من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
يعقوب بن عبد الحق بن محيو بن بكر بن حمامة ابن محمد بن رزين بن فقوس بن كرناطة بن مرين
من قبيلة زناتة، أمير المسلمين، المكنى بأبي يوسف، الملقّب بالمنصور، ﵀.
أوليته: ظهر بالمغرب أبوه الأمير عبد الحق، وقد اضطربت دولة الموحّدين، والتأث أمرهم، ومرجت عرب رياح؛ لعجز الدولة عن كفّ عدوانهم، فخرج الأمير عبد الحق في بحبوحة قومه من الصحراء، ودعا إلى نفسه، واستخلص الملك بسيفه، عام عشرة وستمائة، وكان على ما يكون عليه مثله، ممن جعله الله جرثومة ملك وخدم دولة، من الصّدق والدّهاء والشجاعة. ورأى في نومه كأنّ شعلا أربع من نار، خرجن منه، فعلون في جوّ المغرب، ثم احتوين على جميع أقطاره، فكان تأويلها تملّك بنيه الأربعة بعده، والله يؤتي ملكه من يشاء. وكان له من الولد إدريس، وعثمان، وعبد الله، ومحمد، وأبو يحيى، وأبو يوسف، ويعقوب هذا. ولمّا هلك هو وابنه إدريس في وقيعة رياح، ولي أمره عثمان ولده، ثم ولي بعده أخوه محمد، ثم ولي بعده أبو يحيى أخوهما. وفي أيامه اتّسق الملك، وضخم الأمر، وافتتحت البلاد. ولمّا هلك حتف أنفه بفاس في رجب من عام ستة وخمسين وستمائة، قام بالملك أخوه يعقوب المترجم به، وأرّث الملك بنيه.
حاله: كان ديّنا فاضلا حييّا، جوادا سمحا، شجاعا، محبّا في الصالحين، منقادا إلى الخير، حريصا على الجهاد. أجاز ولده في أوائل عام اثنين وسبعين وستمائة إلى الأندلس، ثم عبر بنفسه في سرار صفر من العام بعده، فاحتلّ بظاهر إشبيلية، وكسر جيش الرّوم المنعقد على زعيمهم المسمّى ذنونه، بظاهر إستجة في ربيع الآخر من العام. ثم عبر ثانيا، مغتنما ما نشأ بين الروم من الفرقة، فغزا مدينة قرطبة، وصار أمر العدو في أطواق الفرنتيرة، بحيث لا يوجد في بطن القتيل منها إلّا العشب أزلا ومسغبة، لانتشار الغارات، وانتساف الأقوات، وحديث الفتنة.
وسببها ما كان من تصيّر مالقة إليه، من أيدي المنتزين عليها من بني إشقيلولة، ثم عودتها إلى سلطان الأندلس، من أيدي رجاله، شيوخ بني محلّى، ثم تدارك الله المسلمين بصلاح ذات البين، واحتلّ بظاهر غرناطة، في بعض هذه الغزوات، فنزل بقرية إسقطمر من مرجها، واحتفل السلطان، ﵀، في برّه، وأجزل نزله، وتوجيه ولده إليه. وذكر سيرته شاعرهم أبو فارس عزّوز في أرجوزته، فقال:
سيرة يعقوب بن عبد الحقّقد حاز فيها قصبات السّبق
بغيتان، يقرأ الكتابوتذكّر العلوم والآداب
يقوم للكتاب ثلث الليلوما له عن ورده من سبيل
حتى إذا الصباح لاح وارتفعقام وصلّى للإله وركع
وضجّ بالتّسبيح والتّقديسحتى يتمّ الحزب في التّغليس
يقرأ أولا كتاب السّيروالقصص الآتي بكلّ خبر
ثم فتوح الشّام باجتهادوبعده المشهور بالإنجاد
سؤاله تعجز عنه الطّلبهومن لديه من أجلّ الكتبه
يعقد الكتب إلى وقت الضّحىثم يصلّيها كفعل الصّلحا
ويأمر الكتّاب بالأوامرفي باطن من سرّه وظاهر
ويدخل الأشياخ من مرينللرأي والتدبير والتّزيين
مجلسه ليس به فجورولا فتى في قوله يجور
كأنهم مثل النجوم الزّهروبينهم يعقوب مثل البدر
قد أسبر الوقار والسكينهوحلّ في مكانة مكينه
حتى إذا ما جاز وقت الظهرقام إلى بيت للنّدى والفخر
يبقى إلى وقت صلاة العصريأتي إلى بيت العلى والأمر
وينصف المظلوم ممن ظلمهولم يزل إلى صلاة العتمه
ثم يؤمّ بيتة الكريماويترك الوزير والخديما
ثم ينام تارة، وتارةيدبّر الأمور بالإداره
ما إن ينام الليل إلّا ساهراينوي الجهاد باطنا وظاهرا
فهل سمعتم مثل هذه السّيرهوهذه المآثر الأثيره
لملك كان من الملوكأو مالك في الدهر أو مملوك
كذاك كان فعله قديمابذاك نال الملك والتّعظيما
ومن الرّجز المسمى بقطع السّلوك من تأليفنا، في ذكره، قولي:
تبوّا هذا الأمر عبد الحقّأكرم من نال العلى بحقّ
واستخلص الملك بحدّ المرهفلسن مجد عظيم الشرف
وكان سلطانا عظيم الجودوصدقت رؤياه في الوجود
فأعلى الأيام نور سعدهونالها أبناؤه من بعده
عثمان ثم بعده محمدثم أبو يحيى الحمام الأسعد
تمهّد الملك له لما هلكوسلك السّعد به حيث سلك
وفتحت فاس على يديهوالملك العليّ حلّه لديه
وكان ذا فضل وهدى وورعقد رسم الملك فيهم واخترع
ثم أتت وفاته المشهورهفولّي المنصور تلك الصّوره
وهو أبو يوسف غلّاب العداوواحد الأملاك بأسا وندى
ممهّد الملك وموري الزّندوباسط العدل ومولي الرّفد
مدّت إلى نصرته الأكفّوالروم في العدوان لا تكفّ
فاقتحم البحر سريعا وعبرودافع الأعداء فيها وصبر
ووقعت في عهده أموروفتنة ضاقت لها الصّدور
وآلت الحال إلى التئامفما أضيعت حرمة الإسلام
حتى إذا الله إليه قبضهقام ابنه يوسف فيها عوضه
وفاته: توفي في شهر المحرم عام خمسة وثمانين وستمائة، بالجزيرة الخضراء ودفن بها. ثم احتمل بعد إلى سلا، فدفن بالجبانة المعروفة هنالك لملوك من بني مرين. ومحلّ هذا السلطان في الملوك المجاهدين المرابطين معروف، تغمّده الله برحمته.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع