من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
يحيى بن بقي
من أهل وادي آش.
حاله: بارع الأدب، سيّال القريحة، كثير الشعر جيّده في جميع أنواعه. وكان مع ذلك موصوفا بغفلة.
شعره:
بأبي غزال غازلته مقلتيبين العذيب وبين شطّي بارق
وسألت منه قبلة تشفي الجوىفأجابني عنها بوعد صادق
وأتيت منزله وقد هجع العداأسري إليه كالخيال الطّارق
بتنا ونحن من الدّجى في لجّةومن النجوم الزّهر تحت سرادق
عاطيته والليل يسحب ذيلهصهباء كالمسك العتيق لناشق
حتى إذا مالت به سنة الكرىباعدته شيئا وكان معانقي
أبعدته من أضلع تشتاقهكي لا ينام على وساد خافق
وضممته ضمّ الكميّ لسيفهوذؤابتاه حمائل في عاتقي
لمّا رأيت الليل ولّى عمرهقد شاب في لمم له ومفارق
ودّعت من أهوى وقلت تأسّفا:أعزز عليّ بأن أراك مفارقي
وفاته: توفي بمدينة وادي آش سنة أربعين وخمسمائة.
يحيى بن عبد الجليل بن عبد الرحمن بن مجبر الفهري
فرتشي، وقال صفوان: إنه بلّشي، يكنى أبا بكر.
حاله: قال ابن عبد الملك: كان في وقته شاعر المغرب، لم يكن يجري أحد مجراه من فحول الشعراء. يعترف له بذلك أكابر الأدباء، وتشهد له بقوة عارضته وسلامة طبعه قصائده التي صارت مثالا، وبعدت على قربها منالا. وشعره كثير مدوّن، ويشتمل على أكثر من سبعة آلاف بيت وأربعمائة بيت. امتدح الأمراء والرؤساء، وكتب عن بعضهم، وحظي عندهم حظوة تامة، واتصل بالأمير أبي عبد الله بن سعد، وله فيه أمداح كثيرة. وبعد موته انتقل إلى إشبيلية، وبملازمته للأمير المذكور، وكونه في جملته، استحقّ الذكر فيمن حلّ بغرناطة. ومن أثرته لدى ملوك مراكش، أنه أنشد يوسف بن عبد المؤمن يهنّئه بفتح من قصيدة:
إنّ خير الفتوح ما جاء عفوامثل ما يخطب البليغ ارتجالا
قالوا: وكان أبو العباس الجراوي الأعمى الشاعر حاضرا، فقطع عليه؛ لحسادة وجدها، فقال: يا سيدنا، اهتدم فيه بيت ابن وضّاح:
خير شراب ما جاء عفواكأنه خطبة ارتجالا
فبدر المنصور، وهو حينئذ وزير أبيه، وسنّه في حدود العشرين من عمره، فقال: إن كان قد اهتدمه، فقد استحقّه لنقله إياه من معنى خسيس إلى معنى شريف، فسرّ أبوه لجوابه، وعجب منه الحاضرون.
ومرّ المنصور أيام إمرته بأونبة من أرض شلب، ووقف على قبر أبي محمد بن حزم، وقال: عجبا لهذا الموضع، يخرج منه مثل هذا العالم. ثم قال: كلّ
العلماء عيال على ابن حزم. ثم رفع رأسه، وقال: كما أنّ الشعراء عيال عليك يا أبا بكر، يخاطب ابن مجير.
شعره: من شعره يصف الخيل العتاق من قصيدة في مدح المنصور»
له خطّت الخيل العتاق كأنهانشاوى تهادت تطلب العزف والقصفا
عرائس أغنتها الحجول عن الحلىفلم تبغ خلخالا ولا التمست وقفا
فمن يقق كالطّرس تحسب أنهوإن جرّدوه في ملاءته التفّا
وأبلق أعطى الليل نصف إهابهوغار عليه الصبح فاحتبس النّصفا
وورد تغشّى جلده شفق الدّجىفإذا حازه حلّى له الذّيل والعرفا
وأشقر مجّ الراح صرفا أديمهوأصفر لم يسمح بها جلده صرفا
وأشهب فضّيّ الأديم مدنّرعليه خطوط غير مفهمة حرفا
كما خطر الزاهي بمهرق كاتبيجرّ عليه ذيله وهو ما جفّا
تهبّ على الأعداء منها عواصفستنسف أرض المشركين بها نسفا
ترى كلّ طرف كالغزال فتمتريأظبيا ترى تحت العجاجة أم طرفا؟
وقد كان في البيداء يألف سربهفربّته مهرا وهي تحسبه خشفا
تناوله لفظ الجواد لأنهمتى ما أردت الجري أعطاكه ضعفا
ولمّا اتخذ المنصور ستارة المقصورة بجامعه، وكانت مدبرة على انتصابها إذا استقرّ المنصور ووزراؤه بمصلّاه، واختفائها إذا انفصلوا عنها، أنشد في ذلك الشعراء، فقال ابن مجبر من قصيدة أولها:
أعلمتني ألقي عصا التّسيارفي بلدة ليست بدار قرار
ومنها في وصف المقصورة:
طورا تكون بمن حوته محيطةفكأنها سور من الأسوار
وتكون حينا عنهم مخبوّةفكأنها سرّ من الأسرار
وكأنما علمت مقادير الورىفتصرّفت لهم على مقدار
فإذا أحسّت بالإمام يزورهافي قومه قامت إلى الزّوّار
ويكفي من شعر ابن مجبر هذا القدر العجيب، ﵀.
من روى عنه: حدّث عنه أبو بكر محمد بن محمد بن جمهور، وأبو الحسن بن الفضل، وأبو عبد الله بن عيّاش، وأبو علي الشّلوبين، وأبو القاسم بن أحمد بن حسان، وأبو المتوكل الهيثم، وجماعة.
وفاته: توفي بمراكش سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، وسنّه ثلاث وخمسون سنة.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع