تجاوز إلى المحتوى

من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

علي بن محمد بن عبد الحق بن الصباغ العقيلي

يكنى أبا الحسن، من أهل غرناطة.

حاله: صاحبنا أبو الحسن، من أهل الفضل والسّراوة والرّجولة والجزالة. فذ في الكفاية، ظاهر السذاجة والسلامة، مصعب لأضداده، شديد العصبة لأولي ودّه، في أخلاقه حدّة، وفي لسانه نبالة، أخلّا به، مشتمل على خلال من خطّ بارع، وكتابة حسنة، وشعر جيد، ومشاركة في فقه وأدب ووثيقة، ومحاضرة ممتعة. ناب عن بعض القضاة، وكتب الشروط، وارتسم في ديوان الجند، وكتب عن شيخ الغزاة أبي زكريا يحيى بن عمر على عهده. ثم انصرف إلى العدوة سابع عشر جمادى الأولى من عام ثلاثة وخمسين وسبعمائة، فارتسم في الكتابة السلطانية منوّها به، مستعملا في خدم مجدية، بان غناؤه فيها، وظهرت كفايته.

وجرى ذكره في كتاب التّاج بما نصّه: اللّسن العارف، والنّاقد الجواهر المعاني كما يفعل بالسّكة الصّيارف، الأديب المجيد، الذي تحلّى به للعصر النّحر والجيد، إن أجال جياد براعته فضح فرسان المهارق، وأخجل بين بياض طرسه وسواد نقسه الطّرر تحت المفارق. وإن جلا أبكار أفكاره، وأثار طير البيان من أوكاره، وسلب الرّحيق المفدّم فضل أبكاره، إلى نفس لا يفارقها ظرف، وهمّة لا يرتدّ إليها طرف، وإباية لا يفلّ لها غرب ولا حرف. وله أدب غضّ، زهره عن مجتنيه مرفضّ. كتبت إليه أنتجز وعده في الالتحاف برائقه، والإمتاع بزهر هواتفه، وهو قولي:

عندي لموعدك افتقار محوجوعهودك افتقرت إلى إنجازها
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «عندي لموعدك افتقار محوج»
والله يعلم فيك صدق مودّتيوحقيقة الأشياء غير مجازها
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «عندي لموعدك افتقار محوج»

فأجابني بقوله:

يا مهدي الدّرّ الثمين منظّماكلما حلال السّحر في إيجازها
أدركت حلبات الأوائل وانياورددت أولاها على أعجازها
أحرزت في المضمار خصل سباقهاولأنت أسبقهم إلى إحرازها
حلّيت بالسّمطين مني عاطلاوبعثت من فكري متات » مفازها
فلأنجزنّ مواعدي مستعطفافاسمح وبالإغضاء منك مجازها

ومن مقطوعاته قوله:

ليت شعري والهوى أملوأماني الصّبّ لا تقف
هل لذاك الوصل مرتجعأو لهذا الهجر منصرف؟

ومن ذلك:

وظبي سبى بالطّرف والعطف والجيدوما حاز من غنج ولين ومن غيد
أتيت إليه بالدّنوّ مداعبافقال: أيدنو الظّبي من غابة الأسد؟

وقال من مبدإ قصيدة مطولة فيما يظهر منها:

حديث المغاني بعدهنّ شجونوأوجه أيام التباعد جون
لحا الله أيام الفراق فكم شجتوغادرت الجذلان وهو حزين
وحيّا ديارا في ربى أغرناطةوإنّي بذاك القرب فيه ضنين
ليالي أنفقت الشباب مطاوعاوعمري لدى البيض الحسان ثمين
فأرخصت فيها من شبابي ما غلاوغرمي على مال العفاف أمين
خليليّ، لا أمر، بأربعها قفافعندي إلى تلك الرّبوع حنين
ألم ترياني كلّما ذرّ شارقتضاعف عندي عبرة وأنين؟
إذا لم يساعدني أخ منكما فلاحدت نحو قرن بعد ذاك أمون
أليس عجيبا في البريّة من لناإلى عهد إخوان الزمان ركون؟
فلا تثقن من ذي وفاء بعهدهفقد أجن السّلسال وهو معين
لقلبي عذر في فراق ضلوعهوللدمع في ترك الشؤون شؤون
ومن ترك الحزم المعين فإنهلعان بأيدي الحادثات رهين
رعى الله أيامي الوثيق ذمامهافإنّ مكاني في الوفاء مكين
ولم أر مثل الدهر أمّا عدوّهفخبّ وأمّا خلّه فخؤون
ولولا أبو عمرو وجود يمينهلما كان في عهد الزمان معين

ومن شعره قوله:

زار الخيال ويا لها من لذّةلكنّ لذّات الخيال منام
ما زلت ألثم مبسما منظومهدرّ ومورده الشّهيّ مدام
وأضمّ غصن البان من أعطافهفأشمّ مسكا فضّ عنه ختام

مولده: عام ستة وسبعمائة.

وفاته: وتوفي بمدينة فاس، وقد تخلّفه السلطان كاتب ولده، عند وجهته إلى إفريقية، في شوال عام ثمانية وخمسين وسبعمائة، فتوفي في العشرين لرمضان منه.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الإحاطة في أخبار غرناطة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.