من «أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
عود إلى الرد على بيتي الزمخشري
ولنرجع إلى ما كنا فيه من ذكر الرد على البيتين اللذين أنشد الزمخشري فنقول: ومن ذلك قول الإمام ابن عاصم، حسبما نقله عنه العبدري رحمهما الله:
قل للذي سمى الهداة أولى النهىحمراً لأن سلب الهدى والمعرفة
فغدا يرجع الاعتزال جهالةًويروقه زور وشاة وزخرفه
الحق أبلج واضح لكنهيعشى عيون أولى الضلالة والسفه
اخسأ فقولك طائح كهباءةٍطاحت بها هوج الرياح المعصفه
سوغت ذم جماعة سنيةٍقد أحرزوا من كل فضل أشرفه
قطفوا أزهار كل علم نافعٍوأتوا بكل بديعةٍ مستطرفة
قوم هم قمعوا الضلال وحزبهبمعاولٍ حكت المواضي المرهفة
هم شيعة الحق الذي ما بعدهإلاّ مهاوٍ في الضلالة متلفه
آراؤهم يجلو البصائر نورهاويميط أدواء القلوب المدنفه
أقصر فإن شقاقهم كفر فلاتدع الرشاد لعصبةٍ متعسفة
من شذ عن سنن الجماعة قد غوىجاءت بذا الكتب الصحاح معروفة
قال العبدري وقد نظم في مثل هذا القاضي أبو حفص بن عمر، فقال:
أجعلتم العلماء حمراً موكفههذا لأنكم أو لو تلك الصفة
أجعلتم صفة الأله وفعلهونسبتموه لغيره بالزخرفه
وأردتم تنزيهه فوقعتمفي الشرك والإلحاد والأمر السفه
خالفتم سنن النبي وصحبهوتبعتم في الزيغ أهل الفلسفة
انتهى.
ومما سلك هذا السبيل في الرد على هذين البيتين المتقلصي الظلال، الشيخ الإمام العالم النظار المتبحر، سيدي إبراهيم بن هلال، فقال:
عجبا لقوم عادلين عن الهدىودعوا أولي الحق الحمير الموكفة
وتقبلوا عدليته لمّا رأوابمقالة شنعاء رأى الفلسفة
ما ذاك إلاّ من عمى لبصيرةٍوهوى هووا من أجله في متلفة
وأتوا بما دان المجوس وانهمحقا مجوس الأمة المتشرفة
هذا وكم من بدعة وضلالةٍمن رد حق بالمحال وبالسفة
ردوا القرآن وما تواتر نقلهمن رؤية الباري وهم نفوا الصفة
فالعدل مع هذي المخازي منتفٍوالجور معها مثبت والسفسفة
ولقاضي الجماعة الفقيه العلامة المفسر، الدراكة البياني، سيدي الرئيس
أبي القاسم بن أبي النعيم قاضي حضرة فاس المحوطة بالله، في هذا التاريخ، أبقي الله جلاله:
فيه المجوسية بشرك كفرتوصلاح إيجاب ونفي للصفة
وبرؤية الباري تجلى غيهمفي نفيها وتستروا بالفلسفة
وأنشدني الفقيه الأديب الحاج الرحال الحسيب الأصيل، سيدي عليّ بن أحمد الشامي الخزرجي، حفظه الله لنفسه، سالكا سنن هؤلاء الأعلام، ومتشبثا بأذيال حزبهم، ومتمسكاً بوثقى عروتهم السنية وقربهم، وكتب لي ذلك بخطه أيضاً، حفظه الله تعالى آمين:
يا من أقام على الضلالة معكفهولوى عن الحق الجلى واستنكفه
لا بد من يوم تهل منرب العباد مواهب مستو كفه
ويرى به رب العلا رغما علىانف العداة العائبين البلكفه
وتقول إذ تمسي طريدا ليتنيأمسيت فيه مع الحمير الموكفه
وقد آن لنا أنْ نمسك عنان القلم الذي جمح، فقد طال بن الكلام في هذه الترجمة، ومن نظر ما أوردنا بعين الرضا ولمح، التمس لنا أحسن الأعذار وأغضى وسمح، والحديث ذو شجون، وكما قيل في الامثال، وربما تكثر المناسبات وتنثال؛ ومقصودنا الفائدة، وهذه الأشياء المجلوبة بها غاية، والله يوفقنا إلى عمل يرضي به عنا، ويدفع كل خطب أتعب وعسى يقبل منا، ويعاملنا بمحض كرمه تطولا ومنا، فليس لنا رب سواه، لا اله إلاّ هو.
وصلى الله على سيدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً؛ ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم، وهو حسبنا.
النص من طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع