تجاوز إلى المحتوى

من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

محمد بن عمر بن محمد بن عمر بن محمد بن إدريس ابن سعيد بن مسعود بن حسن بن محمد بن عمر ابن رشيد الفهري

من أهل سبتة، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن رشيد.

حاله: من «عائد الصلة»: الخطيب المحدّث، المتبحّر في علوم الرّواية والإسناد. كان، ﵀، فريد دهره عدالة وجلالة، وحفظا وأدبا، وسمتا وهديا، واسع الأسمعة، عالي الإسناد، صحيح النّقل، أصيل الضّبط، تام العناية بصناعة الحديث، قيّما عليها، بصيرا بها، محققا فيها، ذاكرا فيها الرجال، جمّاعة للكتب، محافظا على الطّريقة، مضطلعا بغيرها من العربية واللغة والعروض، فقيها أصيل النّظر، ذاكرا للتفسير، ريّان من الأدب، حافظا للأخبار والتواريخ، مشاركا في الأصلين، عارفا بالقراءات، عظيم الوقار والسّكينة، بارع الخطّ، حسن الخلق، كثير التّواضع، رقيق الوجه، متجمّلا، كلف الخاصة والعامّة، مبذول الجاه والشّفاعة، كهفا لأصناف الطّلبة. قدم على غرناطة في وزارة صديقه، ورفيق طريقه، في حجّه وتشريقه، أبي عبد الله بن الحكيم، فلقي برّا، وتقدّم للخطابة بالمسجد الأعظم، ونفع الله لديه بشفاعته المبذولة طائفة من خلقه، وانصرف إثر مقتله إلى العدوة، فاستقرّ بمدينة فاس، معظّما عند الملوك والخاصّة، معروف القدر عندهم.

مشيخته: قرأ ببلده سبتة على الأستاذ إمام النّحاة أبي الحسن بن أبي الربيع كتاب سيبويه. وقيّد على ذلك تقييدا مفيدا، وأخذ عنه القراءات. وأخذ أيضا عن الأستاذ أبي الحسن بن الخطّار. ورحل من بلده سبتة لأداء الفريضة. حجّ ولقي

المشايخ عام ثمانية وثمانين وستمائة، فوافى في طريقه الحاجّ المحدّث الرّاوية، ذا الوزارتين بعد، أبا عبد الله الحكيم، وأخذ عن الجلّة الذين يشقّ إحصاؤهم، فممّن لقي بإفريقية الرّاوية العدل أبا محمد عبد الله بن هارون، يروي عن ابن بقيّ، والأديب المتبحّر أبا الحسن حازم بن محمد القرطاجنّي. وروى بالمشرق عن العدد الكثير كالإمام جار الله أبي اليمن بن عساكر، لقيه بباب الصّفا تجاه الكعبة المعظّمة، وهو موضع جلوسه للسّماع، غرّة شوال عام أربعة وثمانين وستمائة، وعن غيره، كأبي العزّ عبد الرحمن بن عبد المنعم بن علي بن نصر بن منظور بن هبة الله، وغيرهم ممن ثبت في اسم مرافقة في السّماع والرّحلة أبي عبد الله بن الحكيم، ﵀، فلينظر هنالك.

تواليفه: ألّف فوائد رحلته في كتاب سمّاه «ملء العيبة، فيما جمع بطول الغيبة، في الوجهتين الكريمتين إلى مكّة وطيبة». قال شيخنا أبو بكر بن شبرين: وقفت على مسوّدته، ورأيت فيه فنونا وضروبا من الفوائد العلمية والتاريخ، وطرفا من الأخبار الحسان، والمسندات العوالي والأناشيد. وهو ديوان كبير، ولم يسبق إلى مثله. قلت: ورأيت شيئا من مختصره بسبتة.

دخوله غرناطة: ورد على الأندلس في عام اثنين وتسعين وستمائة، فعقد مجالس للخاصّ والعام، يقرئ بها فنونا من العلم. وتقدّم خطيبا وإماما بالمسجد الأعظم منها. حدّثني بعض شيوخنا، قال: قعد يوما على المنبر، وظنّ أن المؤذّن الثالث قد فرغ، فقام يخطب والمؤذّن قد رفع صوته بآذانه، فاستعظم ذلك بعض الحاضرين، وهمّ آخر بإشعاره وتنبيهه، وكلّمه آخر، فلم يثنه ذلك عمّا شرع فيه، وقال بديهة: أيها الناس، رحمكم الله، إنّ الواجب لا يبطله المندوب، وأن الأذان الذي بعد الأوّل غير مشروع الوجوب، فتأهّبوا لطلب العلم، وانتبهوا، وتذكّروا قوله، ﷿: وما أتاكم الرّسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا، وقد روّينا عنه ﷺ، أنه قال: من قال لأخيه والإمام يخطب، اصمت، فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له. جعلنا الله وإيّاكم ممّن علم فعمل، وعمل فقبل، وأخلص فتخلّص. وكان ذلك مما استدلّ به على قوّة جنانه، وانقياد لسانه لبيانه.

شعره: وله شعر يتكلفه، إذ كان لا يزن أعاريضه إلّا بميزان العروض، فمن ذلك ما حدّث به، قال: لما حللت بدمشق، ودخلت دار الحديث الأشرفيّة، برسم رؤية النّعل الكريمة، نعل المصطفى، صلوات الله عليه، ولثمتها، حضرتني هذه

الأبيات:

هنيئا لعيني أن رأت نعل أحمدفيا سعد، جدّي قد ظفرت بأسعد
وقبّلتها أشفي الغليل فزادنيفيا عجبا زاد الظّما عند مورد
فلله ذاك اللّثم فهو ألذّ منلمى شفة لميا وخدّ مورّد
ولله ذاك اليوم عيدا ومعلمابتاريخه أرّخت مولد أسعد
عليه صلاة نشرها طيّب كمايحبّ ويرضى ربّنا لمحمّد

وقال: وقلت في موسم عام ستة وثمانين وستمائة، بثغر سبتة حرسها الله تعالى:

أقول إذا هبّ النّسيم المعطّرلعلّ بشيرا باللقاء يبشّر
وعالي الصّبا مرّت على ربع جيرتيفعن طيبهم عرف النّسيم يعبّر
وأذكر أوقاتي بسلمى وبالحمىفتذكو لظى في أضلعي حين أذكر
ربوع يودّ المسك طيب ترابهاويهوى حصى فيها عقيق وجوهر
بها جيرة لا يخفرون بذمّةهم لمواليهم جمال ومفخر
إذا ما اجتلت زهر النجوم جمالهمتغار لباهي نورهم فتغوّر
ومن جود جدواهم يرى اللّيث يعمرومن خوف عدواهم يرى الليث يذعر
ومن سيب يمناهم يرى الرّوض يزهرومن فيض نعماهم يرى البحر يزخر
رعى الله عهدا بالمصلّى عهدتهوروض المنى غضّ يرقّ وينضر
زمانا نعمنا فيه والظلّ وارفبجنّات عدن تحتها العذب يخضر
ولله أيام المصلّى وطيبهاوأنفسنا بالقرب والأنس تجبر
بحيث يرى بدر الكمال وشمسهوروضته فردوس حوض ومنبر
أروم دنوّا من بهاء جمالهاولثما فتأبى هيبة وتوقّر
خضعت وذلّي للحبيب تعزّزفطرفي مغضوض وخدّي معفّر
ووجه سروري سافر متهلّلوحالي بهم حلّ وعيشي أخضر
فطوبى لمن أضحى بطيبة ثاويايجرّ بأذيال الفخار وينشر
وإذ فات عيني أن تراهم فردّدواعلى مسمعي ذكر المصلّى وكرّروا
وردت فيا طيب الورود بطيبةصدرت فواحزني فلا كان مصدر
رماني زماني بالفراق فغرّنيعلى مثل من فارقت عزّ التّصبّر
وأضمرت أشجاني ودمعي مظهّروأسررت هجراني وحالي تخبّر
فمن أدمعي ماء يفيض ويهمرومن أضلعي نار تفور وتسعر
فجسمي مصفرّ وفودي أبيضوعيشي مغبرّ ودمعي أحمر
وحين دنا التّوديع ممّن أحبّهوحان الذي ما زلت منه أحذّر
ونادى صحابي بالرّحيل وأزمعواوسارت مطاياهم وظلت أقهقر
وألوى إليه الجيد حتى وجعتهوظلّ فؤادي لوعة يتفطّر
وقفت لأقضي زفرة وصبابةولا أنثني فالموت أجدى وأجدر
ولو أنّني بعت الحياة بنظرةلأبّت وحظّي فيه أوفى وأوفر
وما باختياري إنما قدر جرىرضيت بما يقضي الإله ويقدر
حنيني إلى مغنى الجمال مواصلوشوقي إلى معنى الجمال موفّر
وغير جميل أن يرى عن جمالهافؤادي صبورا والمسير ميسّر
أيصبر ظمآن يغال بغلّةوفي روضة الرّضوان شهد وكوثر؟
فيا عينها الزّرقاء إنّ عيونهامن الحزن فيض بالنّجيع تفجّر
سأقطع ليلي بالسّرى أو أزورهاوأحمي الكرى عينا لبعدك يظهر
وأنضي المطايا أو أوافي ربعهافتنجدني طورا وطورا تغوّر
حظرت على نفسي الحذار من الرّدىأتحذر نفس الحبيب تسيّر؟
أينكر تغرير المشوق بنفسهوقد علموا أنّ المحبّ مغرّر؟
وقفت على فتوى المحبّين كلّهمفلم أجد التّغرير في الوصل ينكر
وإني إذا ما خطرة خطرت قضتبهمّي وعزمي همّة لا تؤطّر
أقيم فألفي بين عينيّ همّتيوسيري في سبل العلا ليس ينكر
إذا ما بدت للعين أعلام طيبةولاحت قباب كالكواكب تزهر
وللقبّة الزّهراء سمك سما علاوراق سنى كالشمس بل هو أزهر
لها منظر قيد النّواظر والنّهىلها ساكن من نوره البدر يبدر
فأعرجوا على أهل الكمال وسلّمواسلمتم وبلّغتم مناكم فأبشروا
بنفسي لا بالمال أرضى بشارةإذا لاح نور في سناها مبشّر
وما قدر نفسي أن تكون كفاءولكنها جهد المقلّ فأعذر
أقول إذا أوفيت أكرم مرسلقراي عليكم أنّ ذنبي يغفر
وأحظى بتقريب الجوار مكرّماوأصفح عن جور البعاد وأعذر
وأرتع في ظلّ الجنان منعّماوأمني بقرب من حماك وأجبر
هناك هناك القرب فانعم بنيلهبحيث ثوى جسم كريم مطهّر
ودع عنك تطواف البلاد وخيّمبطيبة طابت فهي مسك وعنبر
فخرت بمدحي للنّبيّ محمدومن مدحه المدّاح يزهى ويفخر
أطلت وإنّي في المديح مقصّرفكلّ طويل في معاليك يقصر
ما بلغت كفّ امرئ متناولبها المجد إلّا والذي نلت أكبر
وما بلغ المهدون في القول مدحةوإن أطنبوا إلّا الذي فيك أفخر
عليك صلاة الله ما مرّ سبقإليك وما هبّ النّسيم المعطّر

وقال يرثي ابنا نجيبا ثكله بغرناطة:

شباب ثوى شابت عليه المفارقوغصن ذوى تاقت إليه الحدائق
للشاعر محب الدين بن رُشَيد، اقرأ القصيدة
على حين راق النّاظرين بسوقهرمته سهام للعيون رواشق
للشاعر محب الدين بن رُشَيد، اقرأ القصيدة
فما أخطأت منه الفؤاد بعمدهافلا أبصرت تلك العيون الرّوانق
للشاعر محب الدين بن رُشَيد، اقرأ القصيدة
وحين تدانى للكمال هلالهألمّ به نقص وجدّت مواحق
للشاعر محب الدين بن رُشَيد، اقرأ القصيدة
إلى الله أشكو فهو يشكى نوازعاعظاما سطاها للعظام عوارق
للشاعر محب الدين بن رُشَيد، اقرأ القصيدة
ولا مثل فقدان البنيّ فجيعةوإن طال ما لجّت وجلّت بوائق
محمد إنّ الصّبر صبر وعلقمعلى أنه حلو المثوبة سابق
للشاعر محب الدين بن رُشَيد، اقرأ القصيدة
فإن جزعا فالله للعبد عاذروإن جلدا فالوعد لله صادق
وتالله ما لي بعد عيشك لذّةولا راقني مرأى لعيني رائق
للشاعر محب الدين بن رُشَيد، اقرأ القصيدة
فأني به والمذكرات عديدةفنبل وهمّ للعوائد خارق
فإن ألتفت فالشخص للعين ماثلوإن أستمع فالصّوت للأذن طارق
للشاعر محب الدين بن رُشَيد، اقرأ القصيدة
وإن أدع شخصا باسمه لضرورةفإنّ أسمك المحبوب للنّطق سابق
للشاعر محب الدين بن رُشَيد، اقرأ القصيدة
وإن تقرع الأبواب راحة قارعيطر عندها قلب لذكرك خافق
للشاعر محب الدين بن رُشَيد، اقرأ القصيدة
وكلّ كتاب قد حويت فمذكروآثاره كلّ إليك توائق
للشاعر محب الدين بن رُشَيد، اقرأ القصيدة
سبقت كهولا في الطّفولة لا تنيوأرهقت أشياخا وأنت مراهق
للشاعر محب الدين بن رُشَيد، اقرأ القصيدة
فلو لم يغلك الموت دمت مجلّياوأقبل سكّيتا وجيئا ولا حق
على مهل أحرزت ما شئت ثانياعنانك لا تجهد وأنت مسابق
للشاعر محب الدين بن رُشَيد، اقرأ القصيدة
رأتك المنايا سابقا فأغرتهافجدّ طلابا إنّهن لواحق
للشاعر محب الدين بن رُشَيد، اقرأ القصيدة
لئن سلبت منّي نفيس ذخائرفإنّي بمذخور الأجور لواثق
للشاعر محب الدين بن رُشَيد، اقرأ القصيدة
وقد كان ظنّي أنّني لك سابقفقد صار علمي أنّني بك لاحق
للشاعر محب الدين بن رُشَيد، اقرأ القصيدة
غريبين كنّا فرّق البين بيننافأبرح ما يلقى الغريب المفارق
للشاعر محب الدين بن رُشَيد، اقرأ القصيدة
فبين وبعد بالغريب توكّلاقد رعى بما حملت والله ضائق
للشاعر محب الدين بن رُشَيد، اقرأ القصيدة
عسى وطن يدنو فتدنو له منىوأيّ الأماني والخطوب عوائق؟
فلولا الأسى ذاب الفؤاد من الأسىولولا البكا لم يحمل الحزن طائق
للشاعر محب الدين بن رُشَيد، اقرأ القصيدة
فخطّ الأسى خطّا تروق سطورهوتمحو البكا فالدّمع ماح وساحق
فيا واحدا قد كان للعين نورهاعليك ضياء بعد بعدك غاسق
للشاعر محب الدين بن رُشَيد، اقرأ القصيدة
عليك سلام الله ما جنّ ساجعوما طلعت شمس وما ذرّ شارق
وما همعت سحب غواد روائحوما لمعت تحدو الرّعود بوارق
وجاد على مثواك غيث مروّضعباد لرضوان الإله موافق
للشاعر محب الدين بن رُشَيد، اقرأ القصيدة

محنته: تعرّض إليه قوم يوم قتل صديقه أبي عبد الله الحكيم بإذاءة قبيحة، وأسمع كل شارق من القول على ألسنة زعانفة فجّر وترهم القتيل، فتخلّص ولا تسل كيف، وأزمع الرّحيل فلم يلبث بعد ذلك.

وفاته: كانت وفاته بمدينة فاس، في اليوم الثامن من شهر المحرم مفتتح عام أحد وعشرين وسبعمائة. ودفن في الجبانة التي بخارج باب الفتوح بالرّوضة المعروفة بمطرح الجنّة، التي اشتملت على العلماء والصلحاء والفضلاء، من الغرباء الواردين مدينة فاس، وكان مولده بسبتة عام سبعة وخمسين وستمائة.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الإحاطة في أخبار غرناطة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.