تجاوز إلى المحتوى

من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

علي بن أحمد بن محمد بن أحمد بن علي بن أحمد الخشني

من أهل مالقة، من قرية يعشيش من عمل ملتماس، من شرقيها، يكنى أبا الحسن. ودخل غرناطة ومدح أمراءها، وتردّد إليها.

حاله: من «عائد الصلة»: من صدور أهل الدين والفضل، والخير والصلاح والنزاهة، والاقتصاد والانقباض، تحرّف بصناعة التّوثيق بمالقة، جاريا على شاكلة مثله من الاقتصاد، والتبلّغ باليسير، ومصابرة الحاجة، مكبّا على المطالعة والنظر، مجانبا للناس، بعيدا عن الرّيب، مؤثرا للزهد في الدنيا. ولّي الخطابة بالمسجد الأعظم من قصبة مالقة في عام وفاته.

مشيخته: قرأ على الأستاذ الصالح الخطيب أبي جعفر بن الزيات، والأستاذ المقرئ رحلة الوقت أبي عبد الله بن الكمّاد.

شعره: وشعره آخذ بطرف من الإجادة في بعض المقاصد، فمن ذلك قوله:

أرى لك في الهوى نظرا مريباكأنّ عليك عذلا أو رقيبا
ولست بخائف في الحب شيئاعلى نفسي مخافتي المشيبا
يريني كل ما تهواه نفسيقبيحا مالئا عيني عنيبا
أنا منه ابن قيس لا يراحفذق مرّ التأسف مستطيبا
إذا ما كنت تبكي فقد حبّفما مثل الشباب به حبيبا

وقال في مذهب المدح من المطولات:

الآن تطلب ودّها ووصالهامن بعد ما شغلت بهجرك بالها
وقد استحالت فيك سيماء الصّباحالا يروع مثلها أمثالها
وأتيتها متلبسا بروائعنكر بفودك أصبحت عذّالها
بيض تخيّل للنفوس نصولهاسمرا تخوّل للنحور نصالها
مثل الأفاعي الرّقط تنفث في الحشاوأرى بفودك جثما أطالها
نار تضرّم في الفؤاد حريقهالكن تنير بمفرقيك ذبالها
جزعت لهذا الشّيب نفسي وهي مازالت تهوّن كل صعب نالها
ولكم صدعت بنافذ من عزمتيهمّا فلا يهدي العليم ضلالها
صادمت من كرب الدّنا أشتاتهاما خفت غربتها ولا إقلالها
ولئن تقلّص عسرتي فيء الغناعنّي فلي نفس تمدّ ظلالها
ما مزّقت ديباجتي غير امرئعرضت عليه النفس قط سؤالها
ألقى الليالي غير هبّ صرفهاوالأسد غير مجنّب أغيالها
أمشي الهوينا والعداة تمرّ بيمرّا يطير عن الجياد نسالها
علمت لي الخلق الجميل محقّقاوتسيء فيّ على عم أقوالها
تبغي انثناء، هل سمعت بنسمةمرّت على نجد تهزّ جبالها؟
ولربما عرضت لعيني نظرةيرضى الحكيم غرامها وخبالها
من غادة سرق الصباح بهاءهاوالبدر في ليل التمام كمالها
تهوي المجرّة أن تكون نجومهامن حليها وهلالها خلخالها
عرضت كما مرّت بعينك مطفلترعى بناظرك الكحيل غرامها
ما نهنهت نفسي وإن ضمنت لهاعبراتها يوم الوداع وصالها
من كان يأمل أن يقوم بمجلسحطّت به شهب السما أثقالها
محا أحاديث السّرى أولي النّهانصّا ويضري في العلى أمثالها
ألقى هواه جانبا وسرى بهوجنا تدوّي في الدجى إعمالها

ومنها في المدح:

ألبست دين الله حلّة أمنأضفت على إسرائه زلزالها
أنتم بني نصر نصرتم ملّة الإسلام حين شكت لكم عذّالها
كنتم لها أهلا ورحّبتم بهافي الغربتين ومنتم إنزالها
نزلت على سعد ليسعد جدّهاوأوت إلى نصر لينصر آلها
أحرزتم يوم السّقيفة عودهادون الأنام وقودها وسكالها
لكن حبوتم من أجرتم منّةبخلافة الله التي يعنى لها
إذ تؤثرون سواكم قالت بذاآي الكتاب، فمن يردّ مقالها؟
حتى إذا عثرت ولم ينهض بهاإلّاكم بادرتم إنشالها
آويتم خير البريّة كلّهاومغيثها ونجاتها وثمالها
من ألبس الشّرف الرفيع وضيعهاوكسا معصفرة الحجا جهّالها
من أمّ في السّبع العلى أملاكهاجبريلها في الغرب أو ميكالها
من أنقذ الغرقى وقد شمل الرّدىهذا الأنام خيارها وحثالها
من فاضت الخيرات من تلقائهكالصّبح فاض على الدّجى فأزالها
من فجّر العين الفرات بكفّهيرو الورى ورد القطا سلسالها
من لا يقاسي بالرياح إذا سرتنشرا تقلّ من السحاب ثقالها
معنى وجود الكون علّة كونهنفس الحياة منفّسا أهوالها
دامت صلاة الله ديمة عارضيهمي عليه ندى الدّنا هطّالها
لمّا تحقّقت النبوّة أنهاقد زلزلت منها الورى زلزالها
وتقاعست عن منعها أعمامهاأمّت أئمّة نصرها أحوالها
فوثبتم مثل الليوث لنصرهاوالحرب تجنب خلفها أشبالها
وأدرتم منها زبونا أصبحتترمي رؤوس الملحدين ثقالها
بدر وما بدر وردّم قلبهابجنادل الطاغوت تملأ جالها
ولكم بأوطاس وقد حمي الوطيس على العدا يوم أطاح بحالها
فنزعتم أزواجها وسبيتمأولادها وسلبتم أموالها
وذهبتم بالمصطفى لدياركموحيا سواكم ساقها وجمالها
فزتم به فوز المعلّى منحةأحرزتم دون الأنام منالها
يا أيها الملك الذي من ملكهجنت الملوك جمالها وجلالها
ما زال حزبك منهم يعلو علىمرّ الدهور ويعتلي أجبالها
حتى حللت من المجادة ذروةما حلّ غيرك في المجادة حالها
تحمي الهدى تهمي النّدى تولي الجداوتقي الردى وتري العدا أوجالها
قعدت شريعته بيمنك ليس منكدر يشين على العباد زلالها
يا سيّد السادات، يا ملك الملوك وشمسها وصباحها وهلالها
يا بدرها، يا بحرها، أو غيثهاأو ليثها أو حسنها وجمالها
خذها كما دارت بكأس سلافهاحوراء تمزج باللّمى جريالها
تثني على السّحر المبين وشاحهاوتدير من خمر الفتور جلالها
لمياء تبرز للعيون كشاطروالعقل يوجب حكمه إجلالها
وقفت وذو إحسانها من هاشممن سبط خير العالمين حيالها
يرجو رضاك وطالما أرضيتمآل النبيّ وكنتم أرسالها
كم من يد بيضا لدينا منكمشكرا له وأولياه فعالها
آويتم، واسيتم، واليتم،أحللتمونا داركم وجلالها
وهجرتم لوصالنا أعداءناووصلتم لصلاتنا أوصالها
فصلوا حياءنا ما استطعتم وصلهتعطوا من اجزاء الجزاء جزالها

وله تأليف غريب عكف عليه عمره في فضل مكّة، وكأنه يروم برهانا على وجوب كونها بالموضع الذي هي به، وفضله على سواه، وتكلم على حروف اسمها، من جهة تناسب أعداد الحروف، مما الناظر فيه مخير في نسبه إلى العرفان أو الهذيان.

وفاته: توفي بمالقة في أخريات صفر من عام خمسين وسبعمائة.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الإحاطة في أخبار غرناطة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.