من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
يوسف بن علي الطرطوشي، يكنى أبا الحجاج
حاله: من «العائد»: كان، ﵀، من أهل الفضل والتواضع، وحسن العشرة، مليح الدّعابة، عذب الفكاهة، مدلّا على الأدب جدّه وهزله، حسن الخط، سلس الكتابة، جيّد الشعر، له مشاركة في الفقه وقيام على الفرائض. كتب بالدار السلطانية، وامتدح الملوك بها، ثم توجّه إلى العدوة، فصحب خطة القضاء عمره، مشكور السيرة، محفوفا بالمبرّة.
وجرى ذكره في «الإكليل» بما نصّه: روض أدب لا تعرف الذّواء أزهاره، ومجموع فضل لا تخفى آثاره، كان في فنون الأدب مطلق الأعنّة، وفي معاركه ماضي الظّبا والأسنّة. فإن هزل، وإلى تلك الطريقة اعتزل، أبرم من الغزل ما غزل، وبذل من دنان راحته ما بذل. وإن صرف إلى المعرب غرب لسانه، وأعاره لمحة من إحسانه، أطاعه عاصيه، واستجمعت لديه أقاصيه. ورد على الحضرة الأندلسية والدنيا شابّة، وريح القبول هابّة، فاجتلى محاسن أوطانها، وكتب عن سلطانها. ثم كرّ إلى وطنه»
وعطف، وأسرع اللحاق كالبارق إذا خطف. وتوفي عن سنّ عالية، وبرود من العمر بالية.
ومن شعره أيام حلوله بهذه البلاد، قوله يمدح الوزير ابن الحكيم، ويلمّ بذكر السّلم في أيامه:
رضاكم إن مننتم خير مرهوبوما سوى هجركم عندي بموهوب
لكم كما شئتم العتبى وعتبكممقابل الرضى من غير تثريب
منوا بلحظ رضى لي ساعة فعسىأنال منه لدهري طبّ مطبوب
فكم أثارت لي الأيام وابتسمتثغور سعدي بتقريب فتقريب
قد كنّ بيضا رعابيبا بقربكموالآن يوصفن بالسّود الغرابيب
آها لدهر تقضّى لي بباكممرتّب للأماني أيّ ترتيب
ما كان إلّا كأحلام سررت بهافواصلت حال تقويض بتطنيب
يا ليت شعري هل تقضى بعودتهفأقدر الحسن منه بعد تجريب؟
ومنها:
يا أيها السيد الأعلى الذي يدهحازت ندى السّحب مسكوبا بمسكوب
فلو سألنا بلاد الله عن كرمفيها لكفّيه والأنواء منسوب
لقلن: إن كان جود لا يضاف لذي الوزارتين فجود غير محسوب
فالعود جنس ولكن في إضافتهللهند يختصّ عود الهند بالطّيب
من سيّد لا يوفّي الحمد واجبهولو تواصل مكتوبا بمكتوب
له المحامد لا تحصى ولا عجبفرمل عالج شيّ غير محسوب
تناول الشّرف الأقصى بعزمة ذيظنّ نبيل الأماني غير مكذوب
وواصل المجد من آياته شرفابمجده وصل أنبوب بأنبوب
وجاء مكتسبا أعلى ذخائرهوالمجد ما بين موروث ومكسوب
ردء الخليفة لا يرتاح من نصبفي بذل نصح لحفظ قائم منصوب
موفّق الرأي مأمون النّقيبة فيتدبير ذي حنكة صحّت وتدريب
تهابه النفس إذ ترجوه من شرففشأنه بين مرهوب ومرغوب
ومنها:
يا أوحد العصر في فضل وفي كرمخصال قاطع دهر في التّجاريب
أعد فديت لأمري منعما نظراينل به همّ حالي بعض تشبيب
لولا ارتكاب حسود الأمر في ضرريما كان ظهر النّوى عندي بمركوب
هذا زماني ومنك الأمن حاربنيحتى أراني في حالات محروب
فامنن بتفريج كربي بالرضا فإذارضيت لم أك من شيء بمكروب
إن لم أذق من رضاكم ما ألذّ بهفلا حياة بمأكول ومشروب
ومن شعره:
بذكرك تشرح آي العلاوتسند أخباره في الصحيح
بأفقك يشرق بدر السّناوباسمك يحسن نظم المديح
وما يحسن العقد إلّا إذاتحلّت به ذات وجه مليح
وفاته: كان حيّا عام أحد وأربعين وسبعمائة.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع