من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
علي بن محمد بن سليمان بن علي بن سليمان ابن حسن الأنصاري
الصفحة ٢ من ٢
ومن ذلك قوله في المعنى:
يقيني أنّ الله ﷻيقيني فراجي الله ليس يخيب
ومن مقطوعاته في الألغاز والأحاجي قوله في حجلة:
حاجيت كلّ فطن لبيبما اسم لأنثى من بني يعقوب
ذات كرامات فزرها قربةفزورها أحقّ بالتقريب
تشركها في الاسم أنثى لم تزلحافظة لسرّها المحجوب
وقد جرى في خاتم الوحي الرضالها حديث ليس بالمكذوب
وهو إذا ما الفاء منه صحّفتصبغ الحياء لا الحيا المسكوب
فهاكها واضحة أسرارهافأمرها أقرب من قريب
وفي آب الشهر:
حاجيتكم ما اسم علمذو نسبة إلى العجم
يخبر بالرجعة وهـوراجع كما زعم
وصف الحميم هوبالتصحيف او بدء قسم
دونكه أوضح مننار على رأس علم
ومن ذلك قوله في كانون:
وما اسم لسميّينولم يجمعهما جنس
فهذا كلّما يأتيفبالآخر لي أنس
وهذا ما له شخصوهذا ما له حسّ
وهذا ما له سوموذا قيمته فلس
وهذا أصله الأرضوهذا أصله الشمس
وهذا واحد من سبعة تحيا بها النّفس
فمن محموله الجنّومن موضوعه الإنس
فقد بان الذي ألغزت ما في أمره لبس
ومن ذلك قوله في نمر:
ما حيوان ما له من حرمةإن اسمه صحّف فابن العمّه
وقلبه من بعد تصحيف لهيريك في الذكر الحكيم أمّه
ومن ذلك قوله في سلّم:
ما اسم مركّب مفيد الوضعمستعمل في الوصل لا في القطع
ينصب لكن أكثر استعمال منيعنى به في الخفض أو في الرفع
وهو إذا خفّفته مغيّراتراه شملا لم يزل ذا صدع
فالاسم إن طلبته تجده فيخامسة من الطوال السّبع
وهو إذا صحّفته يعرب عنمكسّر في غير باب الجمع
له أخ أفضل منه لم تزلآثاره محمودة في الشّرع
هما جميعا من بني النجار والأفضل أصل في حنين الجذع
فهاكه قد سطعت أنوارهلا سيما لكلّ زاكي الطبع
ومن ذلك قوله في فنار:
ما اسم إذا حذفت منهـ فاءه المنوّعه
فإنه بنت الزّنامضافة لأربعة
ومن ذلك قوله في حوت:
ما حيوان في اسمهإن اعتبرته فنون
حروفه ثلاثةوالكلّ منها نون
تصحيفه قطع الفلاأو ما جناه المذنبون
أو أبيض أو أسودأو صفة النفس الخؤون
وقلبه مصحّفاعليه دارت السنون
كانت به في ما مضىعبرة قوم يعقلون
أودع فيها عندهسرّ من السّرّ المصون
فهاكه كالنار فيالزّند لها فيه كمون
ومن ذلك قوله في مائدة:
حاجيت كلّ فطن نظّارما اسم لأنثى من بني النجار
وفي كتاب الله جاء ذكرهافقلّ ما يغفل عنها القاري
في خبر المهديّ فاطلبها تجدإن كنت من مطالعي الأخبار
ما هي إلّا العيد عيد رحمةونعمة ساطعة الأنوار
يشركها في الاسم وصف حسنمن وصف قضب الروضة المعطار
فهاكه كالشمس في وقت الضّحىقد شفّ عنها حجب الأستار
ومن ذلك قوله في زبيب:
ما نقي العرض طاهر الجسدعندما خالطه الماء فسد
خالط الماء القراح فغوىبعد ما كان من أهل الرّشد
عجميّ الأصل تمّ حسنهعندما صاد الغزالة الأسد
واسمه اسم امرأة مصحّفاولقد يكون وصفا لولد
هاكه قد بهرت أنوارهفارم بالفكر تصب قصد الرشد
جميع هذه الأغراض المنسوبة إليه بحر لا ينفد مدده، وقطر لا يبلغ عدده.
وأمّا نثره فسلطانيّات مطولات، عرضت بما تخللها من الأحوال متونها، وقلّت لمكان الاستعجال والبديهة عيونها. وقد اقتضبت منها أجزاء سميته «تافها من جم ونقطة من يم».
مولده: ولد بغرناطة في جمادى الآخرة عام ثلاثة وسبعين وستمائة.
وفاته: ليلة يوم الأربعاء الثالث والعشرين من شوال عام تسعة وأربعين وسبعمائة. ودفن بباب إلبيرة. وكانت جنازته آخذة نهاية الاحتفال، حضرها السلطان فمن دونه.
ومما رثي به: رثيته بقصيدة أنشدتها على قبره خامس يوم دفنه ثبتت في غير ما موضع وهي:
ما لليراع خواضع الأعناقطرق النّعيّ فهنّ في إطراق
وكأنما صبغ الشحوب وجوههاوالسّقم من جزع ومن إشفاق
ما للصحائف صوّحت روضاتهاأسفا وكنّ نضيرة الأوراق
ما للبيان كؤوسه مهجورةغفل المدير لها ونام السّاقي
ما لي عدمت تجلّدي وتصبّريوالصبر في الأزمات من أخلاقي
خطب أصاب بني البلاغة والحجاشبّ الزفير به عن الأطواق
أمّا وقد أودى أبو الحسن الرضافالفضل قد أودى على الإطلاق
كنز المعارف لا تبيد نقودهيوما ولا تفنى على الإنفاق
من للبدائع أصبحت سمر السّرىما بين شام للورى وعراق
من لليراع يجيل من خطّيّهاسمّ العدا ومفاتح الأرزاق
قضب ذوابل مثمرات بالمنىوأراقم ينفثن بالتّرياق
من للرقاع الحمر يجمع حسنهاخجل الخدود وصبغة الأحداق
تغتال أحشاء العدوّ كأنهاصفحات دامية الغرار رقاق
وتهزّ أعطاف الوليّ كأنهاراح مشعشعة براحة ساق
من للفنون يجيل في ميدانهاخيل البيان كريمة الأعراق
من للحقائق أبهمت أبوابهاللناس يفتحها على استغلاق
من للمساعي الغرّ تقصد جاههحرما فينصرها على الإخفاق
كم شدّ من عقد وثيق حكمهفي الله أو أفتى بحلّ وثاق
رحب الذراع بكلّ خطب فادحأعيت رياضته على الحذّاق
صعب المقادة في الهوادة والهوىسهل على العافين والطّرّاق
ركب الطريق إلى الجنان وحورهايلقينه بتصافح وعناق
فاعجب لأنس في مظنّة وحشةومقام وصل في مقام فراق
أمطيّبا بمحامد العمل الرضىومكفّنا بمكارم الأخلاق
ما كنت أحسب قبل نعشك أن أرىرضوى تسير على الأعناق
ما كنت أحسب قبل دفنك في الثّرىأنّ اللحود خزائن الأعلاق
يا كوكب الهدي الذي من بعدهركد الظلام بهذه الآفاق
يا واحدا مهما جرى في حلبةجلّى بغرّة سابق السّبّاق
يا ثاويا بطن الضريح وذكرهأبدا رفيق ركائب ورفاق
يا غوث من وصل الضريح فلم يجدفي الأرض من وزر ولا من واق
ما كنت إلّا ديمة منشورةمن غير إرعاد ولا إبراق
ما كنت إلّا روضة ممطورةما شئت من ثمر ومن أوراق
يا مزمعا عنّا العشيّ ركابههلّا لبثت ولو بقدر فواق
رفقا أبانا جلّ ما حمّلتنالا تنس فينا عادة الإشفاق
واسمح ولو بمزار لقيا في الكرىتبقي بها منّا على الأرماق
وإذا اللقاء تصرّمت أسبابهكان الخيال تعلّة المشتاق
عجبا لنفس ودّعتك وأيقنتأن ليس بعد ثواك يوم تلاق
ما عذرها إن لم تقاسمك الردىفي فضل كأس قد شربت دهاق
إن قصّرت أجفاننا عن أن ترىتبكي النجيع عليك باستحقاق
واستوقفت دهشا فإنّ قلوبنانهضت بكلّ وظيفة الآماق
ثق بالوفاء على المدى من فتيةبك تقتدي في العهد والميثاق
سجعت بما طوقتها من منّةحتى زرت بحمائم الأطواق
تبكي فراقك خلوة عمّرتهابالذكر في طفل وفي إشراق
أمّا الثناء على علاك فذائعقد صحّ بالإجماع والإصفاق
والله قد قرن الثناء بأرضهبثنائه من فوق سبع طباق
جادت ضريحك ديمة هطّالةتبكي عليه بواكف رقراق
وتغمّدتك من الإله سعادةتسمو بروحك للمحلّ الراقي
صبرا بني الجيّاب إنّ فقيدكمسيسرّ مقدمه بما هو لاق
وإذا الأسى لفح القلوب أوارهفالصبر والتسليم أيّ رواق
وأنشد في هذا الغرض الفقيه أبو عبد الله بن جزي ﵀:
ألم تر أنّ المجد أقوت معالمهفأطنابه قد قوّضت دعائمه
هوى من سماء المعلوات شهابهاوخانت جواد المكرمات قوائمه
وثلّت من الفخر المشيد عروشهوفلّت من العزّ المنيع صوارمه
وعطّل من حلي البلاغة قسّهاوعرّي من جود الأنامل حاتمه
أجل إنه الخطب الذي جلّ وقعهوثلّم غرب الدين والعلم هاجمه
وإلّا فما للنوم طار مطارهوما للزيم الحزن قصّت قوادمه
وما لصباح الأنس أظلم نورهوما لمحيّا الدهر قطّب باسمه
وما لدموع العين فضّت كأنهافواقع زهر والجفون كمائمه
قضى الله في قطب الرياسة أن قضىفشتّت ذاك الشّمل من هو ناظمه
ومن قارع الأيام سبعين حجّةستنبو عراره ويندقّ قائمه
وفي مثلها أعيا النطاسيّ طبّهوضلّ طريق الحزم في الرأي حازمه
تساوى جواد في رداه وباخلفلا الجود واقيه ولا البخل عاصمه
وما نفعت ربّ الجياد كرامهولا منعت منه الغنيّ كرائمه
وكلّ تلاق فالفراق أمامهوكلّ طلوع فالغروب ملازمه
وكيف مجال العقل في غير منفذإذا كان باني مصنع هو هادمه
ليبك عليّا مستجير بعدلهيصاخ لشكواه ويمنع ظالمه
ليبك عليّا مائح بحر علمهيروّى بأنواع المعارف هائمه
ليبك عليّا مظهر فضل نصحهيحلّأ عن ورد المآثم حائمه
ليبك عليّا معتف جود كفّهيواسيه في أمواله ويقاسمه
ليبك عليّا ليله وهو قائميكابده أو يومه وهو صائمه
ليبك عليّا فضل كلّ بلاغةيخلّده في صفحة الطّرس راقمه
وشخص ضئيل الجسم يرهب نفثهليوث الشّرى في خيسها وضراغمه
تكفّل بالرزق المقدّر للورىإذا الله أعطى فهو للناس قاسمه
يسدّده سهما وينضوه صارماويشرعه رمحا فكلّ يلائمه
إذا سال من شقّيه سائل حبرهبما شاء منه سائل فهو عالمه
ليبك عليه الآن من كان باكيافتلك مغانيه خلت ومعالمه
تقلّد منه الملك عضب بلاغةيقدّ السلوقيّ المضاعف صارمه
وقلّده مثنى الوزارة فاكتفىبها ألمعيّ حازم الرأي عازمه
ففي يده وهو الزعيم بحقّهابراعته والمشرفيّ وخاتمه
سخيّ على العافين سهل قيادهأبيّ على العادين صعب شكائمه
إذا ضلّت الآراء في ليل حادثرآها برأي يصدع الحقّ ناجمه
وقام بأمر الملك للدين حاميافذلّ معاديه وضلّ مراغمه
وقد كان نيط العلم والحلم والتّقىبه وهو ما نيطت عليه تمائمه
ودوّخ أعناق الليالي بهمّةيبيت ونجم الأفق فيها يزاحمه
وزاد على بعد المنال تواضعاأبى الله إلّا أن تتمّ مكارمه
سقيت الغوادي! أيّ علم وحكمةودين متين ذلك القبر كاتمه
وما زلت يستسقى بدعوتك الحياوها هو يستسقى لقبرك ساجمه
بكت فقدك الكتّاب إذ كان شملهميؤلّفه من روح فضلك ناعمه
وطوّقتهم بالبرّ ثم سقيتهمنداك فكنت الروض ناحت حمائمه
ويبكيك مني ذاهب الصبر موجعتوقّد في جنبيه للحزن جاحمه
فتى نال منه الدهر إلّا وفاءهفما وهنت في حفظ عهد عزائمه
عليل الذي زرّت عليه جيوبهقريح الذي شدّت عليه حزائمه
فقد كنت ألقى الخطب منه بجنّةتعارض دوني بأسه وتصادمه
سأصبر مضطرّا وإن عظم الأسىأحارب حزني مرّة وأسالمه
وأهديك إذ عزّ اللقاء تحيّةوطيب ثناء كالعبير نواسمه
وأنشد القاضي أبو بكر القرشي قوله في قصيدة في ذلك:
هي الآجال غايتها نفادوفي الغايات تمتاز الجياد
وأنشد الفقيه الكاتب أبو بكر القاسم بن الحكيم قوله من قصيدة:
لينع الحجا والحلم من كان ناعياويرع العلا والعلم من كان راعيا
وأنشد الفقيه القاضي أبو بكر بن جزي قصيدة أولها:
أبثّكما والصبر للعهد ناكثحديثا أملّته عليّ الحوادث
قصائد مطولات يخرج استقصاؤها عن الغرض، فكان هذا التأبين غريبا لم يتقدّم به عهد بالحضرة لكونها دار ملك، والتجلّة في مثل هذا مقصورة على أولي الأمر، فمضى بسبيله، ﵀.
علي بن موسى بن عبد الملك بن سعيد بن خلف ابن سعيد بن محمد بن عبد الله بن سعيد بن الحسن ابن عثمان بن عبد الله بن سعد بن عمار بن ياسر ابن كنانة بن قيس بن الحصين بن لوذم بن ثعلب ابن عوف بن حارثة بن عامر الأكبر بن نام بن عبس واسمه زيد بن مالك بن أدد بن زيد العنسي المذحجي
من أهل قلعة يحصب، غرناطي، قلعي، سكن تونس، يكنى أبا الحسن، ويعرف بابن سعيد.
أوليته: قد تقرر من كرم أوليته وذكر بيته ما ينظر في محله.
حاله: هذا الرجل وسطى عقد بيته، وعلم أهله، ودرّة قومه، المصنّف الأديب، الرحال، الطّرفة، الإخباري، العجيب الشأن في التجول في الأوطان، ومداخلة الأعيان، والتمتع بالخزائن العلمية، وتقييد الفوائد المشرقية والمغربية.
مشيخته: أخذ عن أعلام إشبيلية كأبي علي الشّلوبين، وأبي الحسن الدباج، وأبي الحسن بن عصفور وغيرهم.
تواليفه: وتواليفه كثيرة، منها المرقصات والمطربات، عزيز الوجود، والمقتطف أغرب وأعجب، والطالع السعيد في تاريخ بيته وبلده، والموضوعان الغريبان المتعددا الأسفار، وهما «المغرب في حلى المغرب»، «والمشرق في حلى المشرق»، وغير ذلك مما لم يتصل إلينا، فلقد حدّثني الوزير أبو بكر بن الحكيم، أنه تخلف كتابا يسمى «المرزمة»، يشتمل على وقر بعير، لا يعلم ما فيه من الفوائد الأدبية والإخبارية إلّا الله.
شعره: قال: تعاطى نظم الشعر في حدّ زمن الشبيبة، يعجب فيه من مثله، فيذكر أنه خرج مع والده، وقد مرّ في صحبته إلى إشبيلية، وفي صحبته سهل بن مالك، فجعل سهل يباحثه عن نظمه، إلى أن أنشده في صفة النهر والنسيم يردّده، والغصون تميل عليه:
كأنما النّهر صفحة كتبتأسطرها والنسيم ينشئها
لمّا أبانت عن حسن منظرهامالت عليها الغصون تقرؤها
فطرب أبو الحسن وأثنى عليه، ثم شدا. وناب عن أبيه في أعمال الجزيرة، ومازج الأدباء، ودوّن كثيرا من نظمه، وحفظ له في المدح:
يا أيها الملك الذي هباتهوهباته شدّت عرى الإسلام
لمّا أسال نداه سلّ حسامهفأراك برقا في متون غمام
لله شيعتك التي ترك العداأقداحهم بمواطئ الأقدام
طاروا بأجنحة السيوف إليهممثل الحمام جلبن كل حمام
فهم سهام والجياد قسيّهموعداهم هدف وسعدك رام
وقال: ومما نظمته بالحضرة في فرس كان لهم لوباني أغرّ أكحل بحلية:
وأجرد تبري أثرت به الثّرىوللفجر في خصر الظلام وشاح
عجبت له وهو الأصيل بعرفهظلام وبين الناظرين صباح
رحلته المشرقية، وفيها الكثير من نظمه، قال في «الطالع»: لما قدم الديار المصرية واشتهر، كان مما نظمه سلما لمعرفة الأدباء والظرفاء قوله، وقد رأى بساحلها وجوها لا يعرفها، وألسنا غير ما عهد:
أصبحت أعترض الوجوه ولا أرىمن بينها وجها لمن أدريه
ويح الغريب توحّشت ألحاظهفي عالم ليس له بشبيه
عودي على بدئي ضلالا بينهمحتى كأني من بقايا التّيه
ودخل القاهرة، فصنع له أدباؤها صنيعا في ظاهرها، وانتهت بهم الفرجة إلى روض نرجس، وكان فيهم أبو الحسن الجزّار، فجعل يدوس النرجس برجله، فقال أبو الحسن:
يا واطئ النرجس بالأرجلما تستحي أن تطأ الأعين بالأرجل؟
فتهافتوا بهذا البيت وراموا إجازته.
فقال ابن أبي الأصبغ:
فقال: دعني لم أزل محرجاعلى لحاظ الرّشا الأكحل
وكان أمثل ما حضرهم، ثم أبوا أن يجيزه غيره، فقال:
قابل جفونا بجفون ولاتبتذل الأرفع بالأسفل
ثم استدعاه سيف الدين بن سابق، صاحب الأشغال السلطانية، إلى مجلس بضفة النيل، مبسوط بالورد، وقد قامت حوله شمامات نرجس، فقال في ذلك:
من فضّل النّرجس فهو الذييرضى بحكم الورد إذ يرأس
أما ترى الورد غدا قاعداوقام في خدمته النّرجس؟
ووافق ذلك مماليك الترك، وقوفا في الخدمة على عادة المشارقة، فطرب الحاضرون، من حسود ومنصف. ولقي بمصر محيي الدين بن ندا واقد التركي، والإمام زهير الحجاري بهاء الدين، وبالقاهرة جمال الدين بن مطروح، وجمال الدين بن يغمور، وتعرف بكمال الدين بن العديم رسول سلطان حلب، فاستصحبه يتحف به الملك الناصر صاحب حلب، فلقي بحمص وبيت المقدس وحماه أعلاما جلّة، وله معهم أخبار يطول ذكرها، ودخل على السلطان بحلب، وأنشده قصيدة أولها:
جد لي بما ألقى الخيال من الكرىلا بدّ للطّيف الملمّ من الكرى
فقال كمال الدين: هذا رجل عارف مذ روى لمقصده من أول كلمة. ثم قال بعد أبيات:
الناصر الملك الذي عزماتهأبدا تكون مع العساكر عسكرا
ما كان أنبا الفتح يلزم لامهوالجمع من أعدائه متكسّرا
فعظم استظراف السلطان لهذه المقاصد، وأثنى عليه. ثم وصل فقال:
الدين أصلحه وعمّ صلاحه الدنياوأصبح ناصرا ومظفّرا
فكأن كنيته غدت موضوعهمن ربّه والوصف منه مقرّرا
وكأنما الأسماء قد عرضت علىعلياه قبل وجوده متخيّرا
فقال السلطان: كيف ترون؟ واستعاده. فقال عون الدين العجمي عميد المجلس وكاتب الإنشاء: استنباطه ما سمع الملوك بمثله يا خوند. ثم أنشد:
من آل أيوب الذين هم همورثوا الندى والبأس أكبر أكبرا
أهل الرياسة والسياسة والعلابسيوفهم حلّوا الذّرى منحوا الذّرا
سمّ العداة على حياء فيهملا تعجبوا فكذاك آساد الشّرى
كادوا يقيلون العداة من الرّدىلو لم يمدّوا كالحجاب العثيرا
جعلوا خواتم سمرهم من قلب كلل معاند عدّ المثقّف خنصرا
وببيضهم قد توّجوا أعداءهمحتى لقد حلّوا لكيما تشكرا
لو لم يخافوا تيه سار نحوهموهبوا الكواكب والصّباح المسفرا
وهي طويلة. ثم استجلسه السلطان، وسأله عن بلاده ومقصده بالرحلة، فأخبره أنه جمع كتابا في الحلى البلادية والحلى العبادية المختصّة بالمشرق، وأخبره أنه سمّاه «المشرق في حلى المشرق». وجمع مثله فسمّاه «المغرب في حلى المغرب». فقال: نعينك بما عندنا من الخزائن، ونوصلك إلى ما لا»
عندنا، مثل خزائن الموصل وبغداد، وتضيف لنا المغرب. فخدم على عادتهم، وقال: أمر مولاي بذلك إنعام وتأنيس، ثم قال له السلطان مداعبا: إن شعراءنا ملقّبون بأسماء الطيور، وقد اخترت لك لقبا يليق بحسن صوتك وإيرادك للشعر، فإن كنت ترضى به، وإلّا لم يعلمه غيرنا، وهو البلبل، فقال: قد رضي المملوك بذلك يا خوند.
فتبسّم السلطان، وقال: اختر واحدة من ثلاث، إمّا الضيافة التي ذكرتها أول شعرك، وإمّا جائزة القصيدة، وإمّا حقّ الاسم. فقال: يا خوند، المملوك ممّن لا يختنق بعشر لقم، فكيف بثلاث؟ فطرب السلطان، وقال هذا مغربي ظريف، ثم أتبعه من الدنانير والخلع الملوكية والتواقيع بالأرزاق ما لا يوصف. ولقي بحضرته عون الدين العجمي، وهو بحر لا تنزفه الدّلاء، والشهاب التلعفري الشهير الذكر، والتاج ابن شقير، وابن نجيم الموصلي، والشرف بن سليمان الإربليّ، وطائفة من بني الصاحب.
ثم تحوّل إلى دمشق، ودخل الموصل وبغداد، ودخل مجلس السلطان المعظم ابن الملك الصالح بدمشق، وحضر بمجلس خلوته. وكان ارتحاله إلى بغداد في عقب سنة ثمان وأربعين وستمائة في رحلته الأولى إليها. ثم رحل إلى البصرة، ودخل أرّجان، وحجّ. ثم عاد إلى المغرب. وقد صنّف في رحلته الأولى إليها مجموعا سمّاه ب «النفحة المسكيّة في الرحلة المكية». وكان نزوله بساحل مدينة إقليبية من إفريقية في إحدى جمادين من عام اثنين وخمسين وستمائة، واتصل بخدمة الأمير أبي عبد الله المستنصر فنال الدرجة الرفيعة من حظوته. وقال عند اتصاله به لحين قدومه:
وما زلت أضرب في الخافقينأروم البلاد وأرعى الدول
إلى أن رجعت إلى تونسمحلّ الإمام وأقصى الأمل
فقلت البلاد لهذي قرىوقلت الأنام لهذا خول
نكبته: وحدّثني شيخنا الوزير أبو بكر بن الحكيم، أن المستنصر جفاه في آخر عمره، وقد أسنّ لجراء خدمة مالية أسندها إليه، وقد كان بلاء منه قبل جفوة، أعقبها انتشال وعناية. فكتب إليه:
يا غزالا في الحشا منزلهوبعيني دائما منهله
لا ترعني بالجفا ثانيةما بقي في الجسم ما يحمله
فرق له، وعاد إلى حسن النظر فيه، إلى أن توفي تحت برّ وعناية، ﵀.
مولده: ولد بغرناطة ليلة الفطر في سنة عشر وستمائة.
وفاته: توفي بتونس، حرسها الله، في أحواز عام خمسة وثمانين وستمائة.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع