تجاوز إلى المحتوى

من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

محمد بن يوسف بن خلصون

يكنى أبا القاسم، روطيّ الأصل، لوشيّه، سكن لوشة وغرناطة ومالقة.

حاله: كان من جلّة المشيخة وأعلام الحكمة، فاضلا، منقطع القرين في المعرفة بالعلوم العقلية، متبحرا في الإلهيات، إماما في طريقة الصّوفية، من أهل المقامات والأحوال، كاتبا بليغا، شاعرا مجيدا، كثير الحلاوة والطّلاوة، قائما على القرآن، فقيها أصوليا، عظيم التخلّق، جميل العشرة. انتقل من حصن روطة إلى الخطابة والإمامة بلوشة، كثير الدؤوب على النّظر والخلوة، مقصودا من منتحلي ما لديه ضرورة. لم يتزوج، وتمالأت عليه طائفة ممن شانها الغضّ من مثله، فانزعج من لوشة إلى مالقة، فتحرّف بها بصناعة الطّب، إلى حين وفاته.

حدّثني والدي، وكان خبيرا بأحواله، وهو من أصحاب أبيه، قال: أصابت الناس شدّة قحط، وكانت طائفة من أضداده تقول كلاما مسجّعا، معناه: إنكم إن أخرجتم ابن خلصون من بينكم، مطرتم. قال: فانزعج عنها، ولما كان على أميال نزل الغيث الرغد، قال: فسجد بموضعه ذلك، وهو معروف، وقال: سيدي، وأساوي عندك هذا المقدار، وأوجب شكرانا. وقدم غرناطة، وبها الأستاذ أبو عبد الله الرّقوطي، وله استيلاء على الحظوة السلطانية، وشأنه اختبار من يرد على الحضرة ممن يحمل فنّا، وللسلطان على ابن خلصون موجدة، لمدحه في حداثته أحد الثوار عليه بقمارش، بقصيدة شهيرة. فلمّا حضر، سأله الأستاذ: ما صناعتك، فقال:

التصوّف، فالتفت إلى السلطان وقال: هذا رجل ضعيف لا شيء لديه، بحيث لا يفرّق بين الصّناعة وغيرها، فصرفه ﵀.

تواليفه: وتواليفه كثيرة، تدل على جلالته وأصالة معرفته، تنطق علما وحكمة، وتروق أدبا وظرفا. فمن ذلك كتابه في «المحبة»، وقفت عليه بخط جدّي الأقرب سعيد، وهو نهاية. وكتاب «وصف السلوك، إلى ملك الملوك»، عارض به معراج

الحاتمي، فبان له الفضل، ووجبت المزيّة، ورسالة «الفتق والرّتق، في أسرار حكمة الشرق».

شعره: من ذلك قوله:

هل تعلمون مصارع العشّاقعند الوداع بلوعة الأشواق؟
والبين يكتب من نجيع دمائهمإن الشّهيد لمن يمت بفراق
لو كنت شاهد حالهم يوم النّوىلرأيت ما يلقون غير مطاق
منهم كئيب لا يملّ بكاؤهقد أغرقته مدامع الآماق
ومحرّق الأحشاء أشعل نارهطول الوجيب بقلبه الخفّاق
ومولّة لا يستطيع كلامهمما يقاسي في الهوى ويلاقي
خرس اللسان فما يطيق عبارةألم المرور وما له من راق؟
ما للمحبّ من المنون وقايةإن لم يغثه حبيبه بتلاق
مولاي، عبدك ذاهب بغرامهفادرك بوصلك من دماه الباقي
إني إليك بذلّتي متوسّلفاعطف بلطف منك أو إشفاق

ومن شعره أيضا:

أعد الحديث إذا وصفت جمالهفبه تهيّج للمحبّ خياله
يا واصف المحبوب كرّر ذكرهوأدر على عشّاقه جرياله
فبذكر من أهوى وشرح صفاتهلذّ الحديث لمسمعي وخلاله
طاب السّماع بوصفه لمسامعيوقررت عينا مذ لمحت هلاله
قلبي يلذّ ملامة في حبّهويرى رشادا في هواه ضلاله
يا عاذلي أو ما ترقّ لسامرسمع الظّلام أنينه فرثا له؟

ومن شعره أيضا:

إن كنت تزعم حبّنا وهوانافلتحملنّ مذلّة وهوانا
فاسجر لنفسك إن أردت وصالناواغضب عليها إن طلبت رضانا
واخلع فؤادك في طلاب ودادناواسمح بموتك إن هويت لقانا
فإذا فنيت عن الوجود حقيقةوعن الفناء فعند ذاك ترانا
أو ما علمت الحبّ فيه عبرةفاخلص لنا عن غيرنا وسوانا
وابذل لبابك إن وقفت ببابناواترك حماك إذا فقدت حمانا
ما لعلع ما حاجر ما رامةما ريم أنس يسحر الأذهانا
إنّ الجمال مخيّم بقبابناوظباؤه محجوبة بظبانا
نحن الأحبّة من يلذ بفنائنانجمع له مع حسننا إحسانا
نحن الموالي فاخضعنّ لعزّناإنّا لندفع في الهوى من هانا
إنّ التّذلّل للتّدلّل سحرفاخلد إلينا عاشقا ومهانا
واصبر على ذلّ المحبّة والهوىواسمع مقالة هائم قد لانا
نون الهوان من الهوى مسروقةفإذا هويت فقد لقيت هوانا
للشاعر عبيد الله بن عبدالله بن طاهر، من قصيدة «نون الهوان من الهوى مسروقة»

ومن لطيف كلامه ورقيق شعره:

لو خيال من حبيبي طرقالم يدع دمعي بخدّي طرفا
ونسيم الريح منه لو سرىبشذاه لأزال الحرقا
ومتى هبّت عليلات الصّباصحّ جسمي فهي لي نفث رقا
عجبا يشكو فؤادي في الهوىلهب النار وجفني الفرقا
يا أهيل الحيّ، لي فيكم رشالم يدع لي رمقا مذ رمقا
بدر تمّ طالع أثمرهغصن بان تحته دعص نقا
راق حسنا وجمالا مثلمارقّ قلبي في هواه ورقا
أنّس الشمس ضياه ذهباوكسا البدر سناه ورقا
حلل الحسن عليه خلعتفارتداها ولها قد خلقا

ومن شعره:

دعوت من شفتي رفقا على كبديفقال لي: خلق الإنسان في كبد
قلت الخيال ولو في النّوم يقنعنيفقال: قد كحلت عيناك بالسّهد
فقلت: حسبي بقلبي في تذكّرهفقال: لي القلب والأفكار ملك يدي
قلت الوصال حياتي منك يا أمليقال الوصال فراق الروح للجسد
فقلت: أهلا بما يرضى الحبيب بهفإنّ قلبي لا يلوى على أحد

ومن أقواله الصّوفية، وكلها تشير إلى ذلك المعنى:

ركبنا مطايا شوقنا نبتغي السّرىوللنّجم قنديل يضيء لمن سرى
وعين الدّجى قد نام لم يدر ما بناوأجفاننا بالسّهد لم تطعم الكرى
إلى أن رأينا اللّيل شاب قذالهولاح عمود الفجر غصنا منوّرا
لمحنا برأس البعد نارا منيرةفسرنا لها نبغي الكرامة والقرا
وأفضى بنا السير الحثيث بسحرةلحانة دير بالنواقس دورا
فلمّا حللنا حبوة السير عندهوأبصرنا القسّيس قام مكبّرا
وحرّك ناقوسا له أعجم الصّدافأفصح بالسّر الذي شاء مخبرا
وقال لنا: حطّوا حمدتم مسيركموعند الصّباح يحمد القوم السرى
نعمتم صباحا ما الذي قد أتى بكمفقلنا له: إنا أتيناك زوّرا
وراحتنا في الرّاح إن كنت بائعافإنّ لدينا فيه أربح مشترى
فقال لكم: عندي مدام عتيقةمخلّدة من قبل آدم أعصرا
مشعشعة كالشمس لكن تروحنتوجلّت عن التجسيم قدما فلا ترى
وحلّ لنا في الحين ختم فدامهافأسدى لنا مسكا فتيقا وعنبرا
وقلنا: من السّاقي فلاح بوجههفأدهش ألباب الأنام وحيّرا
وأشغلنا عن خمره بجمالهوغيّبنا سكرا فلم ندر ما جرى

ومن شعره في المعنى:

يا نائما يطلب الأسرار إسرارافيك العيان ونبغي بعد آثارا
أرجع إليك ففيك الملك مجتمعوالفلك والفلك العلوي قد دارا
أنت المثال وكرسي الصّفات فتهعلى العوالم إعلانا وإسرارا
والطّور والدّرّ منثورا وقد كتبتأقلام قدرته في اللّوح آثارا
والبيت يعمره سرّ الملائك فيمشكاة قلبك قد أسرجن أنوارا
ورفع الله سقفا أنت تسكنهسماؤه أطلعت شهبا وأقمارا
وبحر فكرك مسجور بجوهرهفغص به مخرجا للدّرّ أسرارا
فإن رأيت بوادي القدس نار هدىفاثبت فنورك فيها مازج النّارا
واخلع لسمع النّدا نعليك مفتقراإلى المنادي تنل عزّا وإكبارا
وغب عن الكون بالأسماء متّصفاواطلب من الكلّ ربّ الدار لا الدّارا

ومن ذلك في هذا المعنى:

أطالب ما في الرّوح من غامض السّرّوقارع باب العلم من عالم الأمر
عرضت لعلم أبهم الشّرع بابهلكلّ جهول للحقائق لا يدري
ولكنّ خبيرا قد سألت محقّقافدونك فانظم ما نثرت من الدّرّ
وبين يدي نجواك قدّم وسيلةتقى الله واكتم ما فهمت من السّرّ
ولا تلتفت جسما ولا ما يخصّهمن الحسّ والتخييل والوهم والفكر
وخذ صورة كلّية جوهريّةتجلّ عن التمييز بالعكس والسّبر
ولكن بمرآة اليقين تولّدتوليست بذاتي إن سألت ولا غير
كذلك لم تحدث وليست قديمةوما وصفت يوما بشفع ولا وتر
ولكن بذات الذّات كان ظهورهاإذا ما تبدّت في الدّجى غرّة الفجر

ومن هذا الغرض قوله:

مشاهدتي مغناك، يا غايتي، وقتفما أشتكي بعدا وحبّك لي نعت
مقامي بقائي عاكفا بجمالكمفكلّ مقام في الحقيقة لي تحت
لئن حالت الأحوال دون لقائكمفإنّي على حكم المحبّة ما حلت
وإن كان غيري في الهوى خان عهدهفإني وأيم الله عهدي ما خنت
وما لي رجاء غير نيل وصالكمولا خوف إلّا أن يكون له فوت
نعم إن بدا من جانب الأنس بارقيحرّكني بسط به نحوكم طرت
ومهما تذكّرت العتاب يهزّنيلهيبتكم قبض يغيب به النّعت
تواجدت حتى صار لي الوجد مشرباولاح وجود للحقيقة إذ غبت
فها أنا بين الصّحو والمحو دائرأقول: فلا حرف هناك ولا صوت
قصودي إليكم والورود عليكمومنكم سهودي والوجود إذا عدت
وفي غيبتي عنّي حضوري لديكموعند امتحان الرّسم والمحو أثبتّ
وفي فرقتي الباني بحقّ جمعتنيوفي جمع جمعي في الحقيقة فرّقت
تجلّيت لي حتى دهشت مهابةولما رددت اللّحظ بالسّرّ لي عشت
موارد حقّ بل مواهب غايةإذا ما بدت تلك البداءة لي تهت
لوائح أنوار تلوح وتختفيولكن وميض البرق ليس له ثبت
ومهما بدت تلك الطّوالع أدهشتوإن غيّبت تلك اللّوامع أظلمت
وهيهات هيبات الجلال تردّنيوعند التجلّي لا محالة دكدكت
نسفن جبالي فهي قاع وصفصفوليس يرى فيهنّ زيغ ولا أمت
ولي أدمع أجّجن نار جوانحيولي نفس لولاه من حبّكم ذبت
ألا فانظروا قلب العيان حقيقةفنائي وجودي والحياة إذا متّ
مراتب في التّلوين نلت جميعهاوفي عالم التّمكين عن كلّها بنت
وعند قيامي عن فنائي وجدتكمفلا رتبة علويّة فوق ما نلت
ورود وشرب ثم لا ريّ بعدهلئن كنت أروى من شرابك لا كنت
شربت كئاس الوجود مدامةفلست أجلّي عن ورود متى شئت
وكيف وأقداح العوالم كلّهاولكنني من صاحب الدّير أسكرت
تعلّق قوم بالأواني وإنّنيجمال المعاني لا المغاني علّمت
وأرضعت كأسا لم تدنّس بمزجهاوقد نلتها صرفا لعمري ما ضعت
شراب بها الأبرار طاب مزاجهموأرضعتها صرفا لأنّي قرّبت
بها آدم نال الخلافة عندماتبدّت له شمسا لها نحوه سمت
ونجت لنوح حين فرّ لفلكهومن بان عن أسرارها لي عمد الموت
وقد أخمدت نار الخليل بنورهاوكان لموسى عن أشعّتها بهت
وهبّت لروح الله روح نسيمهافأبصره الأعمى وكلّمه الميت
وسار بها المختار سيري لربّهإلى حيث لا فوق هناك ولا تحت
هنيئا لمن قد أسكرته بعرفهالقد نال ما يبغي وساعده البخت

ومن نثر الأستاذ الجليل أبي القاسم بن خلصون المترجم به، قوله من رسالة:

وصلني أيها الابن النّجيب، المخلص الحبيب، كتابك الناطق بخلوص ودّك، ورسوخ عهدك، وتلك سجيّة لائقة بمجدك، وشنشنة تعرف من والدك وجدّك، وصل الله أسباب سعدك، وأنهض عزم جدّك، بتوفيق جدّك، وبلّغك من مأمولك أقصى قصدك. فلتعلم أيها الحبيب أن جناني، ينطوي لكم أكثر مما ينشره لساني، فإني مغرى بشكركم وإن أعجمت، ومفصح بجميل ذكركم وإن جمجمت، لا جرم أنّ الوقت حكم بما حكم، واستولى الهرج فاستحكم، حتى انقطعت المسالك، وعدم الوارد والسّالك، وذلك تمحيص من الله جار على قضيّة قسطه، وتقليب لقلوب عباده بين إصبعي قبضه وبسطه، حين مدّ على الخليقة ظلّ التّلوين، ولو شاء لجعله ساكنا، ثم جعل شمس المعرفة لأهل التّمكين، عليه دليلا باطنا، ثم قبض كل الفرق عن خاصيته قبضا يسيرا، حتى أطلع عليهم من الأنس بدرا منيرا. وإلى ذلك يا بنيّ، فإني أحمد الله تعالى إليك على تشويقه إيّاك إلى مطالعة كتب المعارف، وتعطّشك للورود على بحر اللّطائف. وإنّ الإمام أبا حامد، ﵀، لممن أحرز خصلها، وأحكم فرعها وأصلها، لا ينكر ذلك إلّا حاسد، ولا يأباه إلّا متعسّف جاحد. هذا وصفه، ﵀، فيما يخصّه في ذاته. وأما تعليمه في تواليفه، وطريقه التي سلكها في كافّة تصانيفه؛ فمن علمائنا، ﵃، من قال: إنه خلط النّهاية بالبداية، فصارت كتبه أقرب إلى التّضليل منها إلى الهداية، وإن كان لم يقصد فيها إلّا النّفع فيما أمّه من الغرض، فوجد في كتبه الضّرر بالعرض، وممن قال بهذا الفقيه الحكيم أبو بكر بن الطّفيل، قال: وأما أبو حامد، فإنه مضطرب التأليف، يربط في موضع، ويحلّ في آخر، ويتمذهب بأشياء، ويكفر بها، مثل أنه كفّر الفلاسفة باعتقادهم أن المعاد

روحاني، وإنكار هم حشر الأجساد. وقد لوّح هو بأن ذلك مذهبه في آخر كتاب «الجواهر والأربعين»، وخرّج بأنه معتقد كبار الصّوفية، في كتاب آخر، وقال: إن معتقده كمعتقدهم، وأنه وقع على ذلك بعد بحث طويل وعناء شديد. قال: وإنما كلامه في كتبه على نحو تعليم الجمهور. وقد اعتذر أبو حامد نفسه عن ذلك في آخر كتاب «ميزان العمل»، على أغلب ظنّي، فإن لي من مطالعة الكتب مدّة. قال: ولو لم يكن في هذه الألفاظ إلّا ما يشكّك في اعتقادك الموروث، يعني التّقليد، فإنه من لم يشكّ لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر ففي العمى والحيرة. ثم تمثّل بقول الشاعر:

خذ ما تراه ودع شيئا سمعت بهفي طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

وذلك أنه قسّم آراءه إلى ثلاثة: رأي يجاب به كلّ مسترشد سائل بحسب سؤاله وعلى مقدار فهمه. ورأي يجاب به الخاصّة ولا يصرّح به للعامّة. ورأي بين الإنسان وبين نفسه، لا يطّلع عليه إلّا من شريكه في اعتقاده. وأما الفقيه الفاضل أبو الوليد بن رشد، ﵀، فإنّه بالغ في ذلك مبالغ عظيمة، وذلك في كتابه الذي وصف فيه مناهج أدلّة المتكلّمين، فإنه لما تكلّم على طرق الأشعريّة والمعتزلة والفلاسفة والصّوفية والحشويّة وما أحدثه المتكلّمون من الضّرر في الشّريعة بتواليفهم، انعطف فقال: وأما أبو حامد، فإنه طمّ الوادي على القرى، ولم يلتزم طريقة في كتبه، فنراه مع الأشعرية أشعريّا، ومع المعتزلة معتزليّا، ومع الفلاسفة فيلسوفا، ومع الصّوفية صوفيّا، حتى كأني به:

يوما يمان إذا لاقيت ذا يمنوإن لقيت معدّيا فعدنان
للشاعر عِمران بن حطان، اقرأ القصيدة

ثم قال: والذي يجب على أهل العلم، أن ينهوا الجمهور عن كتبه، فإن الضّرر فيها بالذات، والمنفعة بالعرض. قال: وإنما ذلك لأنه صرّح في كتبه بنتائج الحكمة دون مقدّماتها، وأفصح بالتّأويلات التي لا يطلع عليها إلا العلماء الرّاسخون في العلم، وهي التي لا يجوز أن تؤوّل للجمهور، ولا أن تذكر في غير كتب البرهان. وأنا أقول: إن كتبه في الأصلين، أعني أصول الدين وأصول الفقه، في غاية النّبل والنّباهة، وبسط اللفظ، وحسن التّرتيب والتّقسيم، وقرب المسائل.

وكذلك كتبه الفقهية والخلافية والمذهبيّة، التي ألّفها على مذهب الشّافعي، فإنه كان شافعيّ المذهب في الفروع. وأما كتبه التي ذهب فيها مذهب التصوّف، فهي التي يوجد فيها ما ذكر من الضّرر بالعرض. وذلك أنه بنى الأكثر من الاعتقادات فيها على ما تأدّى إلى فهمه من مذاهب الفلاسفة، ونسبها إلى المتصوّفة. وقد نبّه على

ذلك الفقيه الجليل أبو بكر الطّرطوشي في كتابه الذي سماه ب «مراقي العارفين».

قال: وقد دخل على السّالكين ضرر عظيم من كتب هذا الرجل الطّوسي، فإنه تشبّه بالصّوفية ولم يلحق بمذاهبهم، وخلط مذاهب الفلاسفة بمذاهبهم، حتى غلط الناس فيها. على أنّني أقول: إنّ باعه في الفلسفة كان قصيرا، وإنه حذا حذو الشيخ أبي علي بن سينا في فلسفته التي نقلها في المقاصد، ومنطقه الذي نقله في معيار العلم، لكن قصر عنه. وتلك الاعتقادات، منها حقّ ومنها باطل، وتلخيصه لا يتأتّى إلّا لصنفين من الناس، أعني أهل البرهان وأهل المكاشفة، فبحسب ذلك تحتاج كتبه إلى تقدمة علوم البرهان، أو رياضة أهل المكاشفة. ولذلك صنّف هو معيار العلم؛ ليكون الناظر في كتبه يتقدّم، فيتعلّم منه أصناف البراهين، فيلحق بأهل البرهان. وقدّم أيضا تصنيف «ميزان العمل» ليكون المرتاض فيه، وبه يلحق بأهل المكاشفة، وحينئذ ينظر في سائر كتبه. وهذه الرسالة طويلة، تكلم فيها على كتب أبي حامد الغزالي، ﵀، بما يدل على تفنّنه، وعلى اضطلاعه، ﵀.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الإحاطة في أخبار غرناطة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.