المتنسّكوكانت في محلّ العبشمين المملّك
متى يورد النّفس العزيزة يسفكوإن يسم نحو الأبلق الفرد يملك

وأي مرام رامه يتصعّب

قصور كان الماء يعشق مبناهافطورا يرى تاجا بمفرق أعلاها
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
وطورا يرى خلخال أسوق سفلاهاإذا زلّ وهنا عن ذوائب يهواها
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة

يقول هوى بدرا أو انقضّ كوكب

أتاها على رغم الجبال الشّواهقوكلّ منيف للنجوم مراهق
وكم دفعت في الصّدر منه بعانقفأودع في أحشائها والمفارق

حسابا بأنفاس الرياح يذرب

هي الخود من قرن إلى قدم حسناتناصف أقصاها جمالا مع الأدنى
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
ودرج كأفلاك مبنى على مبنىتوافقن في الإتقان واختلف المعنى

وأسباب هذا الحسن قد تتشعّب

فأين الشّموس الكالفات بها ليلاوأين الغصون المائسات بها ميلا
وأين الظّباء السابحات بها ذيلاوأين الثّرى رجلا وأين الحصا خيلا

فوا عجبا لو أن من يتعجّب

كم احتضنت فيها القيان المزاهراوكم فاوحت فيها الرّياض المجامرا
وكم ساهرت فيها الكواكب سامراوكم قد أجاب الطير فيها المزامرا

عظيم من الدنيا شعاع مطنّب

كأن لم يكن يقضى بها النّهي والأمرويجبي إلى خزائنها البرّ والبحر
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
ويسفر مخفورا بذمّتها الفخرويصبح مختوما بطينتها الدهر

وأيامه تعزى إليها وتنسب

ومالك عن ذات القسيّ النّواضحوناصحة تعزى قديما لناصح
وذي أثر على الدهر واضحيخبر عن عهد هنالك صالح

ويعمر ذكر الذاهبين ويخرب

تلاقى عليه فيض نهر وجدولتصعّد من سفل وأقبل من عل
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
فهذا جنوبيّ وذلك شمأليوما اتفقا إلّا على خير منزل

وإلّا فإن الفضل منه مجرّب

كأنهما في الطّيب كانا تنافرافسارا إلى وصل القضاء وسافرا
ولمّا تلاقى السابقان تناظرافقال وليّ الحق مهلا تظافرا

فكلّكما عذب المجاجة طيّب

ألم يعلما أن اللّجاج هو المقتوأن الذي لا يقبل النّصف منبتّ
وما منكما إلّا له عندنا وقتفلما استبان الحقّ واتجه السّمت
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة

تقشّع من نور المودة غيهب

وإن لها بالعامريّة لمظهراومستشرفا يلهي العيون ومنظرا
وروضنا على شطّي خضارة أخضراوجوسق ملك قد علا وتجبّرا

له ترّة عند الكواكب تطلب

أغيّره في عنفوان المواردوأثبته في ملتقى كل وارد
وأبرزه للأريحيّ المجاهدوكلّ فتى عن حرمة الدين زايد
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة

حفيظته في صدره تتلهّب

تقدّم عن قصر الخلافة فرسخاوأصحر بالأرض الفضاء ليصرخا
فحالته أرض الشّرك فيها منوّخاكذلك من جاس الدّيار ودوّخا

فردعته في القلب تسري وترهب

أولئك قوم قد مضوا وتصدّعواقضوا ما قضوا من أمرهم ثم ودّعوا
فهل لهم ركز يحسّ ويسمع؟تأمّل فهذا ظاهر الأرض بلقع

إلّا أنهم في بطنها حيث غيّبوا

ألست ترى أن المقام على شفاوأن بياض الصّبح ليس بذي خفا
وكم رسم دار للأجنّة قد عفاوكأنّ حديثا للوفود معرّفا

فأصبح وحش المنتدى يتجنّب

ولله في الدّارات ذات المصانعأخلّاء صدق كالنجوم الطّوالع
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
أشيع بينهم كلّ أبيض ناصعوأرجع حتى لست يوما براجع

فياليتني في قسمتي أتهيّب

أقرطبة لم يثنني عنك سلوانولا بمثل إخواني بمغناك إخوان
وإني إذا لم أسق ماءك ظمآنولكن عداني عنك أمر له شان

وموطني آثار تعدّ وتكتب

لك الحقّ والفضل الذي ليس يدفعوأنت لشمس الدّين والعلم مطلع
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
ولولاك كان العلم يطوى ويرفعوكل التّقى والهدى والخير أجمع

إليك تناهى والحسود معذّب

ألم تك خصّت باختيار الخلائفودانت لهم فيها ملوك الطّوائف
وعضّ ثقاف الملك كلّ مخالفبكل حسام مرهف الحدّ راعف

به تحقن الآجال طورا وتسكب

إلى ملكها انقاد الملوك وسلّمواوكعبتها ندا الوفود ويمّموا
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
وفيها استفادوا شرحهم وتعلّمواوعاذوا بها من دهرهم وتحرّموا

فنكّب عنهم صرفه المتسحّب

علوت فما في الحسن فوقك مرتقىهواؤك مختار وتربك منتقى
وجسرك للدنيا وللدّين ملتقىوبيتك مربوع القواعد بالتّقى

إلى فضله لأكباب تنضى وتضرب

تولّى خيار التابعين بقاءهوخطّوا بأطراف العوالي فناءه
ومدّوا طويلا صيته وثناءهفلا زال مخلوع عليه سناءه

ولا زال سعي الكائدين يخيّب

وبالغ فيه كلّ أروع أصيدطويل المعالي والمكارم واليد
وشادوا وجادوا سيّدا بعد سيّدفبادوا جميعا عن صنيع مخلّد

يقوم عليه الثناء ويخطب

مصابيحه مثل النجوم الشّوابكتمزّق أثواب النجوم الحوالك
وتحفظه من كل لاه وسالكأجادل تنقضّ انقضاض النّيازك
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة

فإبشارهم بالطبطبية تنهب

أجدك لم تشهد بها ليلة القدروقد جاش برّ الناس منه إلى بحر
وقد أسرجت فيه جبال من الزّهرفلو أن ذلك النّور يقبس من فجر

لأوشك نور الفجر يفنى وينضب

كأن للثّريّات أطواد نرجسذوائبه تهفو بأدنى تنفّس
وطيب دخان النّدّ من كل معطّسوأنفاسه في كل جسم وملبس

وأذياله فوق الكواكب تسحب

إلى أن تبدّت راية الفجر تزحفوقد قضّى منهما الذي لا يسوّف
تولّوا وأزهار المصابيح تقطفوأبصارها صونا تغضّ وتطرف

كما تنصل الأرماح ثم تركّب

سلام على غيابها وحضورهاسلام على أوطانها وقصورها
سلام على صخرائها وقبورهاولا زال سور الله من دون سورها

فحسن دفاع الله أحمى وأرهب

وفي ظهرها المعشوق كل مرفّعوفي بطنها الممشوق كل مشفع
للشاعر ابن أبي الخصال، من قصيدة «سمت لهم بالغور والشمل جامع»
متى تأته شكوى الظّلامة ترفعوكل بعيد المستغاث مدفّع
للشاعر ابن أبي الخصال، من قصيدة «سمت لهم بالغور والشمل جامع»

من الله في تلك المواطن يقرب

وكم كربة ملء الجوانح والقلبطرقت وقد نام المواسون من صحب
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
بروعتها قبر الوالي لي وهبّوناديت في التّرب المقدّس يا ربّ

فأبت بما يهوى الفؤاد ويرغب

فيا صحبي حان قبلك مصرعيوكنت على عهد الوفا والرّضا معي
فحطّ بضاحي ذلك السّرى مضجعيوذرني فجار القوم غير مروّع

فعندهم للجار أهل ومرحب

رعى الله من يرعى العهود على النّوىويظهر بالقول المحبّر ما نوى
ولبيته من مستحكم الودّ والهوىيرى كلّ واد غير واديه مجتوى

وأهدى سبيله الذي يتجنّب

كتابته: وكتابة ذي الوزارتين، ﵀، كالشمس شهرة، والبحر والقطر كثرة؛ ونحن نثبت له شيئا من ذلك لئلّا يخلو هذا الكتاب من شيء من بيانه. كتب يراجع الوزير أبا بكر بن عبد العزيز، من رسالة كتب بها إليه مع حاج يضرب القرعة:

أطال الله بقاء وليّي وإمامي الذي له إكباري وإعظامي، وفي سلكه اتّسامي وانتظامي، وإلى ملكه انتسابي واعتزائي، وبودّه افتخاري وانتزائي، للفضائل مجيبا ومبديا، وللمحامد مشتملا ومرتديا، وبالغرائب متحفا ومهديا، ولا زال الرّخاء وأزل، وجدّ من المصافاة وهزل، وسحت من المراعاة وجزل. وصل كتابه صحبة عرّاف اليمامة، وفخر نجد وتهامة، يقرّظه ويزكّيه، ويصفه بالخبّ يفسّره ويجليه، والخفيّ يظهره ويبديه. ولعله رائد، لابن أبي صائد، أو هاد للمسيح الدّجال قائد. أشهد شهادة إنصاف، أن عنده لعضبا صاف، ولو كان هناك ناظر صادق طاف، ولله خفايا الألطاف، لقلت هو باد غير خاف، من بين كل ناعل وحاف. وسأخبرك، أيّدك الله، بما اتّفق، وكيف طار ونعق، وتوسّد الكرامة وارتفق، طرق له وصفك ونعتك، وثقّفه بريك ونحتك، ورفعه للعيون جدّك وبختك، وامتدت نحوه النواظر، واستشرفه الغائب والحاضر، وتسابق إليه النّابه والخامل، وازدحم عليه العاطل والعامل. هذا يلتمس مزيدا، وذاك يبتغي حظا جديدا، وهذا يطلب تقليدا، وذلك يسلّ إلى مغاليقه إقليدا.

فكلما حزب، وغلّ وجلب، حلب واستدرّ، وتلقاه وإن ساءه الغيب بما سرّ. وكنت واتغت جملة من الأعيان، ووافقت ثلّة من جلّة الإخوان، على تمشية أمره، وتوشية ذكره؛ فلمّا صدقت تلك الفرقة، واستوت بهم تلك الفرقة، أحضرناه للسّبار، وأقعدناه للنّقد والاختيار، وأردنا أن نقف على جلايا تلك الأخبار، فأحضرنا طحنا ونطعا، وسرينا عنه من الوحشة قطعا، وقلنا له خذ عفوك، ولا توردنا إلّا صفوك، ولا تصانعنا في الكريهة التي نراها، والحادثة تستفظع ذكراها؛ فما عندنا جهل، وما منّا إلّا محتنك كهل، لا يتكاده حزن ولا يستخفّه سهل، فسكن جائش فوره، وضرب بلحيته على زوره، ثم صعّد فينا النظر وصوّب، واستهلّ صارخا وثوّب، وتحرّج من الكذب

وتحوّب، وقال: لست للعشرة خابطا، ولا للطّرف غامضا، ولا عن الصدق إذا صدع حائدا، ولا للغدر ممّن وقع منه ذائدا، ولا بمعجزات النبوّة لاعبا، ولا لصريح الجدّ مداعبا، ولا تطيبني مسألة ولا حلوان، ولا تستفزّني نضائد كثيرة ولا ألوان. إنما هو رسم وخطّ، ورفع وحطّ، ونحس وسعد، ونقد ووعد، ويوم وغد. فقلنا له الآن صحّت الوفادة، وأينعت الإرادة. ثم نظر إلينا نظر المستقلّ، واجتذب النّطع اجتذاب المدلّ، ونثل الطّحن وهاله، وأداره حتى استدار هاله، ثم قال: يا أيها الملأ هذا المبتدأ، فأيكم يبدأ. فرمقني القوم بأبصارهم وفغروا وكبّروا، وليتهم عند ذلك صفّروا، فقلت: يا قوم قد عضضت على ناجذي حلما، وقتلت شأني كلّه علما، وعقدت بيني وبين غد سلما، فكيف أستكشف عما أعرف، وأسبقهم عمّا لا يستبهم.

على الرحمن توكلت، وعلى الشيطان تركّلت، ومن كسبي أكلت، وفي مبرك السّلامة بركت، وجسيمات الأمور تركتني وتركت، والنفس المطمئنة رجوت، ولعلني قد نجوت، وأصبت فيما نحوت. فلحظتني عند هذه المقالة عينه، وطواني صدقه ومينه.

ثم صار القوم دوني أنجية، وأعدّ له كل تورية وتعمية. فقال قائل منهم: تعالوا نشترك في ضمير، ونرمه بهذا الطاغية ابن رذمير، ففي كل قلب منه ندب كبير، والسؤال عنه دين وأدب، فإن أصابه استرحنا من النّصب والشّخوص، وحرنا من العموم إلى الخصوص، وإن أخطأه فهو لما سواه أخطأ، ولما يدّعيه ويريده منه أبطأ. فقالوا: نعم ما عرضت، وأحسن بما رويت وفرضت. فلمّا رأيناه يثقل التّعريض، ويحكم التقرير والتعويض، قلنا له: حقّق ضميرك كل التحقيق، وضع مسبحتك في الدقيق. فابتدر ما أمر، وحسر عن ذراعه وشمّر، ومرت أصبعه في خطّه مرّ الذّر المتهالك، ووقعت وقع القطر المتدارك، لا تمس الطّحن إلّا تحليلا، وغمزا كالوهم قليلا، فطورا يستقيم سبيلا، وتارة يستدير إكليلا، وآونة يأتي بالسماء ونجومها قبيلا. فكان هنالك لنعش من بنات، وللثّريا من أخوات، وطير قابضات، وصافّات وأسراب ناشرات خافقات.

فلمّا استوفى عدده، وبلغ أمده، وختم طرائقه وقدده، وأعطى الأصول وفروعها، وتدبّر تفاريقها وجموعها، فجمع وتقبّض، وفتر ثم انتفض، وصعّد ذهنه وتسافه، وأخذ الطّحن فسافه؛ وزفر وشهق، وعشّر ونهق، وألصق بظهره حشاه، وكتم الرّبو ثم أفشاه، وقال: هذا الذي كنت أخشاه، عميتم الأثر، وكتمتم حقيقة الخبر، وعثرتم خاطي فما عثر، ونثرتم نظام الحدس فما انتثر. سألتم عن روح شارد، وشيطان مارد، وصادر مع اللّحظات وارد، لا يوطن دارا، ولا يأوي قرارا، ولا يطعم النّوم إلّا غرارا. نعم أمره عندي مستقر، هو زنديق مستتر؛ وشهاب من شهب الكفر مستمر.

ثم رجّع البصر واختصر، وعاد إلى الحساب يتقرّاه، والصواب يتحرّاه، وتتبّع أديم الطّحن ففراه، وقال: أعوذ بالله من شرّ ما أراه. إلى كم أرى في غلاء وبلاء؟ كأني لست ذا أمرار وأحلاء، تالله لو كانت قرعة رفعة وعلاء؛ ما غاب عني اللّحياني ذو السّبلة، ولواجهنا البياض ذو الغرّة المستقلّة مواجهة حسان لجبلة. النّحس على هذه الروح قد رتّب؛ وكتب عليه من الشقاء ما كتب، وأخرج النّصرة الداخلة من العتب.

ثم أشار إلى الحمرة، وكأنما وضع يده على جمرة، وقال: كوسج نعيّ، وسناط الوجه شقيّ، وثقاف وطريق، وجماعة وتفريق، وقبض خارج، ومنكوس مارج. ثم وضع عمامته، ولولب هامته، وأمال وجهه فجرا طلقا، ثم عرضه مجنا مطرقا، وعقد أنامله عضّا، وأدمى صدره دعّا ورضّا، وقطع بصره لمحا وغضّا، وتكفّأ وتقلّع، وأدلع لسانه فاندلع. فقلنا: شرّ تأبّطه، أو شيطان يتخبّطه، أو قرين يستنزله ويختله، أو رؤى في الذرة والغاب يفتله. ثم تجاحظ وتحاذر، وتضاءل وتنازر، وقال: والذي أحيا عازر، وأخرج إبراهيم من آزر، وملك عنان الريح وأذعن له كل شيء بالسجود والتّسبيح، إنه لمن عبّاد المسيح، هيهات هيهات، لا أضعضع بظنّ، ولا يقعقع لي بشنّ، ولا أنازع من هذه الفنون في فنّ. قد ركبت أثباج البحار، وقطعت نياط المفاوز والقفار. وشافهني الحرم والبيت، وصافحني الحجر الكميت، وأحرمت ولبّيت، وطفت ووفيت، وزرت المصطفى ﷺ، وتحفّيت. ثم ملت على عدن، وانحدرت عن اليمن، واستسقيت كل راعدة، وأتيت كل قاعدة؛ ورأيت صاحب الجمل قسّ بن ساعدة، ووردت عكاظ، وصدّقت الحفّاظ، وقدت العصية بنسع، ومسحت الشامات بأخمس وتسع، ووقفت حيث وقف الحكمان، وشهدت زحف التّركمان، وكيف تصاولت القروم، وغلبت الرّوم، وهزم المدبر المقبل، واكتسحت الجحاش الإبل. فقلنا: لله أنت، لقد جليت عن نفسك، وأربى يومك على أمسك، ولقد صدق مطريك، ووفت صحيفة تزكّيك، وما كانت فراستنا لتخيب فيك. فماذا تستقري من اللوح، وترى في ذلك الروح؟ بعيشك ألا ما أمتعتنا بالإفشاء والبوح! فرجع في البحث أدراجه، وطالع كواكبه وأبراجه، وظلّ على مادة الطّحن يرقم ويرمق، ويفتق ويرتق. ثم جعل يبتسم، وقال: أحلف بالله وأقسم، لقد استقام النّسم، وإنه لكما أرسم وأسم، وإني لا أجده إلّا لاغبا مبهورا، ومنكودا مقهورا، ولن يلبث إلّا شهورا. قد أفل طالع جدّه، وفلّ حدّه، وأتي عليه نقي خدّه، وصيّ لم يملك أبوه وملك جدّه، فقلنا: صرّحت وأوضحت، وشهرت هذا المستور وفضحت، وإن ساعدك قدر، وكان لك عن هذا الورود صدر، فحظك مبتدر، وخطّك صاف لا يشوبه كدر. فقال: هذا أمر قد آن أو كان، وسيأتيكم الخبر الآن، فانفصلنا وأصغينا الآذان، وجعلنا نتلقى الرّكبان، فلم يرعنا إلّا النّعمى الناجمة، والبشرى الهاجمة، بما

بان، فأدهنا في شانه، ولم يكن يعاوده خوف طغيانه، فإذا الخبر لم يخط صماخه، وكأنما كان عودا وافى مناخه، أو طائرا أمّ أفراخه. فلم ينشب أن أقبل يصمد نحونا أي صمد، ويتعرضنا على عمد، تعرّض الجوزاء للنجوم؛ وينقضّ انقضاض نيازك النجوم، وقال: ألم يأن أن تدينوا لي بالإكبار، وتعلموا أني من الجهابذة الكبار؟

فقلنا: منك الإسجاح، فقد ملكت ومنك ولك النجاح، أيّة سلكت. فأطرق زهوا، وأعرض عنا لهوا، وقال: اعلموا أن القرعة لو طوت أسرارها، ومنعتني أخبارها، لمزّقت صدارها، وذروت غبارها، ولكان لي عنها أوسع منتدح، وأنجد زناد يقدح، أين أنتم عن رصدي الأحلاك، وعلمي بالأفلاك؟ أنا في مرج الموج، وأوج الأوج، والمتفرد بعلم الفرد والزّوج، ومسترط السّرطان، ومستدير الدّبران، وبائع المشتري بالميزان، والقابض بيوم الحساب والعمل، على روق الثّور وذنب الحمل، أعقد نصل العقرب، وأقيّد الأبعد والأقرب، لصيد أوابدها بالدقائق والدّرج، حتى اضطرّ سارحها إلى الحرج، وأصبحها في أضيق منعرج، أنا استذكرت بالأنبار، فرحة الإقبال وترحة الإدبار، وطالعت أقليدس فاستنبطته، وصارعت المجسطي فجسطنته، وارتمطت إلى الأرتماطيقا، وأطقت الألوطيقا، ولحظت التحليل بحلّ ما عقده، وانتضيته ما مطل به الجهابذة فنفّذه. وعاينت زحل، حين استقلّ على بعيره ورحل، وضايقته في ساحته، وحصرته في مساحته، وحضرت قرانه، وشهدت تقدّمه ومرانه، وشاهدته شفرا بشفر، وناجاني برقا يعدّ في الكفر، وتخريبه لملك الصّفر، وتفريقه لبلاد اللّطينة، وإنجاز الوعد في فتح قسنطينة. أنا عقدت رشا الدّلو، وذروت غبار الحوت للفلو. أنا اقتدحت سقط الجوزهر، فلاح بعد خفائه وظهر. أنا استثرت الهلال من مكامن سرره، وأخذت عليه ثنايا سفره، وقددت قلامته من ظفره، ودللت طير الصّاير على شجره، فجنيت المرّ من ثمره، أنا طرقت الزّهرة في خدرها، وصافحتها من الفكرة بيد لم تدرها. أنا أذكيت على ذكاء فظلّت تلتهب، وأحرزتها من الوهم شطنا أجذبها به فتنجذب. أنا أنعى للمعتبرين حياتها، فيشبهون الحسنة ويتحرّون أوقاتها، حتى تنتشر بعد الطيّ حياتها، وتستقيل من العثار آياتها.

أنا انتضيت للشباب شرخا، وأضرمت للمرّيخ عقارا ومرخا، حتى أتغانى بملاحم حروبه، وحوادث طلوعه وغروبه، وتلمّظه إلى النّجيع، وولوغه في مهجة البطل السّجيع. أنا أبرى من اللّمم، وأشفى من الصّمم، وأنقل العطس إلى الشّمم. فقلنا:

أمّا الأولى، فقد سلّمنا لك جميعها، وأمّا هذه الثلاثة فلن تستطيعها. قال: فلم تعجزون ولا تستخزون؟ فقلنا: من كان له علاج فبنفسه يبدأ، ونغب بغيره. ولسنا نريدك، ولكن تهتزّ يدك. قال: أما من بينهم روي، وألقى في روعه ما ألقى في روعي، فمثله كالصّارم، حسنه في فرنده، لا غمده، وجماله في حدّه لا في خدّه،

والمرء كما قيل بأصغريه، لا بمنخريه، والشأن في الحيزوم، لا في الخيشوم، وفي الذّكرين، لا في الأنثيين، وبعد، فهو كلام ظاهره إجمال، وباطنه احتمال، وسأنبّئكم بغزارة سيله، وفجر ليله. أما الأفطس فيدلي الضّغنة، ويتزوج في آل جفنة. فإن الله أتمّ، جاء الولد أتمّ، وإن نام عرق خاله، بقي الولد بحاله. وأما الأصمّ، فيخرج عن الغلام، وبلا فال، ويطلب في بني السّميعة بركة الاسميّة والفال، فإن الله أراد، ظفر بالمراد، وجاء ابنه أسمع من قراد. فأحسّ من بعض الحاضرين تمريضا، وعاين طرفا غضيضا، فتعكّر وتشذّر، وطوّف وحذّر، وقال صاحب الشريعة، سمّاهم بني السّميعة، قوموا يا بني اللّكيعة، فقد قطعتم رزقي، وآذيتم طرقي، وأذللتم ضربي وطرقي، وسددتم طوقي، وأخذتم على أفقي غربي وشرقي. ذروني للتي هي للبليّة تجني، ثم الوجد يعني، لو شرب نواديه إثر تجنّي.

ثم نجا بعزمته سميلا، وأرسل بنات نعش ذيلا، وقد أفاد بما استصحب من ميامنك ليلا، كذّبني أيّدك الله عند نواه، ولم يطلعني طلع ما نواه؛ وما ذاك إلّا لمطمع لواه، ومغنم هواه. فرفعت لي بعد وداعه نجوة، ورمتني بشخصه فجوة، فقلت: ما أراك إلّا غائل، أورثت عنك الحبائل. فسراك سرى قين، وحديثك مين، ألم تعبر دجيلا، ويمّمت سهيلا؟ فقال: طربت إلى الأصفية الصّغار، وشاقني الشوق بين الطّواغيت والأصفار. فقلت له: هلمّ إلى خطّ نعيده، وحظّ نستفيده. فقال: لولا أن تقولوا الساعة متى، وتطالبوني بإحياء الموتى، لما أجمعت إلى الغرب غروبا، ولأريتكم من الحذق ضروبا. ثم قال: إن لي بالحضرة أفراخا، وأمّا استصرخت عليها استصراخا، وانسلخت منها انسلاخا، وأعيا عليّ أمره فلم أعلم له ظعنا ولا مناخا. فلبثت كذلك أياما، ثم اعتمّ عليّ أمره اعتياما، ولم أعرف له إنجادا ولا اهتماما، فإذا به وقد أضمرت عنه بأسا، ولم أطمع فيه رأسا، قد أشبّ لي شبابا، ولمعت صلعته شهابا، تكتنفه صرّة، وبيمناه قوصرة، وتؤود يسراه جرّة. فقلت له: قاتلك الله، ما أشدّ فقداتك إلّا فقدتك، وما أذكر وجداتك إلّا وجدتك، أين أفراخك، والأمّ التي جذبها استصراخك؟ فقال: الصعلوك، لو أعلم مذاهبه، تحرّم مناهبه، وتحدم مراهبه. ذرني وعلاجي، أحاجي وأداجي، وأعاين وأناجي، وأتقلب في بركة دعاء الباجي. فقلت له: مالك وللميت، ورحم الله من سمّيت. قال: لمّا أذن الله فالتأمت الشّيمة، وتمزّقت عني المشيمة، هممت بالسّرق، ولففت في

الخرق، وفارقت من الضيق منتداه، وأفلتتني يداه؛ فحنّكني السعد بتمر المدينة، وسقاني من ماء البلدة الأمينة، وعوّذني بدعوات متينة. فها أنا كما ترى أتهادى وأجتذب، وأستحلي وأستعذب. فقلنا: لعمرك إنه لفضل عميم، لولا الصّميم، وإنها لمنقبة، لولا العقبة، وأثرة ملتمسة، لولا العطسة، فقال: دعنا من زخاريفك، وأغضض من عنان تصاريفك. البازل لا يكون إلّا ذميما، والليث لا يوجد إلّا شميما. ثم قام وحمل، وابتدر وارتجل:

عيشنا كلّه خدعفاترك اللوم عنك ودع
أنا كالليث والليوث بأرسائها ترع
ولها الأوجه السّيمه من يلقها يرع
أيّ حسن لمازنبيد الدّلّ يخترع؟
أنا كالسّيف حدّهلا يبالي بما وقع
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
إنما الحسن للمهاة وللظّبي يا لكع
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة

فقلت: تبّا لك سائر اليوم، إنك لتريش وتبري، وتقدّ وتفري، وتحاسن وتقابح، وتهارش وتنابح، وتحبّ وتتأمل، وتحسن وتغلغل، وتشاعر وتراجز، وتناطح وتناجز. وأنت على هذا كله مصرّ، ما جزاؤك إلّا ريح فيها صرّ، فما هو إلّا أن غفلت عنه لمحة طرف، أو نفحة عرف، ثم التفتّ وإذا به قد أفلس، وكأنما كان برقا خلّس، ولم أدر أقام أو جلس.

ومحاسنه القطر الذي لا يعدّ، والأمر الذي يأخذه الحدّ. وكفى بهذه الرسالة دليلا على جلالة مقداره، وتدفّق بحاره وفخاره؛ لما اشتملت عليه من بلاغة وبيان، وبساط حال أنت على خبره بعيان، وعلوم ذات افتنان، خلّد الله عليه الرحمة، وضاعف له المنّة والنعمة.

مولده: بأوائل ربيع الثاني عام خمسة وستين وأربعمائة.

وفاته: من خطّ الحافظ المحدّث أبي القاسم بن بشكوال، ﵀: كان ممن أصيب أيام الهرج بقرطبة، فعظم المصاب به، الشيخ الأجلّ، ذو الوزارتين، السيد الكامل، الشهير الأثير، الأديب، اللغوي، السّري، الكاتب البليغ، معجزة زمانه

وسابق أقرانه، ذو المحاسن الجمة، الجليلة الباهرة، والأدوات الرفيعة الزكية، الطاهرة الكاملة، المجمع على تناهي نباهته، وحمد خصاله وفصاحته، من لا يشقّ غباره، ولا تلحق آثاره، معجزة زمانه في صناعة النثر والنظم، أبو عبد الله بن أبي الخصال، رحمه الله تعالى ورضي عنه ونضّر وجهه. ألفي مقتولا قرب باب داره بالمدينة، وقد سلب ما كان عليه، بعد نهب داره، واستئصال حاله، وذهاب ماله، وذلك يوم السبت الثاني عشر من شهر ذي الحجة من سنة أربعين وخمسمائة. فاحتمل إلى الرّبض الشرقي بحومة الدرب، فغسّل هنالك وكفّن، ودفن بمقبرة ابن عباس عصر يوم الأحد بعده، ونعي إلى الناس وهم مشغولون بما كانوا بسبيله من الفتنة. فكثر التفجّع لفقده، والتأسّف على مصاب مثله، وأجمعوا على أنه كان آخر رجال الأندلس علما وحلما، وفهما ومعرفة، وذكاء وحكمة ويقظة، وجلالة ونباهة، وتفننا في العلوم. وكان له، ﵀، اهتمام بها، وتقدم في معرفتها وإتقانها. وكان، ﵀، صاحب لغة وتاريخ وحديث، وخبر وسير، ومعرفة برجال الحديث مضطلعا بها، ومعرفة بوقائع العرب وأيام الناس، وبالنثر والنظم. وكان جزل القول، عذب اللفظ، حلو الكلام، عذب الفكاهة، فصيح اللسان، بارع الخطّ حسنه ومتقنه. كان في ذلك كله واحد عصره، ونسيج وحده، يسلّم إليه في ذلك كله، مع جمال منظره، وحسن خلقه، وكرم فعاله، ومشاركته لإخوانه. وكان مع ذلك كله جميل التواضع، حسن المعاشرة لأهل العلم، مسارعا لمهماتهم، نهاضا بتكاليفهم، حافظا لعهدهم، مكرما لنبهائهم، واسع الصدر، حسن المجالسة والمحادثة، كثير المذاكرة، جمّ الإفادة. له تصانيف جليلة نبيهة، ظهر فيها علمه وفهمه، أخذها الناس عنه مع سائر ما كان يحمله ويتقنه، عن أشياخه الذين أخذ عنهم، وسمع منهم، وقرأ عليهم.

وقال غيره: قتل بدرب الفرعوني بقرب رحبة أبان، بداخل مدينة قرطبة، قرب باب عبد الجبّار يوم دخلها النصارى مع أميرهم ملك طليطلة، يوم قيام ابن حمدين، واقتتاله مع يحيى بن علي بن غانية المسّوفي الملثّم المرابطي يوم الأحد لثلاث عشرة مضت من ذي الحجة عام أربعين وخمسمائة. قتله بربر المصامدة رجّالة أهل دولة اللثام لحسن ملبسه، ولم يعرفوه، وقتلوا معه ابن أخته عبد الله بن عبد العزيز بن مسعود، وكان أنكحه ابنته، فقتلا معا. وكان محمد خيرة الشيوخ، وعبد الله خيرة الأحداث، رحمهما الله تعالى.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الإحاطة في أخبار غرناطة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.