من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
علي بن محمد بن سليمان بن علي بن سليمان ابن حسن الأنصاري
الصفحة ١ من ٢
من أهل غرناطة، يكنى أبا الحسن، ويعرف بابن الجيّاب، شيخنا ورئيسنا العلّامة البليغ.
حاله: من عائد الصّلة: كان، ﵀، على ما كان عليه من التفنّن، والإمامة في البلاغة، والأخذ بأطراف الطلب، والاستيلاء على غاية الأدب، صاحب مجاهدة، وملازمة عبادة، على طريقة مثلى من الانقباض والنزاهة، وإيثار التقشف، محبّا في أهل الخير والصلاح، منحاشا إليهم، منافرا عن أضدادهم، شيخ طلبة الأندلس، رواية وتحقيقا، ومشاركة في كثير العلوم، قائما على العربية واللغة، إماما في الفرائض والحساب، عارفا بالقراءات والحديث، متبحرا في الأدب والتاريخ، مشاركا في علم التصوّف، فذّا في المسائل الأدبية البيانية، حامل راية المنظوم والمنثور، والإكثار من ذلك، والاقتدار عليه، جلدا على الخدمة، مغتبطا بالولاية، محافظا على الرّتبة، مراقبا
لو ظائف الأبواب السلطانية، متوقد الذهن، ذلق الجوانب، مشغوفا بالأنس والمفاوضة في الأدب، محسنا للنادرة الظريفة، مليح الدّعابة، غزير الحفظ، غيورا على الخطّة، كثير النشاط إلى المذاكرة، مع استغراق الكلف، وعلو السن. طال به المرض حتى أذهب جواهر بدنه، وعلى ذلك فما اختلّ تميّزه، ولا تغيّر إدراكه.
بعثت إليه باكور رمّان، فقال لي من الغد، نعم بالهدنة زمانك، يعني نعمت الهدية رمّانك. فعجب الناس من اجتماع نفسه، وحضور فكره. وهو شيخي الذي نشأت بين يديه وتأدبت به، وورثت خطّته عن رضى منه. كتب عن الدول النصرية نحوا من خمسين سنة أو ما ينيف عليها، متين الجاه، رفيع المكانة، بعيد الصيت، وسفر إلى الملوك، واشتهر بالخير، والحمل على أهل الظلم، وجرى ذكره في التاج بما نصّه:
صدر الصّدور الجلّة، وعلم أعلام هذه الملّة، وشيخ الكتابة وبانيها، وهاصر أفنان البدائع وجانيها، اعتمدته الرياسة، فناء بها على حبل ذراعه، واستعانت به السياسة، فدارت أفلاكها على قطب من شباة يراعه، فتفيّأ للعناية ظلّا ظليلا، وتعاقبت الدول فلم تر به بديلا، من ندب على علوّه متواضع، وحبر لثدي المعارف راضع، لا تمرّ مذاكرة في فنّ إلّا وله فيه التّبريز، ولا تعرض جواهر الكلام على محاكاة الأفهام إلّا وكلامه الإبريز، حتى أصبح الدهر راويا لإحسانه، وناطقا بلسانه، وغرّب ذكره وشرّق، فأشام وأعرق، وتجاوز البحر الأخضر والخليج الأزرق، إلى نفس هذّبت الآداب شمائلها، وجادت الرياض خمائلها، ومراقبة لربّه، واستباق لروح الله من مهبّه، ودين لا يعجم عوده، ولا تخلف وعوده. وكلّ ما ظهر علينا- معشر بنيه- من شارة تجلى بها العين،
أو إشارة كما سبك»
اللّجين، فهي إليه منسوبة، وفي حسناته محسوبة، فإنما هي أنفس راضها بآدابه، وأعلقها بأهدابه، وهذّب طباعها، كالشمس تلقي على النجوم شعاعها، والصور الجميلة تترك في الأجسام الصقيلة انطباعها، وما عسى أن أقول في إمام الأئمة، ونور الدياجي المدلهمّة، والمثل السائر في بعد الصيت وعلوّ الهمّة.
مشيخته: نقلت من خطه، في بعض ما كتب به إلى من الأشياخ الذين لقيتهم وأجازوني عامة؛ الشيخ الفقيه الخطيب الصالح الصوفي المحقق صاحب الكرامات والمقامات، نسيج وحده، أبو الحسن فضل بن محمد بن علي ابن فضيلة المعافري، قرأت عليه كذا. ومنهم الشيخ الفقيه الأستاذ العالم العلم الكبير، خاتمة المسندين بالمغرب، أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي، نشأت بين يديه، وقرأت عليه كثيرا وسمعت، وأجازني. ومنهم الشيخ الفقيه الخطيب الأستاذ أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد الخشني البلّوطي، قرأت عليه القرآن العزيز بالقراءات السبع وغير ذلك. ومنهم الشيخ الفقيه الصالح أبو عبد الله محمد بن عياش الخزرجي القرطبي، لقيته بمالقة. ومنهم الشيخ أبو محمد عبد الله بن علي الغساني السعدي الخطيب الصالح، قرأت عليه وسمعت. ومنهم الشيخ العدل أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن أحمد بن مستقور الطائي. ومنهم قاضي الجماعة الشيخ الفقيه أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن سعيد العنسي. ومنهم الشيخ الفقيه الخطيب المحدّث الإمام أبو عبد الله محمد بن عمر بن رشيد. ومنهم الشيخ الخطيب أبو جعفر أحمد بن علي الأنصاري الكحيلي. ومنهم الشيخ الخطيب الأستاذ الصالح أبو محمد عبد الواحد بن محمد بن أبي السّداد الأموي الباهلي. ومنهم الشيخ الوزير الحسيب أبو عبد الله محمد بن يحيى بن ربيع الأشعري، والشيخ الخطيب الأستاذ النظار أبو القاسم بن الشّاط، والشيخ الفقيه أبو عبد الله محمد بن مالك بن المرحّل، والشيخ المبارك أبو محمد عبد المولى بن عبد المولى الخولاني. هؤلاء كلهم لقيتهم، وأجازوني إجازة عامة، وأما من أجازني ولم ألقه، فعالم كثير من أهل المغرب والمشرق، منهم أبو العباس بن الغمّاز، قاضي الجماعة بتونس، وأبو عبد الله بن صالح الكناني، خطيب بجاية، والشريف أبو علي الحسن بن طاهر بن أبي الشرف بن رفيع الحسني، وأبو فارس عبد العزيز الهواري، وأبو محمد بن هارون القرطبي، وأبو علي ناصر الدين المشدالي، وغيرهم.
شعره: وشعره كثير مدوّن، جمعته ودونته، يشتمل على الأغراض المتعددة من المعشّرات النبويّات، والقصائد السلطانيات، والإخوانيات، والمقطوعات الأدبيات، والألغاز والأحجيات.
فمن ذلك من المعشّرات في حرف الجيم على وجه التبرك:
جريئا على الزلّات غير مفكّرجبانا على الطاعات غير معرّج
جمعت لما يفنى اغترارا بجمعهوضيّعت ما يبقى سجيّة أهوج
جنونا بدار لا يدوم سرورهافدعها سدى ليست بعشّك فادرج
جيادك في شأو الضلال سوابقتفوت مدّى بين الوجيه وأعوج
جهلت سبيل الرشد فاقصد دليلهتجد دار سعد بابها غير مرتج
جناب رسول ساد أولاد آدموقرّب في السّبع الطّباق بمعرج
جمال أنار الأرض شرقا ومغربافكلّ سنى من نوره المتبلّج
جلا صدأ المرتاب أن سبّح الحصالديه بنطق ليس بالمتلجلج
جعلت امتداحي والصلاة عليه ليوسائل تحظيني بما أنا أرتج
ومن الأغراض الصوفية السلطانية قوله:
هات اسقني صرفا بغير مزاجواحي التي هي راحتي وعلاجي
إن صبّ منها في الزجاجة قطرةشفّ الزجاج عن السّنى الوهّاج
فإذا الخليع أصاب منها شربةحاجاه بالسّرّ المصون محاجي
وإذا المريد أصاب منها جرعةناجاه بالحقّ المبين مناج
تاهت به في مهمه لا يهتدىفيه لتأديب ولا إدلاج
يرتاح من طرب بها فكأنهاغنّته بالأرمال والأهزاج
هبّت عليه نفحة قدسيّةفي فتح باب دائم الإرتاج
فإذا انتشى يوما وفيه بقيّةسارت به قصدا على المنهاج
وإذا تمكّن منه سكر معربدفليبصرنّ لمصرع الحلّاج
قصرت عبارة فيه عن وجدانهفغدا يفيض بمنطق لجلاج
أعشاه نور للحقيقة باهرفتراه يهبط في الظلام الدّاجي
رام الصعود بها لمركز أصلهفرمت به في بحرها الموّاج
فلئن أمدّ برحمة وسعادةفليخلصن من بعد طول هياج
وليرجعنّ بغنيمة موفورةما شيب عذب شرابها بأجاج
ولئن تخطّاه القبول لما جنىفليرجعن نكسا على الأدراج
ما أنت إلّا درّة مكنونةقد أودعت في نطفة أمشاج
فاجهد على تخليصها من طبعهاتعرّج بها في أرفع المعراج
واشدد يديك معا على حبل التّقىفإن اعتصمت به فأنت النّاجي
ولدى العزيز ابسط بساط تذلّلوإلى الغنيّ امدد يد المحتاج
هذا الطريق له مقدّمتان صادقتان أنتجتا أصحّ نتاج
فاجمع إلى ترك الهوى حمل الأذىواقنع من الإسهاب بالإدماج
حرفان قد جمعا الذي قد سطروامن بسط أقوال وطول حجاج
والمشرب الأصفى الذي من ذاقهفقد اهتدى منه بنور سراج
ألا ترى إلّا الحقيقة وحدهاوالكلّ مضطرّ إليها لاجي
هذي بدائع حكمة أنشأتهابإشارة المولى أبي الحجّاج
وسع الأنام بفضله وبعدلهوبحلمه وبجوده الثّجّاج
من آل نصر نخبة الملك الرّضاأمن المروّع هم وغيث اللّاجي
من آل قيلة ناصري خير الورىوالخلق بين تخاذل ولجاج
ماذا أقول وكلّ قول قاصرفي وصف بحر زاخر الأمواج
منه لباغي العرف درّ فاخرولمن يعادي الدين هول فاجي
دامت سعودك في مزيد، والمنىتأتيك أفواجا على أفواج
ومن الأمداح المطوّلة:
لمن المطايا في السّراب سوابحاتفلي الفلاة غواديا وروائحا
عوج كأمثال القسيّ ضوامريرمين في الآفاق مرمى نازحا
أو كالسحاب تسير مثقلةحملته من سقيا البطاح دوالحا
ركب ييمّم غاية بل آيةأبدت محيّا الحقّ أبلج واضحا
لما دعا داعي الرشاد مردّدالبّوه شوقا والحمام هوادحا
فلهم عجيج بالبسيطة صاعديذكي بنار الشوق منك جوانحا
وإذا حدا الحادي بذكر المصطفىأذروا على الأكوار دمعا سابحا
عيس تهادى بالمحبّين الألىركبوا من العزم المصمم جامحا
طارت بهم أشواقهم سبّاقةفتركن أعلام المطيّ روازحا
رفقا بهنّ فهنّ خلق مثلكمأنضاء أسفار قطعن منادحا
قد جين للهادي وهادا جمّةوسلكن نحو الأبطحيّ أباطحا
ناشدتك الرحمن وافد مكةألّا صرفت إليّ صرفا طامحا
وأخا أتيت القبر قبر محمدوحمدت سعيا من سفارك ناجحا
وذهلت عن هذا الوجود مغيبالما لمحت من الجمال ملامحا
فاقرأ سلامي عند قبر المصطفىوامسح بيمناك الجدار مصافحا
قسما بوفد يزخرون رواحلاقطعت سباسبا بلقعا وضحاضحا
حتى أناخوا بالمحصّب من منىوتأمّلوا النور المبين اللائحا
وتعرّضوا لعوارض عرفيّة هببت بها تلك الرياح لوافحا
وآووا إلى الحرم الشريف فطافعابالبيت أوبا لركن منه ماسحا
وسقوا به من ماء زمزم شربةنالوا بها في الخلد حظّا رابحا
ثم انثنوا قصدا إلى دار الهدىيتسابقون عزائما وجوارحا
فتبوّؤا المغنى الذي بركاتهفاضت على الآفاق بحرا طافحا
ختموا مناسكهم بزورة أحمدبختام مسك طاب عرفا نافحا
إنّ السماحة والشجاعة والنّدىوالبأس والعقل الأصيل الراجحا
وقف على شمس المعالي يوسفأعلى الملوك خواتما وفواتحا
فهو الذي ملأ البلاد فضائلاصارت لمن بارى علاه فضائحا
إن أجملت سير الكرام فخلقهما زال للإجمال منها شارحا
حامي الذّمار مدافعا وموادعاكافي العدو محاربا ومصافحا
للملك بالعزم المؤيد مانعاللعرف بالجود المردد مانحا
إن تلقه في يوم جود هامرتلق السحاب على البلاد سوابحا
أو تلقه في يوم بأس قاهرتلق الأسود لدى العرين كوافحا
أو تلقه في يوم فخر ظاهرتلق الكواكب في السماء لوائحا
من أسرة النصر الألى هم ناصحوابعزائم الصدق الأمين الناصحا
هم أسّسوا الملك المشيد بناؤهفكفوا به الإسلام خطبا فادحا
فاستفهم الأيام عن آثارهمتطلع عليك صحائفا وصفائحا
كان إذا ضنّ الغمام سحائبايهمي وإن جنّ الظلام مصابحا
شادوا له مجدا صميما راسخايبقى على الأعقاب ذكرا صالحا
وسماء فخر فوق أمن جهادهمسمكوا له منه سماكا رامحا
الأعظمون مغانيا ومناقباوالأكرمون محامدا وممادحا
يا دولة نصريّة قد جددتنصرا لأبواب المعاقل فاتحا
وأمامة سعدية قد أطلعتسعدا ولكن للأعادي ذابحا
فاضت جدى فكأنما أيامهاجعلت لأرزاق العباد مفاتحا
كفت عدا فكأنما أوقاتهاجاءت لآيات الأمان شوارحا
عدلا لأقطار الإيالة كالباولجامحات البغي منها كافحا
بشرى بيوسف ناصر الملك الذيما زال عنه مجالدا ومكافحا
جمع المواهب للمواهب مانحافوق المنى وعن الجرائم صافحا
ابن الإمام أبي الوليد وحسبنامدحا تضمن في الفخار مدائحا
يهنيك عيد النّحر أسعد قادموافاك من جدوى يمينك ماتحا
وفّيته قربانه وصلاته وأقمتفيه شعائرا وذبائحا
ورجعت في الجيش الذي أخبارهتروي غرائبها الحسان صحائحا
أسد ضراغم فوق خيل ترتمينحو العدو سوانحا وبوارحا
طيّارة بالدّارعين تخالهاتنقضّ في يوم القتال جوارحا
من كلّ من تخذ القنا خيما لهيلقى العدو مماسيا ومصابحا
والشمس أضرمت السبيكة عندمالقي الحديد شعاعها المطارحا
فاهنأ به وانعم بدولتك التيترضي الوليّ بها وتشجي الكاشحا
دامت ودام الحقّ فيها ثابتايعلو يدا والإفك فيها طالحا
وقال يمدح ويصف مصنعا سلطانيا:
زارت تجرر نحوه أذيالهاهيفاء تخلط بالنّفار دلالها
والشمس من حسد لها مصفرّةإذ قصّرت عن أن تكون مثالها
وافتك تمزج لينها بقساوةقد أدرجت طيّ العتاب نوالها
كم رمت كتم مزارها لكنهصحّت دلائل لم تطق إعلالها
تركت على الأرجاء عند مسيرهاأرجا كأنّ المسك فتّ خلالها
ما واصلتك محبّة وتفضّلالو كان ذاك لواصلت إفضالها
لكن توقّعت السّلوّ فجدّدتلك لوعة لا تتّقي ترحالها
فوحبّها قسما بحق برورهلتجشّمنّك في الهوى أهوالها
حسّنت نظم الشّعر في أوصافهاإذ قبّحت لك في الهوى أفعالها
يا حسن ليلة وصلها ما ضرّهالو أتبعت من بعدها أمثالها
لمّا سكرت بريقها وجفونهاأهملت كأسك لم ترد إعمالها
هذا الربيع أتاك ينشر حسنهفافسح لنفسك في مداه مجالها
واخلع عذارك في البطالة جامحاواقرن بأسحار المنى آصالها
في جنّة تجلو محاسنها كماتجلو العروس لدى الزفاف جمالها
شكرت أيادي للحيا شكر الورىشرف الملوك همامها مفضالها
وصميمها أصلا وفرعا خيرهاذاتا وخلقا، سمحها بذّالها»
الطاهر الأعلى الإمام المرتضىبحر المكارم غيثها سلسالها
حاز المعالي كابرا عن كابروجرى لغايات الكرام فنالها
إن تلقه في يوم بذل هباتهتلق الغمائم أرسلت هطّالها
أو تلقه في يوم حرب عداتهتلق الضّراغم فارقت أشبالها
ملك إذا ما صال يوما صولةخلت البسيطة زلزلت زلزالها
فبسيبه وبسيفه نال المناواستعجلت أعداؤه آجالها
الواهب الآلاف قبل سؤالهافكفى العفاة سؤالها ومطالها
القاتل الآلاف قبل قراعهافكفى العداة قراعها ونزالها
إن قلت بحر كفّه قصّرت إذشبّهت بالملح الأجاج نوالها
ملأ البسيطة عدله ونوالهفالوحش لا تعدو على من غالها
وسقى البريّة فيض كفّيه فقدعمّ البلاد سهولها وجبالها
جمع العلوم عناية بفنونهاآدابها وحسابها وجدالها
منقولها، معقولها، وأصولهاوفروعها، تفصيلها، إجمالها
فإذا عفاتك عاينوك تهللوالمّا رأوا من كفّك استهلالها
وإذا عداتك أبصروك تيقّنواأنّ المنيّة سلّطت رئبالها
بدّدت شملهم ببيض صوارمروّيت من علق الكماة نصالها
وأبحت أرضهم فأصبح أهلهاجزرا تغادر نهبة أموالها
فتحت إمارتك السعيدة للورىأبواب بشرى واصلت إقبالها
وبنت مصانع رائقات ذكّرتدار النعيم جنانها وظلالها
وأجلّها قدرا وأرفعها مدىهذا الذي سامى النجوم فطالها
هو جنّة فيها الأمير مخلّدبلغت إمارته بها آمالها
ولأرض أندلس مفاخر، أنتمأربابها، أضفيتم سربالها
فحميتم أرجاءها، وكفيتمأعداءها، وهديتم ضلّالها
فبآل نصر فاخرت لا غيرهملم تعتمد من قبلهم أقيالها
بمحمد ومحمد ومحمدقصرت على الخصم الألدّ نضالها
فهم الألى ركبوا لكلّ عظيمةجردا كسين من النجيع جلالها
وهم الألى فتحوا لكلّ ملمّةبابا أراح بفتحه إشكالها
متقلّدون من السيوف عضابهامتأبّطون من الرماح طوالها
الراكبون من الجياد عرابهاوالضاربون من العدا أبطالها
أوليّ عهد المسلمين ونخبة الأملاك صفوة محضها وزلالها
إنّ العباد مع البلاد مقرّةبفضائل لك مهّدت أحوالها
فتفكّ عانيها وتحمي سربهاوتفيد حلما دائما جهّالها
ومن الرثاء قوله يرثي ولده أبا القاسم:
هو البين حتما، لا لعلّ ولا عسىفما بال نفسي لم تفض عنده أسى
وما لفؤادي لم يذب منه حسرةفتبّا لهذا القلب سرعان ما قسا
ويا لجفوني لا تفيض مورّدامن الدمع يهمي تارة ومورّسا
وما للساني مفصحا بخطابهوما كان لو أوفى بعهد لينبسا
أمن بعد ما أودعت روحي في الثّرىووسّدت مني فلذة القلب مرمسا
وبعد فراق ابني أبي القاسم الذيكساني ثوب الثّكل لا كان ملبسا
أؤمّل في الدنيا حياة وأرتضيمقيلا لدى أبنائها ومعرّسا
فآها وللمفجوع فيها استراحةولا بدّ للمصدور أن يتنفّسا
على عمر أفنيت فيه بضاعتيفأسلمني للقبر حيران مفلسا
ظللت به في غفلة وجهالةإلى أن رمى سهم الفراق فقرطسا
إلى الله أشكو برح حزني فإنهتلبّس منه القلب ما قد تلبّسا
وصدمة خطب نازلتني عشيّةفما أغنت الشكوى ولا نفع الأسا
فقد صدّعت شملي وأصمت مقاتليوقد هدّمت ركني الوثيق المؤسّسا
ثبتّ لها صبرا لشدّة وقعهافما زلزلت صبري الجميل وقد رسا
وأطمع أن يلقى برحمته الرضاوأجزع أن يشقى بذنب فينكسا
أبا القاسم اسمع شجو والدك الذيحسا من كؤوس البين أفظع ما حسا
وقفت فؤادي مذ رحلت على الأسىوأشهد لا ينفكّ وقفا محبّسا
وقطّعت آمالي من الناس كلّهمفلست أبالي أحسن المرء أم أسا
تواريت يا شمسي وبدري وناظريفصار وجودي مذ تواريت حندسا
وخلّفت لي عبئا من الثّكل فادحافما أتعب الثّكلان نفسا وأتعسا
أحقّا ثوى ذاك الشباب فلا أرىله بعد هذا اليوم حولي مجلسا
فيا غصنا نضرا ثوى عندما استوىفأوحشني أضعاف ما كان آنسا
ويا نعمة لمّا تبلّغتها انقضتفأنعم أحوالي بها صار أبؤسا
فودّعته والدمع تهمي سحابهكما أسلم السلك الفريد المجنّسا
وقبّلت في ذاك الجبين مودعالأكرم من نفسي عليّ وأنفسا
وخفّف من وجدي به قرب رحلتيوماذا عسى أن ينظر الدهر ما عسا
فيا رحمة للشيب يبكي شبيبةقياس لعمري عكسه كان أقيسا
فلو أنّ هذا الموت يقبل فديةحبوناه أموالا كراما وأنفسا
ولكنه حكم من الله واجبيسلّم فيه من بخير الورى ائتسى
تغمدك الرحمن بالعفو والرضاوكرّم مثواك الجديد وقدّسا
وألّف منّا الشمل في جنّة العلافنشرب تسنيما ونلبس سندسا
وكتبت إليه قصيدة أولها:
أمستخرجا كنز العتيق بآماقيأناشدك الرحمن في الرّمق الباقي
فقد ضعفت عن حمل صبري طاقتيعليك وضاقت عن زفيري أطواقي
فأجابني رحمة الله عليه عن ذلك»
سقاني فأهلا بالسّقاية والعناقسلافا بها قام السرور على ساق
ولا نقل إلّا من بدائع حكمةولا كأس إلّا من سطور وأوراق
فقد أنشأت لي نشوة بعد نشوةتمدّ بروحانية ذات أذواق
فمن حظّها الفاني متاع لناظريوسمعي وحظّ الروح من حظّها الباقي
أعادت شبابي بعد سبعين حجّةفأثوابه قد جدّدت بعد إخلاق
وما كنت يوما للمدامة صاحباولا قبلتها قطّ نشأة أخلاقي
ولا خالطت لحمي ولا مازجت دميكفى شرّها مولاي فالفضل للواقي
وهذا على عهد الشباب فكيف ليبها بعد ماء للشبيبة مهراق
تبصّر فحكما القهوتين تخالفافكم بين إثبات لعقل وإزهاق
وشتّان ما بين المدامين فاعتبرفكم بين إنجاح لسعي وإخفاق
فتلك تهادى بين ظلم وظلمةوهذي تهادى بين عدل وإشراق
أيا علم الإحسان غير منازعشهادة إجماع عليها وإصفاق
فضائلك الحسنى عليّ تواترتبمنهمر من سحب فكرك غيداق
خزائن آداب بعثت بدرّهاإليّ ولم تمنن بخشية إنفاق
ولا مثل بكر حرّة عربيّةزكيّة أخلاق كريمة أعراق
فأقسم ما البيض الحسان تبرّمتتناجيك سرّا بين وحي وإطراق
بدور بدت من أفق أطواقها علىرياض شدت في قضبها ذات أطواق
فناظر منها الأقحوان ثغورهاوقابل منها نرجس سحر أحداق
وناسب منها الورد خدّا مورّداسقاه الشباب النّضر، بورك من ساق!
وألبسن من صنعاء وشيا منمنماوحلّين من درّ نفائس أعلاق
بأحلى لأفواه، وأبهى لأعينوأحلى لألباب، وأشهى لعشّاق
رأيت بها شهب السماء تنزّلتإليّ تحيّيني تحية مشتاق
ألا إنّ هذا السحر لا سحر بابلفقد سحرت قلبي المعنّى فمن راق؟
لقد أعجزت شكري فضائل ماجدأبرّ بأحباب وأوفى بميثاق
تقاضى ديون الشعر مني منبّهارويدك لا تعجل عليّ بإرهاق
فلو نشر الصادّان من ملحديهمالإنصاف هذا الدّين لاذا بإملاق
فخذ بزمام الرّفق شيخا تقاصرتخطاه وعاهده بمعهود إشفاق
فلا زلت تحيي للمكارم رسمهاوقدرك في أهل العلا والنّهى راق
وكتبت إليه في غرض العتاب والاستعتاب»
أدرنا وضوء الأفق قد صدع الفضامدامة عتب بيننا نقلها الرضا
فلله عينا من رآنا وللحياحبيّ بآفاق البشاشة أو مضا
نفرّ إلى عدل الزمان الذي أتىونبرأ من جور الزمان الذي مضى
ونأسو كلوم اللفظ باللفظ عاجلاكذا قدح الصّهباء داوى وأمرضا
فراجعني بقوله:
ألا حبّذا ذاك العتاب الذي مضىوإن جرّه واش بزور تمضمضا
أغارت له خيل فما ذعرت حمىولكنها كانت طلائع للرضا
تألّق منها بارق صاب مزنهعلى معهد الحبّ الصّميم فروّضا
تلألأ نور للصداقة حافظاوإن ظنّ سيفا للقطيعة منتضى
فإن سوّد الشيطان منه صحيفةأتى ملك الرّحمى عليها فبيّضا
وما كان حبّ أحكم الصدق عهدهليرمى بوسواس الوشاة فيرفضا
أعيذ ودادا زاكي القصد وافياتخلّص من أدرانه فتمحّضا
ونيّة صدق في رضى الله أخلصتسناها بآفاق البسيطة قد أضا
من الآفك الساعي ليخفي نورهاأيخفى شعاع الشمس قد ملأ الفضا؟
وكيف يحلّ المبطلون بإفكهممعاقد حبّ أحكمتها يد القضا
تعرّض يبغي هدمها فكأنهلتشييد مبناها الوثيق تعرّضا
وحرّض في تنفيره فكأنماعلى البرّ والتسكين والحبّ حرّضا
وأوقد نارا فهو يصلى جحيمهايقلّب منها القلب في موقد الغضا
أيا واحدي المعدود بالألف وحدهويا ولدي البرّ الزكي إن ارتضى
بعثت من الدّرّ النفيس قلائداعلى ما ارتضى حكم المحبة واقتضى
نتيجة آداب وطبع مهذّبأطال مداه في البيان وأعرضا
ولا مثل بكر باكرتني آنفاكزورة خلّ بعد ما كان أعرضا
هي الروضة الغنّاء أينع زهرهاتناظر حسنا مذهّبا ومفضّضا
أو الغادة الحسناء راقت فينقضيمدى العمر في وصفي لها وهو ما انقضى
تطابق منها شعرها وجبينهافذا اللّيل مسودّا وذا الصّبح أبيضا
أو الشهب منها زينة وهدايةورجم لشيطان إذا هو قيّضا
أتت ببديع الشّعر طورا مصرّحابأبياتك الحسنى وطورا معرّضا
ومهّدت الأعذار دون جنايةولو أنك الجاني لكنت المغمّضا
لك الله من برّ وفيّ وصاحبمحضت له صدق الضمير فأمحضا
لسانك في شكري مفيض تفضّلافيا حسن ما أهدى وأسدى وأقرضا
وقلبك فاضت فيه أنوار خلّتيفأبقى يدي تسليمه لي مفوّضا
وقصدك مشكور وعهدك ثابتوفضلك منشور وفعلك مرتضى
فهل مع هذا ريبة في مودّةبحال! وإن رابت فما أنا معرضا
فثق بولائي إنني لك مخلصهوى ثابتا يبقى فليس له انقضا
عليك سلام الله ما هبّت الصّباوما بارق جنح الدّجنّة أو مضا
وكتب إلى القاضي الشريف وهو بوادي آش:
أهزلا وقد جدّت بك اللّمّة الشمطاوأمنا وقد ساورتها حيّة رقطا
أغرّك طول العمر في غير طائلوسرّك أنّ الموت في سيره أبطا
رويدا فإنّ الموت أسرع وافدعلى عمرك الفاني ركائبه حطّا
فإذ ذاك لا تسطيع إدراك ما مضىبحال ولا قبضا تطيق ولا بسطا
تأهّب فقد وافى مشيبك منذراوها هو في فوديك أحرفه خطّا
فرافقت منه كاتب السّرّ واشياله القلم الأعلى يخطّ به وخطا
معمّى كتاب فكّه «احذر» فهذهسفينة هذا العمر قاربت الشّطّا
وإن طال ما خاضت بك اللجج التيخبطت بها في كلّ مهلكة خبطا
وما زلت في أمواجها متقلّبافآونة رفعا وآونة حطّا
فقد أوشكت تلقيك في قعر حفرةتشدّ عليك الجانبين بها ضغطا
ولست على علم بما أنت بعدهاملاق، أرضوانا من الله أم سخطا
وأعجب شيء منك دعواك في النّهىوهذا الهوى المردي على العقل قد غطّى
قسطت عن الحقّ المبين جهالةوقد غالطتك النّفس فادّعت القسطا
وطاوعت شيطانا تجيب إذا دعاوتقبل إن أغوى وتأخذ إن أعطى
تناءى عن الأخرى وقد قربت مدىتدانى عن الدنيا وقد أزمعت شحطا
وتمنحها حبّا وفرط صبابةوما منحت إلّا القتادة والخرطا
فها أنت تهوى وصلها وهي فاركوتأمل قربا من حماها وقد شطّا
صراط هدى نكّبت عنه عمايةودار ردّى أوعيت في سجنها سرطا
فما لك إلّا السيد الشافع الذيله فضل جاه كلّ ما يرتجي يعطى
دليل إلى الرحمن فانهج سبيلهفمن حاد عن نهج الدليل فقد أخطا
محبّته شرط القبول فمن خلتصحيفته منها فقد فقد الشّرطا
وما قبلت منه لدى الله قربةولا زكت الأعمال بل حبطت حبطا
به الحقّ وضاح، به الإفك زاهقبه الفوز مرجوّ، به الذّنب قد حطّا
هو الملجأ الأحمى، هو الموئل الذيبه في غد يستشفع المذنب الخطّا
إليك ابن خير الخلق بنت بديهةتقبّل تبجيلا أنا ملك السّبطا
وحيدة هذا العصر وافت وحيدةلتبسط من شتّى بدائعها بسطا
وتتلو آيات التشيّع إنهالموثقة عهدا ومحكمة ربطا
لك الشرف المأثور يا ابن محمدوحسبك أن تنمى إلى سبطه سبطا
إلى شرفي دين وعلم تظاهراتبارك من أعطى وبورك في المعطى
ورهطك أهل البيت، بيت محمدفأعظم به بيتا وأكرم بهم رهطا
بعثت به عقدا من الدّرّ فاخراوذكر رسول الله درّته الوسطى
وأهديت منها للسيادة غادةنظمت من الدّرّ الثمين بها سمطا
وحاشيتها من كل ما شانها، فإنتجعّد حوشيّ تجد لفظها سبطا
وفي الطيبين الظاهرين نظمتهافساعدها من أجل ذلك حرف الطا
عليك سلام الله ما ذرّ شارقوما ردّدت ورقاء في غصنها لغطا
ومن غريب ما خاطبني به قوله:
أقسم بالقيسين والنابغتينوشاعري طييء المولّدين
وبابن حجر وزهير وابنهوالأعشيين بعد ثمّ الأعميين
ثم بعشّاق الثريّا والرقييات وعزّة وميّ وبثين
وبأبي الشيص ودعبل ومنكشاعري خزاعة المخضرمين
وولد المعتزّ والرّضيّ والسريّثم حسن وابن الحسين
واختم بقسّ وبسحبان فإنأوجب حقّ أن يكونا أوّلين
وحليتي نثرهم ونظمهمفي مشرقي أقطارهم والمغربين
أنّ الخطيب ابن الخطيب سابقبنثره ونظمه للحلبتين
وافتني الصحيفة الحسنا التيشاهدت فيها المكرمات رأي عين
تجمع من براعة المعنى إلىيراعة الألفاظ كلتا الحسنيين
أشهد أنك الذي سبقت فيطريقي الآداب أقصى الأمدين
شعر حوى جزالة ورقّةتصاغ منه حلية للشّعريين
رسائل أزهارها منثورةسرور قلب ومتاع ناظرين
يا أحوذيّا، يا نسيج وحدهشهادة تنزهت عن قول مين
بقيت في مواهب الله التيتقرّ عينيك وتملأ اليدين
ومن المقطوعات الموطّنات على المثال:
لله عصر الشباب عصرافتّح للخير كلّ باب
حفظت ما شئت فيه حفظاكنت أراه بلا ذهاب
حتى إذا ما المشيب وافىندّ ولكن بلا إياب
لا تعتنوا بعدها بحفظوقيّدوا العلم بالكتاب
ومن ذلك قوله:
يا أيها الممسك البخيلإلهك المنفق الكفيل
أنفق وثق بالإله تربحفإنّ إحسانه جزيل
وقدّم الأقربين واذكرما روي ابدأ بمن تعول
ومن ذلك قوله:
وقائلة لم عراك المشيبوما إن يعهد الصّبا من قدم
فقلت لها: لم أشب كبرةولكنه الهمّ نصف الهرم
ومن ذلك قوله:
هي النّفس إن أنت سامحتهارمت بك أقصى مهاوي الخديعه
وإن أنت جشّمتها خطّةتنافي رضاها تجدها مطيعه
فإن شئت فوزا فناقض هواهاوإن واصلتك اجزها بالقطيعه
ولا تعبأنّ بميعادهافميعادها كسراب بقيعه
ومن المقطوعات أيضا:
من أنت يا مولى الورى مقصودهطوبى له قد ساعدته سعوده
فليشهدنك له فؤاد صادقوشهوده قامت عليه شهوده
وليفنين عن نفسه ورسومهطرّا وفي ذاك الفناء وجوده
وليخطفنه بارق يرقى بهفي أشرف المعراج ثم يعيده
حتى يظلّ وليس يدري دهشةتقريبه المقصود أو تبعيده
لكنه ألقى السلاح مسلّمافمراده ما أنت منه تريده
فلقد تساوى عنده إكرامهوهوانه ومفيده ومبيده
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع