من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
يحيى بن محمد بن يوسف الأنصاري
يكنى أبا بكر، ويعرف بابن الصّيرفي، من أهل غرناطة.
حاله: كان نسيج وحده في البلاغة والجزالة، والتّبريز في أسلوب التاريخ، والتملؤ من الأدب، والمعرفة باللغة والخبر. قال أبو القاسم: من أهل المعرفة بالأدب والعربية والفقه والتاريخ، ومن الكتاب المجيدين والشعراء المطبوعين المكثرين. كتب بغرناطة عن الأمير أبي محمد تاشفين، وله فيه نظم حسن.
مشيخته: قرأ على شيوخ بلده، وأخذ عن العالم الحافظ أبي بكر بن العربي ونمطه.
تواليفه: ألّف في تاريخ الأندلس كتابا سماه «الأنوار الجلية، في أخبار الدولة المرابطيّة» ضمّنه العجاب إلى سنة ثلاثين وخمسمائة. ثم وصله إلى قرب وفاته، وكتابا آخر سمّاه «تقصّي الأنباء وسياسة الرؤساء».
شعره: قال: أنشدت الأمير تاشفين في هلاك ابن رذمير:
أشكو الغليل بحيث المشرب الخضرحسبي وإلّا فورد ما له صدر
تجهّمت لي وجوه الصبر منكرةولا حظتني عيون حشوها حذر
إني لأجزع من ذاك الوعيد وفيملقى الأسنّة منّا معشر صبروا
فلّت سلاحي الليالي أيّ ظالمةولو أعادت شبابي كنت أنتصر
مشيّعا كنت ما استصحبت من أملكما يشيّع سهم النّازع الوتر
فها أنا وعزيز في نامسةتسود في عينه الأوضاح والغرر
يا حيّ عذرة، فتياكم بنازلةلم تنفصل يمن عنها ولا مضر
ما الحكم عندكم إذ نحن في حرمعلى جناية رام سهمه النّظر
أرعاني الشّهب في أحشاء ليلتهاحمل من الصّبح أرجوه وأنتظر
يفترّ عن برد من حوله لهبأو عن نبات أقاح أرضه سقر
وبين أجفانه نهيف الأمير أبيمحمد تاشفين أو هو القدر
سيف به ثلّ عرش الروم واطّادتقواعد الملك واستولى به الظّفر
وأدرك الدين بالثّأر المنيم علىرغم وجاءت صروف الدهر تعتذر
منى تنال وأيام مفضّضةمذهبات العشايا ليلها سحر
وفي الذّؤابة من صنهاجة ملكأغرّ أبلج يستسقى به المطر
مؤيد من أمير المسلمين له هوىورأي ومن سير له سير
أنحى على الجور يمحو رسم أحرفهحتى استجار بأحداق المهى الحور
يا تاشفين، أما تنفكّ بادرةمن راحتيك المنايا الحمر تبتدر؟
وكم ترنّح في روض جداولهبيض السيوف وملتفّ للقنا شجر
هي التّرايك فوق الهام لا حببوالسّابغات على الأعطاف لا القدر
لك الكتائب ملء البيد غازيةإذا أتت زمر منها مضت زمر
على ساكبها للنّقع أردية منتحتها جلّق من تحتها زبر
تدبّ منها إلى الأعداء سابلةعقارب ما لها إلّا القنا إبر
بعثتها أسدا شتّى إذا مرجتجنّ الوغا انقضّ منها أنجم زهر
يا أيها الملك الأعلى الذي سجدتلسيفه الهام في الهيجاء والقصر
أعر حرار ضلوعي برد ما نهلتخيل الزّبير ونار الحرب تستعر
حيث الغبار دخان والظّبا لهبوالأسنّة في هام العدا شرر
والنّقع يطفو وبيض الهند راسيةإن الصواعق يوم الغيم تنكدر
أعطى الزبير فتى العلياء صارمهلكن بسعدك ما لم يعطه عمر
ولّته أظهرها الأبطال خاضعةتكبو وتصفعها الهنديّة البتر
بحر من الخلق المسرود ملتطميسيل من كل سيف نحوه نصر
أمّ ابن الزبير ابن رذمير بداهيةعضّت ومسّك من أظفاره ظفر
لقد نفحت من التّيجان في محموأين من فتكات الضّيغم النّمر؟
لقد نجوت طليق الركض في وهنمن الأسنّة حتى جاءك القدر
خلعت درعا واعتضت الظّلام بهاوخاض بحر الوغا مركوبك الخطر
ومنها:
ما بال إنجيلك المتروك ما ذمرتنفوس قومك منه الآي والسّور
أهديتها غير مشكور مضمّرةملء الأعنّة منها الزّهو والأسر
وظلّ طفل من البولاد دانيةسمراء ترضعه اللبّات والثّغر
وعابس للمنايا وهي ضاحكةمن خدّه بثغور زانها أشر
وكل حارسة في الرّوع لابسهامنسوجة من عيون ما لها نظر
أعدت للحرب إنذارا سخوت بهاعلى الرّجال التي منها لها وزر
قضتك من حمير صيد غطارفةفضّ الرجاحة عوص الدهر ينحبر
ملثّمون حياء كلّما سفرت لهموجوه المنايا في الوغا سفروا
جادوا بطعن كأسماع المحاصإلى ضرب كما فغرت أفواهها الحمر
وحدت عنها محيّا مروّعةفضت بما مجّ في أحشائك الذّعر
فرّت إلى حتفها من حتفها فمضتوالموت يطردها والموت ينتظر
قالوا: نجا بذماء النّفس منك فمانجا وقد بقرته الحيّة الذّكر
توزّعت نفسا على حشيّتهامن للوساوس يحدو جيشها السّهر؟
نصر عزيز وفتح ليس يعدلهفتح ولله فيه الحمد والشكر
فاهنأ به ابن أمير المسلمين ودمللملك ما قامت الآصال والبكر
واهنأ بعيدك وافخر شانئيك بهفإنّها نسك الأسياف لا الجزر
جاورت بحرك تغشاني مواهبهفمن بذاك ونظمي هذه الدّرر
وأنشد أيضا من شعره قوله، رحمة الله عليه:
ركبت خيلها جيوش الضّلالوسرت من رماحها بذبال
ملقيات دروعها لا لوقتفيه تنضو الجلود رقش الصّلال
حثّ في إثرها الأمير بعقبان جياد هوت بأسد رجال
في صقيل البريك تحدث للشمس بعكس الشّعاع حمّى اشتعال
لاث بالريح عمّة من غبارومشى للحديد في أذيال
كلّما جرّها على الصّلد أبقتكخطوط الصّلال فوق الرمال
لبست أمرها على الرّوم حتىفجئتها كعادة الآجال
أبدلت هامها قصار قدودبطوال من الرّماح الطوال
والذي فرّ عن سيوفك أودىبقنا الرّعب في ثنايا الجبال
كنت فيها وأنت في كل حربمغمد النّصل في طلى الأبطال
يطلع البدر منك حاجب شمسويرى الليث في إهاب هلال
يا لصنهاجة وحولك منهمخير جيش عليهم خير وال
ملك ليس يركب الدهر إلّاكلّ عالي الركاب عالي القذال
ما عرا الجدب أو علاه الخطبسال غيثا ولاح بدر كمال
وحفيف على أمور خفافوثقيل على أمور ثقال
لاعب المعطفين بالحمد زهواشيمة الرّمح هزّة في اعتدال
مسترقّ النفوس خوفا وحسناإنما السيف هيبة في جمال
شيم كالغمام ينشر في الروض بأندابه صغار اللّآل
وسجايا تفتّحت زهراتوخلال تسدّ كل اختلال
أنت يا تاشفين والله واقلك شخص العلا ونفس الكمال
ليس آمال من على الأرض إلّاأن ترى وأنت غاية الآمال
وهنيّا بأن نهضت وأقبلت عزيز النّهوض والإقبال
وعلى الكفر منك حرّ مجيروعلى الدّين منك برد ظلال
يا فتى والزمان نعمى وبؤسشرّ حال أفضت إلى خير حال
وبما تجزع النفوس من الأمر له فرجة كحلّ العقال
ربّ أشياء ليس يبلغ منهاكنه ما في النّفوس بالأقوال
غير أن الكلام إن جلّ قدراوعلا كنت فوقه في الفعال
ومن شعره، وقد بيّت العدوّ محلّة الأمير تاشفين، ويذكر حسن ثباته، وقد أسلمه قومه، وهي من القصائد المفيدة، المبدية في الإحسان المعيدة:
يا أيها الملك الذي يتقنّعمن منكم البطل الهمام الأروع؟
ومن الذي غدر العدوّ به دجىفانفضّ كلّ وهو لا يتزعزع؟
تمضي الفوارس والطعان يصدّهاعنه ويزجرها الوفاء فترجع
والليل من وضح التّرائك والظّباصبح على هام الكماة ممنّع
عن أربعين ثنت أعنّتها دجىألفان ألف حاسر ومقنّع
لولا رجال كالجبال تعرّضتما كان ذاك السيل مما يردع
يتقحّمون على الرماح كأنهمإبل عطاش والأسنة تكرع
ومن الدّجى لهم على قمم الرّبىوذؤابة بين الظّبا تتقطّع
نصرت ظلام الكفر ظلمة ليلةلم يدر فيها الفجر أين المطلع
لولا ثبوتك تاشفين لغادرتأخرى الليالي وهيبة لا ترقع
فثبتّ والأقدام تزلق والرّدىحول السّرادق والأسنّة تقرع
لا تعظمنّ على الأمير فإنهاخدع الحروب وكل حرب تخدع
ولكل يوم حنكة وتمرّسوتجارب في مثل نفسك تنجع
يا أشجع الشجعان ليلة أمسهاليوم أنت على التجارب أشجع
أهديك من أدب الوغا حكما بهاكانت ملوك الحرب مثلك تولع
لا أنّني أدرى بها لكنهاذكرى تخصّ المؤمنين وتنفع
اختر من الخلق المضاعفة التيوصّى بها صنع السّوابغ تبّع
والهند وانى للرفيق فإنهأمضى على حلق الدلاص وأقطع
ومن الرواجل ما إذا زعزعتهأعطاك هزّة معطفيه الأشجع
ومن الجياد الجرد كلّ مضمّرتشجى بأربعه الرياح الأربع
والصّمّة البطل الذي لا يلتويمنه الصّليب ولا يلين الأخدع
وكذاك قدر في العدو حزامةفالنّبع بالنّبع المثقّف يقرع
خندق عليك إذا اضطربت محلّةسيّان تتبع ظافرا أو تتبع
واجعل ببابك في الثّقات ومن لهقلب على هول الحروب مشيّع
وتوقّ من كذب الطلائع إنّهلا رأي للمكذوب فيما يصنع
فإذا احترست بذاك لم يك للعدافي فرصة أو في انتهاز مطمع
حارب بمن يخشى عقابك بالذييخشى ومن في جود كفّك يطمع
قبل التّناوش عبّ جيشك مفحصاحيث التمكّن والمجال الأوسع
إياك تعبئة الجيوش مضيّقاوالخيل تفحص بالرجال وتمرع
حصّن حواشيها وكن في قلبهاواجعل أمامك منهم من يشجع
والبس لبوسا لا يكون مشهّرافيكون نحوك للعدوّ تطلّع
واحتل لتوقع في مضايقة الوغىخدعا ترويها وأنت موسّع
واحذر كمين الرّوم عند لقائهاواخفض كمينك خلفها إذ تدفع
لا تبقين النهر خلفك عندماتلقى العدوّ فأمره متوقّع
واجعل مناجزة العدوّ عشيّةووراءك الصدف الذي هو أمنع
واصدمه أول وهلة لا ترتدعبعد التقدم فالنّكول يضعضع
وإذا تكاثفت الرجال بمعركضنك فأطراف الرّماح توسع
حتى إذا استعصت عليك ولم يكنإلّا شماس دائم وتمنّع
ورأيت نار الحرب تضرم بالظّباودخانها فوق الأسنّة يسطع
ومضت تؤذّن بالصّميل جيادهاوالهام تسجد والصّوارم تركع
والرمح يثني معطفيه كأنهفي الرّاح لا علق الفوارس يكرع
والريح تنشأ سجسجا هفّافةوهي السّكينة عن يمينك توضع
أقص الكمين على العدوّ فإنهيعطيك من أكتافه ما يمنع
وإذا هزمت عداك فاحذر كرّهاواضرب وجوه كماتها إذ ترجع
وهي الحروب قوى النّفوس وحزبهامن قوّة الأبدان فيها أنفع
ثم انتهض بجميع من أحمدتهحتى يكون لك المحلّ الأرفع
وبذاك تعتب إن تولّت عصبةكانت ترفّه للوغى وترفّع
من معشر إعراض وجهك عنهمفعل الجميل وسخطك المتوقّع
يكبو الجواد وكل حبر عالميهفو وتنبو المرهفات القطّع
أنّى قرعتم يا بني صنهاجةوإليكم في الرّوع كان المفزع؟
ما أنتم إلّا أسود خفيّةكلّ بكلّ عظيمة تستطلع
ما بال سيدكم تورّط؟ لم يكنلكم التفات نحوه وتجمّع
إنسان عين لم يصبه منكمجفن وقلب أسلمته الأضلع
تلك التي جرّت عليكم خطّةشنعاء وهي على رجال أشنع
أو ما ليوسف جدّه منن علىكلّ وفضل سابق لا يدفع؟
أو ما لوالده عليّ نعمةوبكل جيد ربقة لا تخلع؟
ولكم بمجلس تاشفين كرامةوشفيعكم فيما يشاء مشفّع
ألا رعيتم ذاك وأحسابكموأنفتم من قالة تستشنع
أبطأتم عن تاشفين ولم يزلإحسانه لجميعكم يتسرّع
ردّت مكارمه لكم وتوطّأتأكنافه إنّ الكريم سميدع
خاف العدى لكن عليكم مشفقافهجعتم وجفونه لا تهجع
ومن العجائب أنه مع سنّهأدرى وأشهر في الخطوب وأضلع
ولقد عفا والعفو منه سجيّةولسطوة لو شاء فيكم موضع
يا تاشفين، أقم لجيشك عذرهفالليل والقدر الذي لا يدفع
هجم العدوّ دجى فروّع مقبلاومضى يهينم وهو منك مروّع
لا يزدهي إلّا سواك بها ولاإلّا لغيرك بالسّنان يقنّع
لمّا سددت له الثّنيّة لم يكنإلّا على ظهر المنيّة مهيع
وكذاك للعيرات إقدام علىأسد العرين الورد ممّا يجزع
ولقد تقفّاها الزبير وقد نجتإلّا فلولا إنّ منه المصرع
وغدا يعاقب والنفوس حميّةوالسّمر هيم والصّوارم جوّع
أعطش سلاحك ثم أوردها الوغاكيما يلذّ لها ويصفو المشرع
كم وقعة لك في ديارهم انثنتعنها أعزّتها تذلّ وتخضع
النّعمة العظمى سلامتك التيفيها من الظّفر الرّضى والمقنع
لا ضيّع الرحمن سعيك إنهسعي به الإسلام ليس يضيّع
نستحفظ الرحمن منك وديعةفهو الحفيظ لكلّ ما يستودع
وفاته: بغرناطة في حدود السبعين وخمسمائة.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع