من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
يحيى بن أحمد بن هذيل التجيبي
يكنى أبا زكريا، شيخنا أبو زكريا بن هذيل، ﵀، أرجدوني الأصل، ينسب إلى سلفه أملاك ومعاهد كولابج هذيل، مما يدل على أصالة.
حاله: كان آخر حملة الفنون العقلية بالأندلس، وخاتمة العلماء بها، من طبّ وهندسة وهيئة وحساب وأصول وأدب، إلى إمتاع المحاضرة، وحسن المجالسة، وعموم الفائدة، وحسن العهد، وسلامة الصّدر، وحفظ الغيب، والبراءة من التصنّع والسّمت، مؤثرا للخمول، غير مبال بالناس، مشغولا بخاصّة نفسه.
خدم أخيرا باب السلطان بصناعة الطّب، وقعد بالمدرسة بغرناطة يقرئ الأصول والفرائض والطب.
عمن أخذ: قرأ على جملة من شيوخ وقته، كالأستاذ أبي بكر بن الفخار، أخذ عنه العربية والأدب. وقرأ الطب على أبي عبد الله الأركشي، وأبي زكريا القصري، وجملة من الإسلاميين بالعدوة. وقرأ كراسة الإمام فخر الدين الرازي، المسماة بالآيات البيّنات، على الأستاذ أبي القاسم بن جابر. ونظر الأصول على الأستاذ النظّار أبي القاسم بن الشّاط. وأخذ الحساب عن أبي الحسن بن راشد. والحساب والهندسة والأصول وكثيرا من عمليات الحساب وجبره ومقابلته والنجوم، على الأستاذ أبي عبد الله بن الرّقام، ولازمه كثيرا.
تواليفه: وله تصانيف وأوضاع منها، ديوان شعره المسمى بالسليمانيات والعربيات وتنشيط الكسل. ومنها شرحه لكرّاسة الفخر، وهو غريب المأخذ، جمع فيه بين طريقتي القدماء والمتأخرين من المنطقيين. وكتابه المسمى ب «الاختيار والاعتبار في الطّب». وكتابه المسمى ب «التذكرة في الطبّ».
شعره: وجرى ذكره في التاج المحلّى بما نصه: درّة بين الناس مغفلة، وخزانة على كل فائدة مقفلة، وهدية من الدهر الضّنين لبنيه محتفلة. أبدع من رتّب
التعاليم وعلّمها، وركّض في الألواح قلمها، وأتقن من صور الهيئة ومثّلها، وأسس قواعد البراهين وأثّلها، وأعرف من زاول شكاية، ودفع عن جسم نكاية، إلى غير ذلك من المشاركة في العلوم، والوصول من المجهول إلى المعلوم، والمحاضرة المستفزّة للحلوم، والدّعابة التي ما خلع العذار فيها بالملوم. فما شئت من نفس عذبة الشّيم، وأخلاق كالزهر من بعد الدّيم، ومحاضرة تتحف المجالس والمحاضر، ومذاكرة يروق النواظر زهرها الناضر. وله أدب ذهب في الإجادة كل مذهب، وارتدى من البلاغة بكل رداء مذهب، والأدب نقطة من حوضه، وزهرة من زهرات روضه، وسيمرّ له في هذا الديوان، ما يبهر العقول، ويحاسن بروائه ورائق بهائه الفرند المصقول.
فمن ذلك ما خرّجته من ديوان شعره المسمّى ب «السّليمانيات والعربيات » من النّسيب:
ألا استودع الرحمن بدرا مكمّلابفاس من الدرب الطويل مطالعه
وفي فلك الأزرار يطلع سعدهوفي أفق الأكباد تلفى مواقعه
يصيّر مرآه منجّم مقلتيفتصدق في قطع الرجاء قواطعه
تجسّم من نور الملاحة خدّهوماء الحيا فيه ترجرج مائعه
تلوّن كالحرباء في خجلاتهفيحمرّ قانيه ويبيضّ ناصعه
إذا اهتزّ غنّى حليه فوق نحرهكغصن النّقا غنّت عليه سواجعه
يذكر حتف الصّبّ عامل قدّهوتقطف من واو العذار توابعه
أعدّ الورى سيفا كسيف لحاظهفهذا هو الماضي وذاك يضارعه
ومن أخرى في النّسيب، وتضمّنت التّورية الحسنة:
وصالك هذا أم تحيّة بارق؟وهجرك أم ليل السّليم لتائق؟
أناديك والأشواق تركض حجرهابصفحة خدّي من دموع سوابق
أبارق ثغر من عذيب رضابهقضت مهجتي بين العذيب وبارق
ومنها»
فلا تتعبن ريح الصّبا في رسالةولا تخجل الطّيف الذي هو طارقي
متى طمعت عيني الكرى بعد بعدكمفإني في دعوى الهوى غير صادق
قوله: «أبارق ثغر من عذيب رضابه» ينظر إلى قول ابن النبيه في مثل ذلك:
يلوي على زرد العذار دلالهكم فتنة بين اللّوى وزرود
ومن قصيدة ثبتت في السليمانيات:
بدا بدر تمّ فوقه الليل عسعساوجنّة أنس في صباح تنفّسا
حوى النجم قرطا والدّراري مقلّداوأسبل من مسك الذوائب حندسا
كأنّ سنا الإصباح رام يزورناوخاف العيون الرامقات فغلّسا
أتى يحمل التوراة ظبيا مزنّرالطيف التثنّي أشنب الثّغر ألعسا
وقابل أحبار اليهود بوجههفبارك ربّي عليه وقدّسا
ومنها، وتماجن ما شاء، غفر الله له:
رويت ولوعي من ضلوعي مسلسلافأصبحت في علم الغرام مدرّسا
نفى النوم عني كي أكون مسهدافأصبحت في صيد الخيال مهندسا
غزال من الفردوس تسقيه أدمعيويأوي إلى قلبي مثيلا ومكنسا
طغى ورد خدّيه بجنّات صدغهفأضعفه بالآس نبتا وما أسا
قوله: طغى ورد خديه، البيت، محال على معنى فلاحي، إذ من أقوالهم: أنّ الآس، إذا اغترس بين شجر الورد، أضعفته بالخاصية.
وقال أيضا من قصيدة مهيارية:
نام طفل النّبت في حجر النّعامىلاهتزاز الطّلّ في مهد الخزامى
وسقى الوسميّ أغصان النّقافهوت تلثم أفواه النّدامى
كحّل الفجر لهم جفن الدّجىوغدا في وجنة الصّبح لثاما
تحسب البدر محيّا ثملقد سقته راحة الصبح مداما
حوله الزهر كؤوس قد غدتمسكة الليل عليهنّ ختاما
يا عليل الريح رفقا علّنيأشف بالسّقم الذي حزت سقاما
وابلغن شوقي عريبا باللّوىهمت في أرض بها حلّوا غراما
فرشوا فيها من الدّرّ حصىضربوا فيها من المسك خياما
كنت أشفي غلّة من صدّكملو أذنتم لجفوني أن تناما
واستفدت الرّوح من ريح الصّبالو أتت تحمل من سلمى سلاما
نشأت للصّبّ منها زفرةتسكب الدّمع على الرّبع سجاما
طرب البرق مع القلب بهاوبها الأنّات طارحن الحماما
طلل لا تستفي الأذن بهوهو للعينين قد ألقى كلاما
ترك السّاكن لي من وصلهضمّة الجدران لثما والتزاما
نزعات من سليمان بهافهم القلب معانيها فهاما
شادن يرعى حشاشات الحشاحسب حظّي منه أن أرعى الذّماما
وقال من قصيدة أولها في غرض النسيب:
أأرجو أمانا منك واللحظ غادرويثبت عقلي فيك والطّرف ساحر؟
أعدّ سليمان أليم عذابهلهدهد قلبي فهو للبين صائر
أشاهد منه الحسن في كل نظرةوناظر أفكاري بمغناه ناظر
دعت للهوى أنصار سحر جفونهفقلبي له عن طيب نفس مهاجر
إذا شقّ عن بدر الدّجى أفق زرّهفإني بتمويه العواذل كافر
وفي حرم السّلوان طافت خواطريوقلبي لما في وجنتيه مجاور
وقد ينزع القلب المبلّى لسلوةكما اهتزّ من قطر الغمامة طائر
يقابل أغراضي بضدّ مرادهاولم يدر أنّ الضّدّ للضّدّ قاهر
ونار اشتياقي صعّدت مزن أدمعيفمضمر سرّي فوق خدّي ظاهر
وقد كنت باكي العين والبين غائبفقل لي كيف الدمع والبين حاضر
وليس النّوى بالطبع مرّا وإنمالكثرة ما شقّت عليه المرائر
ومنها في وصف ليلة:
وزنجيّة فات الكؤوس بنحرهاقلائد ياقوت عليها الجواهر
ولا عيب فيها غير أنّ ذبالهايقطّب فتبدو للكؤوس سرائر
تجنّبت فيها نيل كل صغيرةوقد غفرت فيها لديّ الكبائر
ومن السّليمانيات من قصيدة:
يا بارقا، قاد الخيال فأومضااقصد بطيفك مدنفا قد غمّضا
ذاك الذي قد كنت تعهد نائمابالسّهد من بعد الأحبّة عوّضا
لا تحسبنّي معرضا عن طيفهلكن منامي عن جفوني أعرضا
عجب الوشاة لمهجتي أن لم تذبيوم النّوى وتشكّكت فيما مضى
ومنها:
خفيت لهم من سرّ صبري آيةما فهّمت إلّا سليمان الرّضا
لله درّك ناهجا سبل الهوىفلمثله أمر الهوى قد فوّضا
أمّنت نملا فوق خدّك سارحاوسللت سيفا من جفونك منتضى
ومن الأمداح قوله من قصيدة:
حريص على جرّ الذوائب والقناإذا كعّت الأبطال والجوّ عابس
وتعتنق الأبطال لولا سقوطهالقلت لتوديع أتته الفوارس
إذا اختطفتهم كفّه فسروجهممجال وهم في راحتيه فرائس
وقال يمدح السلطان أمير المسلمين أبا الوليد بن نصر عند قدومه من فتح أشكر من قصيدة أولها:
بحيث البنود الحمر والأسد الوردكتائب، سكّان السماء لها جند
وتحت لواء النصر ملك هو الورىتضيق به الدنيا إذا راح أو يغدو
تأمّنت الأرواح في ظلّ بندهكأنّ جناح الروح من فوقه بند
فلو رام إدراك النجوم لنالهاولو همّ لانقادت له السّند والهند
بعيني بحر النّقع تحت أسنّةتنمنمه وهنا كما نمنم البرد
سماء عجاج والأسنّة شهبهاووقع القنا رعد إذا برق الهند
وفي وصف آلة النّفط:
وظنّوا بأنّ الرعد والصّعق في السمافحاق بهم من دونها الصّعق والرعد
عجائب أشكال سما هرمس بهامهندمة تأتي الجبال فتنهدّ
ألا إنّها الدنيا تريك عجائباوما في القوى منها فلا بدّ أن يبدو
وكتب وهو معتقل بسبب عمل تولّاه جحدرية أولها:
تباعد عني منزل وحبيبوهاج اشتياقي والمزار قريب
وإني على قرب الحبيب مع النوىيكاد إذا اشتدّ الأنين يجيب
لقد بعدت عني ديار قريبةعجبت لجار الجنب وهو غريب
ومنها:
أعاشر قوما ما تقرّ نفوسهمفللهمّ فيها عند ذاك ضروب
إذا شعروا من جارهم بتأوّهأجابته منهم زفرة ونحيب
فلا ذاك يشكو همّ هذا تأسّفالكلّ امرئ مما دهاه نصيب
كأني في غاب الليوث مسلّمايروّعني منها الغداة وثوب
تحكّم فينا الدهر والعقل حاضربكلّ قياس والأديب أريب
ولو مال بالجهّال ميلته بنالجاء بعذر، إنّ ذا لعجيب
رفيق بمن لا ينثني عن جريمةبطوش بمن ما أوبقته ذنوب
وتطمعنا منه بوارق خلّبنقول: عساه يرعوي ويتوب
إذا ما تشبّثنا بأذيال بردهدهتنا إذا جرّ الذيول خطوب
أدار علينا صولجانا ولم يكنسوى أنه بالحادثات لعوب
ومنها:
أيا دهر، إني قد سئمت تهدّفيأجرني فإنّ السّهم منك مصيب
إذا خفق البرق الطروق أجابهفؤادي ودمع المقلتين سكوب
وإن طلع الكفّ الخضيب بسحرهفدمعي بحنّاء الدماء خضيب
تذكّرني الأسحار دارا ألفتهافيشتدّ حزني والحمام طروب
إذا علقت نفسي بليت وربماتكاد تفيض أو تكاد تذوب
دعوتك ربّي والدعاء ضراعةوأنت تناجى بالدعا فتجيب
لئن كان عقبى الصبر فوزا وغبطةفإني على الصبر الجميل دروب
وبعثت إليه هدية من البادية، فقال يصف منها ديكا، وكتب بذلك، رحمة الله عليه:
أيا صديقا جعلته سندافراح فيما أحبّه وغدا
طلبت منكم صريدكا خنثاوجّهتموني مكانه لبدا
صيّر مني مؤرخا ولكمظللت في علمه من البلدا
قلت له: آدم أتعرفه؟قال: حفيدي بعصرنا ولدا
نوح وطوفانه رأيتهما؟قال: علونا لفيضه أحدا
فقلت: هل لي بجرهم خبر؟فقال: قومي وجيرتي السّعدا
فقلت: قحطان هل مررت به؟قال: نفثنا ببرده العقدا
فقلت: صف لي سبا وساكنهافعند هذا تنفّس الصّعدا
وقال: كم لي بدجنهم سحرامن صرخة لي وللنؤوم هدا
فقلت: هاروت هل سمعت به؟فقال: ريشي لسحره نفدا
فقلت: كسرى وآل شرعته؟فقال: كنّا بجيشه وفدا
ولّوا وصاروا وها أنا لبد؟فهل رأيتم من فوقهم أحدا؟
ديك إذا ما انثنى لفكرتهرأى وجودا طرائقا قددا
يرفل في طيلسانه ولهاقد صيّر الدهر لونه كمدا
إذا دجا الليل غاب هيكلهكأنّ حبرا عليه قد جمدا
كأنما جلّنار لحيتهبرجان حازا عن الهواء مدا
كأنّ حصنا علا بهامتهأعدّه للقتال فيه عدا
يرنو بياقوتتي لواحظهكأنما اللحظ منه قد رمدا
كأنّ منجالتي ذؤابتهقوس سماء من أجله بعدا
وعوسج مدّ من مخالبهطغى بها في نقاره وعدا
فذاك ديك جلّت محاسنهله صراخ بين الدّيوك غدا
يطلبني بالذي فعلت بهفكم فللنا بلبّتيه مدى
وجّهته محنة لآكلهوالله ما كان ذاك منّي سدى
ولم نزل بعد نستعدي عليه بإقراره بقتله، ونطلبه بالقود عند تصرفه في العمل، فيوجه الدّيّة لنا في ذلك رسائل.
ومن شعره في غرض الحسن بن هانىء:
طرقنا ديور القوم وهنا وتغليساوقد شرّفوا الناسوت إذ عبدوا عيسى
وقد رفعوا الإنجيل فوق رؤوسهموقد قدّسوا الروح المقدّس تقديسا
فما استيقظوا إلّا لصكّة بابهمفأدهش رهبانا وروّع قسّيسا
وقام بها البطريق يسعى ملبّياوقد ليّن الناقوس رفقا وتأنيسا
فقلنا له: آمنّا فإنّا عصابةأتينا لتثليث وإن شئت تسديسا
وما قصدنا إلّا الكؤوس وإنمالحنّا له في القول خبثا وتدليسا
ففتّحت الأبواب بالرحب منهموعرّس طلاب المدامة تعريسا
فلما رأى زقّي أمامي ومزهريدعاني: أتأنيسا لحنت وتلبيسا؟
وقام إلى دنّ يفضّ ختامهفكبّس أجرام الغياهب تكبيسا
وطاف بها رطب البنان مزنّرفأبصرت عبدا صيّر الحرّ مرءوسا
سلافا حواها القار لبسا فخلتهامثالا من الياقوت في الحبر مغموسا
إلى أن سطا بالقوم سلطان نومهمورأس قتيل الشمع نكّس تنكيسا
وثبت إليه بالعناق فقال لي:بحقّ الهوى هب لي من الضّمّ تنفيسا
كتبت بدمع العين صفحة خدّهفطلّس حبر الشعر كتبي تطليسا
فبئس الذي احتلنا وكدنا عليهموبئس الذي قد أضمروا قبل ذا بيسا
فبتنا يرانا الله شرّ عصابةنطيع بعصيان الشريعة إبليسا
وقال بديهة في غزالة من النحاس على بركة في محل طلب منه ذلك فيه:
عنّت لنا من وحش وجرة ظبيةجاءت لورد الماء ملء عنانها
وأظنّها إذا حدّدت آذانهاريعت بنا فتوقفت بمكانها
حيّت بقرني رأسها إذ لم نجديوم اللقاء تحية ببنانها
حنّت على النّدمان من إفلاسهمفرمت قضيب لجينها لحنانها
لله درء غزالة أبدت لنادرّ الحباب تصوغه بلسانها
وفاته: فلج فالتزم المنزل عندي لمكان فضله، ووجوب حقّه، وقد كانت زوجه توفيت، وصحبه عليها وجد شديد، وحزن ملازم، فلمّا ثقل، وقربت وفاته، استدعاني، وقد كان لسانه لا يبين القول، وأملى عليّ فيما وصاني به من مهم أمره:
إذا متّ فادفنّي حذاء حليلتييخالط عظمي في التّراب عظامها
ولا تدفننّي في البقيع فإنّنيأريد إلى يوم الحساب التزامها
ورتّب ضريحي كيفما شاء الهوىتكون أمامي أو أكون أمامها
لعل إله العرش يجبر صدعتيفيعلي مقامي عنده ومقامها
وفاته: ومات في ليلة الخامس والعشرين من عام ثلاثة وخمسين وسبعمائة، ودفنته عصره بباب إلبيرة حذاء حليلته كما عهد، رحمة الله عليه.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع