من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
محمد بن يحيى بن إبراهيم بن أحمد بن مالك ابن إبراهيم بن يحيى بن عبّاد النّفزي
من أهل رندة، يكنى أبا عمرو، ويعرف بابن عبّاد، الحاجّ الصّوفي.
حاله: نشأ ببلده رندة، وهو من ذوي البيوتات الأصيلة بها، ثم رحل إلى المشرق، ولقي العلماء والصّوفية، وحضر عند المشيخة، ثم كرّ إلى الأندلس، فتصوف، وجال في النّواحي، واطّرح السّموت، وفوّت ما كان بيده من متاع الدّنيا، وكان له مال له خطر، وألقى التّصنّع لأهله رأسا. وكان فيه تولّه وحدّة، وله ذهن ثاقب، يتكلم في المعقولات والمنقولات، على طريقة الحكماء والصّوفية، ويأتي بكل عبارة غريبة، وآثاره هائلة من غير تمكّن علم، ولا وثاقة إدراك، غير أنك لا تسمع منه إلّا حسنا، وهو مع ذلك طوّاف على البلاد، زوّار للرّبط، صبّار على المجاهدة طوعا وضرورة، ولا يسأل ثيابا البتّة إلّا بذلة من ثوب أو غيره، صدقة واحد في وقته.
محنته وفضله وشعره: نمي عنه كلام بين يدي صاحب المغرب، أسف به مدبّر الدولة يومئذ، فأشخص عند إيابه إلى رندة وسجن بسجن أرباب الجرائم، فكتب إلى وليّ الأمر:
تركت لكم عزّ الغنى فأبيتموأن تتركوني للمذلّة والفقر
ونازعتموني في الخمول وإنهلذي مهجتي أحلى من البنى والأمر
ثم قال: يا من رماني بسهمه الغرب، قد ردّ عليك مخضوبا بالدّم. قال: فو الله ما مرّت ثلاثة، حتى نفذ حكم الله فيمن عدا عليه.
وشعره حسن يدلّ على طبع معين، فمن ذلك:
سرى يسرّ إليّ أنك تاركينفسي الفداء للطفك المتدارك
يا مالكي ولي الفخار بأننيلك في الهوى ملك وأنّك مالكي
التّرك هلك فاعفني منه وعدبالوصل تحيي ذا محبّ هالك
وأعد جميلا في الهوى عوّدتنيإن لم تعده إليّ من للهالك؟
يا منية القلب الذي بجمالهفتن الورى من فاتك أو ناسك
آتيه دونك أو أحار وفي سنىذاك الجمال جلا الظلام الحالك؟
ولكم سلكت إليك لكن حين لمتكن الدّليل اختلّ قصد السّالك
ولقد عرفت بستر سرّي في الهوىفهجرتني فكسيت ثوب الهاتك
ما السّتر إلّا ما يحوك رضاك لاما حاكه للبتر كفّ الحائك
ما الفضل إلّا ما حكمت به فصنواهتك وصل إن شئت أو كن تاركي
ما لي سوى حبّيك يا حبّي فدعتركي فهلك الملك ترك المالك
وقال أيضا:
هذا العقيق فسل معاطف بانههل نسمة عادته من نعمانه؟
واسأله إن زارته ماذا أخبرتعن أجرع العلمين أو سكّانه
وأصخ لحسن حديثها وأعده للمضني ففيه البرء من أشجانه
يا حبّذا ذاك الحديث وحبّذامن قد رواه وحبّذا ببيانه
وسقى الإله زمانه ومكانهويعزّ قدر زمانه ومكانه
يا سعد، ساعد مستهاما فيه لاذقت الهوى ونجوت من عدوانه
وأصخ لما يتلو الوجود عليك منأنبائهم بلسان حال كيانه
وأبنه لي واقبل ذمامي بشارةويقلّ بذل ذماي في تبيانه
وسل النّسيم يهبّ من واديهمبشذا خزاماه وطيب ليانه
ارحم بروح منه روحي تحيهوبسقمه سقمي فديتك عانه
وبنشره انشر نفس مشتاق قضتشوقا لنفحة نسمة من بانه
يا سعد، حدّثني فكلّ مخبّرعن خسر من أهواه أو إحسانه
يا سعد، حدّثني حديثا عنهمويجلّ قدر الحبّ عن نسيانه
يا سعد، طارحنيه واملأ مسمعيمن سرّه إن شئت أو إعلانه
أنا في الغرام أخوك حقا والفتىلا يكتم الأسرار عن إخوانه
قل كيف وادي ودّ سكّان الحمىومنى أمانيه وروض لسانه؟
هل قلّصت أيدي النّوى من ظلّه؟أو ما جرى هل عاث في جريانه؟
وهل الربوع أواهل بحمى لهمفسقى الربوع الودق من هتّانه؟
وهل التقى بان على عهد النّوىوهل اللّوى يلوي بعود زمانه؟
فبروض أنسهم عهدت نضارةنزّهت منها الطّرف في بستانه
وأرى هجير الهجر أذبل يانعامنه وأذوى الغضّ من ريحانه
وأحال حال الأنس فيه وحشةوطوى بساط الأنس في هجرانه
آها ووالهفي وويحي أن مضىعهد عرفت الأنس في أزمانه
وبأجرع العلمين من شرقيّهحبّ غذاني حبّه بلبانه
حاز المحاسن كلّها فجمعن ليكلّ الهوى فحملت كلّ هوانه
وزها عليّ بعزّة فبواجبأزهو بذلّي في يدي سلطانه
وقضى بأن أقضي وليت بما قضىيرضى فطيب العيش في رضوانه
واختار لي أن لا أميل لسلوةعن حبّه فسلوت عن سلوانه
يا عاذلي أو ناصحي أو لائميتبغي السّلوّ ولات حين أوانه
غلب الغرام وعزّ سلطان الهوىفالكلّ فيه عليّ من أعوانه
فعلام تعتب مستهاما، كلّ مافي الكون عاذره على هيمانه
دع عنك لومي إنني لك ناصحأبدى الجمال العذر عن هيمانه
وإذا الفتى قام الجمال بعذرهفي الحبّ فاتركه وثني عنانه
من سام قلبي في هواه سلوةقد سامه ما ليس في إمكانه
وقال في الغرض المذكور»
يا للرّجال، ألا حبّ يساعدنيفي ذا الغرام فأبكيه ويبكيني؟
غلبت فيه وما أجدت مغالبتيوهنت والصّبّ أولى الناس بالهون
ركبت لجّته وحدي فأدهشنيومتّ في يده فردا فدلّوني
واضيعة العمر والبلوى مضاعفةما بين يأس وآمال ترجّيني
والهف نفسي إن أودت وما ظفرتفي ذا الهوى بتمنّ أو بتأمين
فليت شعري وعمري ينقضي طمعافي ذا الهوى بين مغلوب ومغبون
هل الألى ملكوا رقيّ وقد علموابذلّتي وافتقاري أن يواسوني؟
فكم أكفكف دمعي بعدهم وأرىمجدّدا نار يأسي وهي تبليني
وكم أمرّ على الأطلال أندبهاوبالمنازل من خيف ودارين
وفي الفؤاد لهم ما ليس يعلمههم، علمهم بالحال يكفيني
أهمي المدامع كي أروى فتعطشنيوألزم الذّكر للسّلوى فيشجيني
وكلّ من لمحت عيني أسائلهعنهم فيغري بهم قلبي ويغريني
يا أهل نجد وفخري أن أحبّكملا أطلب الوصل عزّ الحبّ يغنيني
هل للهوى من سبيل للمنى فلقدعزّت أمانيه في الدّنيا وفي الدّين
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع