تجاوز إلى المحتوى

من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

علي بن محمد بن علي العبدري

سكن غرناطة، يكنى أبا الحسن ويعرف بالورّاد، ويشهر أبوه باليربوني.

حاله: بقية مسنّي أدباء الأندلس في فن الهزل والمعرب، والهزل متولي شهرته، وله القدح المعلّى فيه، والطريقة المثلى، ظريف المأخذ، نبيل الأغراض، حافظ للعيون، مال بآخرة إلى النّسك وصحبة الصالحين. ولم يزل بحاله الموصوفة إلى أن استولت عليه الكبرة، وظرفه يتألّق خلال النسك. وجرى ذكره في «الإكليل الزاهر» بما نصّه: أديب، نار ذكائه كأنه يتوقّد، وأريب لا يعترض كلامه ولا ينقد. أمّا الهزل فطريقته المثلى، التي ركض في ميدانها وجلى، وطلع في أفقها وتجلّى، فأصبح علم أعلامها، وعابر أحلامها. إن أخذ بها في وصف الكاس، وذكر الورد والآس، وألمّ بالربيع وفصله، والحبيب ووصله، والروض وطيبه، والغمام وتقطيبه، شقّ الجيوب طربا، وعلّ النفوس إربا وضربا. وإن أشفق لاعتلال العشية، في فرش الربيع الموشية، ثم تعدّاها إلى وصف الصّبوح، وأجهز على الرق المجروح، وأشار إلى نغمات الورق، يرفلن في الحلل الزّرق، وقد اشتعلت الليل نار البرق، وطلعت بنور الصباح في شرفات الشرق، سلب الحليم وقاره، وذكر الخليع كأسه وعقاره، بلسان يتزاحم على مورده الخيال، ويتدفّق من حافاته الأدب السيال، وبيان يقيم أود المعاني، ويشيده صانع اللفظ محكمة المباني، ويكسو حلل الإحسان جسوم المثالث والمثاني، إلى نادرة لمثلها يشار، ومحاضرة يجنى بها الشهد ويسار.

وقد أثبتّ من شعره المعرب، وإن كان لا يتعاطاه إلّا قليلا، ولا يجاوره إلّا تعليلا، أبياتا لا تخلو من مسحة جمال على صفحاتها، وهبّة طيب ينمّ في نفحاتها.

فمن ذلك قوله:

يذكّرني حسن الكواعب روضةلها خطر قيد النّواظر مونق
خدود من الورد النضير وأعينمن النّرجس السامي إليها تحدّق
وخامات زرع يانع كذؤابوما شقّها من جدول الماء مفرّق

ومن شعره قوله:

أسافرة النقاب، سحرت لمّاأمطت الخزّ عن بدر التمام
وتيّمت الفؤاد بغنج طرفكحيل ما يفيق من المنام
لعمر أبيك ما بالنوم بعدعن الجفن المكحّل بالظلام

ومن معانيه المخترعة وأغراضه المبتدعة، وكلها كذلك:

ما لي إذا غبتم تهمي لفرقتكمعيني بمنهمر كالغيث هتّان
أشبهت نيلوفرا والشمس بهجتكمإن غبتم غبت في أمواه أجفان
السّقم يشهد لي والدّمع برّح بيمتى استوى عندكم سرّ وإعلان؟

وقال من المستحسن الذي رمى فأصاب، واستمطر طبعه فصاب:

يقولون: لاح الشيب فاله عن الصّباوعن قهوة تصبو لها وتنيب
فقلت: دعوني نصطحبها سلافةعلى صبح شيبي فالصّبح عجيب

وقال كذلك:

لا تعجبنّ من البليد مخولاومن اللبيب يعدّ في الفقراء
الماء أصل الخصب غير مدافعوأخو البلادة طبعه كالماء
والنار مؤثرة الجدوب وإنهالشبيهة بطبائع الفطناء

ومن قصائده الغريبة:

ومعذّر لحظ المشيب بعارضيفتصرّمت دوني حبال وصاله
هلّا ثنته نسبة لمحبّه؟إنّ العذار لشيبة لجماله

وقال أيضا:

تحرّ الصّدق إن حدّثت يوماوإن حدّثت لا تنقل حديثا
وكن للسّرّ صوّانا كتوماوربما كان سرّك أو حديثا

وقال مما يكتب في غمد سيف:

لئن راق منّي منظر بان حسنهلقد سامني بالمهنّد باطن
كأنّ أديمي رقعة من حديقةتلقّفها صلّ لدى الروض كامن

وقال مما يكتب على قوس:

إن كان من وتر الألحان منبعثاسرور قوم مدى الآصال والبكر
فإنّ حزن العدا ما نال منبعثامنّي وحينهم في النّقر في وتر

وقال في غير هذا الغرض:

الخير كلّ الخير في ستّةلم تلف إلّا في كرام الرجال
الحزم والحلم وحمل الأذىوالصبر والصّمت وصدق المقال

ومما نختتم به محاسنه قوله:

ألا إنّ باب الله ليس بمغلقولا دونه من مانع لموفّق
ولكن بلينا في سلوك طريقهبكلب من الشيطان ليس بمطرق
فمن يرم بالدنيا إليه كلقمةفذاك الذي من شرّه ليس يتّقي
فخلّ عن الدنيا ودع عنك حبّهايدعك إلى أوج السعادة ترتقي

وقوله:

أيقنت أنّ جميع الخلق ليس لهشيء من الأمر في شيء فيصنعه
فلا أخاف ولا أرجو مدى عمريإلّا الذي في يديه الخلق أجمعه

مولده: بمدينة مالقة في اليوم الثالث والعشرين لذي حجة من عام أحد وثمانين وستمائة.

وفاته: في أحواز أحد وستين وسبعمائة.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الإحاطة في أخبار غرناطة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.