من «أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
بين الحافظ السلفي والزمخشري
وممن استجاره فأجازه الإمام الحافظ أبو الطاره السلفي الأصبهاني المتقدم الذكر ﵀ فإنه خاطبه في ذلك بما نصه بعد البسملة: إنَّ رأي الشيخ الأجل العالم العلامة أدام الله توفيقه أنْ يجبز جميع سماعاته ورواياته وما ألفه في فنون العلم وأنشأه من المقامات والرسائل والشعر لأحمد بن محمّد بن أحمد السلفي الأصبهاني يذكر مولده ونسبه إلى أعلى أب يعرف ويثبت كل ذلك بخطه تحت هذا الاستدعاء مضافا إليه ذكر ما صنفه وذكر شيوخه الذين أخذ عنهم وما سمع عليهم من أمهات المهمات حديثا كان أو لغة فعل مثاب وإنْ تمم إنعامه بإثبات أبيات قصار ومقطوعات في الحكم والأمثال والزهد وغير ذلك
من نظمه ومما أنشده شيوخه من قلبهم أو من قبل شيوخهم بعد تسمية كل منهم وإضافة شعره إليه والشرط في كل هذا أنْ يكون بالإسناد المتصل إلى قائله كان له الفضل وكذلك إنْ صحبه أصحبه بشيء من رواياته أنعم بكتب أحاديث عاليه والله تعالى يوفقه ويحسن جزاءه ويطيل لنشر العلم والإفادة بقاءه.
ويعلم وقه الله أنَّه قد وقع إلينا كتاب من يعقوب بن شرين الجندي ﵀ وفيه قصيدة يرثي بها البرهان البخاري والحاجة داعية إلى معرفة اسمه ونسبه وضبطه هل هو ابن شرين بالسين المهملة أو المعجمة وكذلك الجندي بفتح الجيم والنون أو ضم الجيم وإسكان النون بعدها.
والحمد لله حق حمده وصلواته على سيدنا محمّد نبيه وعبده وعلى آله وصحبه أجمعين من بعده.
فكتب إليه الزمخشري ما نصه:
بسم الله الرحمن الرحيم. أسأل الله أنْ يطيل بقاء الشيخ العالم ويديمه لعلم يغوص على جواهره ويفتق الأصداف عن ذخائره ويوفقه للعمل الصالح الذي هو مرى أغراض أولى العقل ومطمح أبصار المرتكضين إلى غاية الفضل ولقد عثرت من مقاطر قلمه على جملة تنادي على غزارة بحره وتطبي القلوب إليَّ التزين بسموط دره. وأما ما طلب عندي وخطب إلي من العلوم والدرايات والسماعات والروايات فبنات خلعت على تربيتهن الشباب ثن دفنهن وحثوت عليهن التراب وذلك حين آثرت الطريقة الأويسية على بنيات الطرائق وأخذت الحجب والعوائق ونقلت كتبي كلها
إلى مشهد أبي حنيفة ﵀ وأصفرت منها يدي إلاّ دفترا واحدا قد تركته تميمة في عضدي وهو كتاب الله المبين والحبل المتين والصراط المستقيم لأهب لمّا قعدت بصدده كلي وألقى عليه وده كلي لا يشغلني عنه بعض مثال يجعل الرأي مشتركا ويرد القلب مقتسما ولذت بحرم الله المعظم وبيته المحرم وطلقت ما وزرني بتا وكفت ذيلي عنه كفتا ما بي هم إلاّ خويصت وما يلهيني إلاّ النظر في قصتي أنتظر داعي الله صباح مساء وكأني به وقد امتطيت الآلة الحدباء قد وهنت العظام ووهنت القوى وقلت الصحة وكثر الجوى وما أنا ذماء يتردد في جسد هو هامة اليوم أو غد فما لمثلي وليس له من الآخرة شيء. ولقد أجزت له يروى.
محمود الخوارزمي ثم الزمخشري منسوب إلى قرية منها هي مسقط رأسي ولبعض أفاضل المشرق:
فلو وازن الدنيا تراب زمخشرلأنك منها زاده الله رجحانا
وللشريف الأجل الإمام عليّ بن عيسى ببن حمزة بن وهاس الحسني:
جميع قرى الدنيا سوى القرية التيتبوأها دارا فداء زمخشرا
وأحر بأن تزهي زمخشر بامرئإذا عد في أسد الشرى زمخ الشرى
فلولا ما طن البلاد بذكرهاولا ظار فيها منجدا ومغمورا
فليس ثناها بالعراق وأهلهبأعرف منه في الحجاز وأشهر
ومن المقطوعات التي اخترعتها من فبلي:
ومروعة بمشيب رأسي أقبلتتبكي فقلت لها ودمعي جاري
هذا المشيب لهيب نار أوقدتفي القلب موقدها حذار النار
أخرى:
إليك إلهي المشتكى نفس مشتهإلى الشر تدعوني عن الخير تنهاني
وما يشتكي الشيطان إلاّ مغفلإلاّ إنْ نفس المشتهى ألف شيطان
أخرى:
شكوت إلى الأيام سوء صنيعهاومن عجب باك تشكي إلى المبكى
فما زادت الأيام إلاّ شكايةومازالت الأيام تشكي ولا تشكى
أخرى:
مسرة أحقاب تلقيت بعدهامساءة يوم أريها شبة الصاب
وكيف بأن تلقي مسرة ساعةوراء تقضيها مساءة أحقائب
أخرى:
الخوض في دول الدنيا يلج بكمكأنها لجج خواضها لجج
كم خلصت لجج البحر الرجال وماأقل من خلصته هذه اللجج
أخرى:
مبالاة مثلى بالرزايا غضاضةأباها وثيق العقدين حصيف
إذا أقبلت يوما على صروفهالأنيابها في مسمعي صريف
عتاب لها حتى أشقى نحورهاأسنة عزم حدهن رهيف
يمسحن أركاني وهن قوافلصفا صادرات النبل عنه مصيف
والقاضي أديب الملوك أبو إسماعيل يعقوب بن شرين الجندي أفضل الفتيان في عصره وأعقلهم وأذكاهم وأدهاهم وكان كاتب سلطان خوارزم فاستعفى وهو يكتب باللسانين العربية والفارسية ويحسن وهو ممن رببت وخرجت وبلغت تلك الذروة وهو أوثق سهم من كنانتي.
والحمد لله أولا وآخرا والصلاة على نبينا محمّد وآله والطيبين.
ثم غن الشيخ السلفي عاوده الاستجازة في السنة الثانية من إسكندرية كأنه ما وصلته إجازته فقال:
بسم الله الرحمن الرحيم. المسئول من كرم الشيخ الأجل العلامة أدام الله بهجته وحرس مهجته أنْ يجيز لأحمد بن محمّد السلفي الأصبهاني جميع مسموعاته ومجموعاته في جميع الفنون ويثبت بخطه أساميها تحت هذا الخط ويضيف إلى ذلك ذكر شيوخه الأعلام الذين أخذ عنهم الحديث واللغة ويذكر جملا مما سمعه عليهم ويتمم تفضيله بإثبات أحاديث قصار من رواياته عنهم وكتب شيء من شعر من رآه وأنشده من قبله بعد المبالغة في التعريف به ولا يذكر من الأبيات إلاّ القصار التي تصلح لأصاب الحديث ويتصور إخراجها في الأمالي وأواخر الفوائد ويذكر متفضلا مولده والسنة التي ولد فيها فالحاجة داعية إلى كل ذلك ويبين ذكر الموتلف والمختلف الذي ألفه في أي فن هو وعلى أي شيء يجوز؟ أعلى ذكر الفقهاء أو الأدباء
أم أهل الحديث؟ ولا يحوج أدام الله توفيقه إلى المراجعة فالمسافة بعيدة وقد كتب في السنة الماضية ولم يجبه بما يشفي الغليل وله في ذلك الثواب الجزيل إنْ شاء الله تعالى وبه الثقة.
فأجاب فجر خوارزم بما نصه: بسم الله الرحمن الرحيم ما مثلي مع أعلام العلماء إلاّ كمثل السها مع مصابيح السماء والجهام الصفر والرهام مع الغوادي الغامرة للقيان والإكام والسكيت المخلف مع خيل السباق والبغاث مع الطير العتاق وما التلقيب بالعلامة إلاّ شبه الرقم بالعلامة كما قال العرب وقيل له لم سميت نعامة: الأسماء علامة وليست بكرامة ولو كانت كرامة لاشتراك الناس في اسم واحد. والعلم مدينة أحد بابيها الرواية والثاني الدراية وأنا في كلا البابين ذو بضاعة مزجاه ظلي فيه أقلص من ظل حصاه وأما الرواية فحديثة الميلاد قريبة الإسناد لم تستند إلى علماء نحارير ولا إلى أعلام مشاهير وأما الدراية فثمد لا يبلغ أفواها وبرض لا يبل شفاها ولا يغرنكم قول الوزير مجير الدولة:
وجولت فكرى في البلاد فلم يقععلى رجل في علمه غير راجل
إلى أنْ جرى الطير السنيح فدلنيعلى فخر خوارزم ورأس الأفاضل
ولا قول المنتخب محمّد بن أرسلان:
وما ناصر الإسلام إلاّ ابن بجدةيحيط بعلم لا يحيط به الورى
أبو القاسم المحمود محمود الذيبه تفخر الدنيا وناهيك مفخرا
ولا قول الشريف الأجل ذي المناقب أبي الحسن عليّ بن حمزة بن وهاس الحسني المدني.
قال أحمد المقري وفقه الله: هو عليّ بضم أوله وفتح ثانيه ابن عيسى ابن حمزة بن وهاس الحسني العلوي وقيل إنَّ الكشاف برسمه صنعه الزمخشري رحم الله الجميع.
رجع إلى قول الزمخشري:
وكم للإمام الفرد عندي من يدوهانيك مما قد أطاب وأكثر
أخي العزمة البيضاء والهمة التيأنافت به علامة العصر والورى
جميع قرى الدنيا سوى القرية التيتبوأها دارا فداء زمخشرا
وأحر بأن تزهي زمخشر بامرئإذا عد أسد الشر زمخ الشرى
فلولا ما ظن البلاد بذكرهاولا طار فيها منجدا ومغمورا
فليس ثناها بالعراق وأهلهبأعرف من في الحجاز وأشهرا
إمام فلينا من فلينا وكلماطبعناه سبكا كان أنضر جوهرا
ومكة راووق الرجال فهاكهمصفى وخذ من شئت منهم مكدرا
رسا طود تقوى فاض بحر فضائلفكم أذل أطوادا وغيض أبحرا
وتحت علاق الصدق سر مطهريمدان دينا كالمجرة نيرا
فلولا سماء أشمست ثم أقمرتكفى بمعاليه شموسا وأقمرا
ولا قوله ﵀:
لقد شجى في أم رأسي عزمهفأصبحت من عزم الإمام أمما
تمنيت لو لم ألقه وجهلتهولم يخشى قلبي بالفراق كلوما
فديت أمرا يحشو الفؤاد فراقهكلوما ولقياه حشته علوما
وكائن رأينا من أولى العلم والتقىرجالا أناخوا بالحجاز قروما
فأخمد أستاذ الزمان ضياءهموكان وكانوا شارقا ونجوما
ولا قوله ﵀:
أتى حرم الله العظيم مجاورافلله ما أدنت جمال وأينق
فمن حوضه عنت ظماء ذوي النهىفآبت رواء وهو ملآن يفهق
ولا قول العميدي ﵀:
ولو وازن الدنيا تراب زمخشرلأنك منها زاده الله رجحانا
ولا قول بعض فتيانها المجيدين:
دعوك بحار الله والله عالمبأنك جار الله حقا كما وجب
لعمري لقد فاضت وأنت مفيضهاعلى حرم الله الصنائع والقرب
رقبت ذمام الله من كل مؤمنوواسيتهم بالعلم طرا وبالنشب
وأنت الإمام الزاهد الورع الذيأبيت أغترارا باللجين وبالذهب
وإنك للعلامة الجامع الذيجمعت أفنين العلوم إلى الأدب
وما نصر الإسلام غيرك أهلهوإنْ طار أعلى المنازل والرتب
ومن طالع التفسير أيقن أنهمن الفلك الأعلى أتى اللقب
وإنك أستاذ الزمان وكلهمتلامذة جاثون ضغرا على الركب
وسمتك إذ فرقت في كل بلدةجواهر علم شيخها العجم والعرب
فما لخوارزم التي أنت فخرهاعلتها الثريا إنَّ ذاك من العجب
ولا قول ابن القرطبي:
قسما بلغ تحياتي إلىشيخنا العلامة الحبر العلم
ليس قس عنده قسا ولاسيبويه الشهم يدري ما الكلم
أي آداب وعلم وتقىمنه فارقت وحلم وحكم
قل إذا ما الدهر أمسى عابساإنَّ محمودا لك ابن يبتسم
لو جعلت اليم حبرا والفيلامهرقا كانت معاليه أطم
إنْ من جراه لولا المصطفىكنت فضلت على العرب العجم
كل موجود سواه حيث لمأر ذاك الفضل في عيني عدم
ولا قول الخطيب الموفق:
لسانك غواص ولفظك لؤلؤوفكرك بحر للفضائل طامي
لسان يود الحاسدون لو أنهسنان قناة أو غرار حسام
ولا قوله أيضاً:
أفخر خوارزم مالي عنك منحرفما دام يختلف الأنوار والسدف
ألست أنت الذي خولتني نعماتطوي وتنشر في تعدادها الصحف
ألست أنت الذي أوليتني رتبابفضل رفعتها الإيوان يعترف
ألست أنت الذي من ورد نعمتهوورد حكمته أجنى وأغترف
أعداؤك استنشر فوني من جهالتهمفي وصفها وهي عندي فوق ما أصف
ولا قول أديب الملوك يعقوب بن شرين الجندي:
فتى سار الآفاق ركبان ذكرهمغربة طورا وطورا مشرقة
إذا حل في أرض أتاه فحولهاتفيد علوما حوله متحلقة
وإنْ خاض في شرح العلوم رأيتهالفرط احتشام من معاليه مطرقة
فليس له في كل شرق ومغربنظير بنو الدنيا على ذاك مطبقة
ولا قول البديع الخوارزمي:
أمكة هل تدرين ماذا تضمنتيمقدم جار الله منك الأباطح
به وإليه العلم ينمي وينتميوفيه لأرباب العلوم المناجح
محاط رحال الفاضلين فلم يزليحط إليه الرحال غاد ورائح
إذا انتابه الوطاب رأيتهتحول عنه وهو ملآن طافح
بمته الكرام الغر من خير أسرةهم قدوة الدنيا الكهول الجحاجح
أدلاء ضلال البرايا جباههممصابيح رهبان فدتها المصابح
فإن ذلك اغترار منهم بالظاهر المموه وجهل بالباطن المشوه.
ولعل الذي غرهم مني ما رأوا من النصح للمسلمين وبليغ الشفقة على المستفيد وقطع المطامع عنهم وإفادة المبار والصنائع عليهم وعزة النفس والرب بها عن الإسفاف للدنيات والإقبال على خويصتي والإعراض عمالا يعنيني فجللت في عيونهم وغلطوا فيّ ونسبوني إلى ما لست في قبيل ولا دبير.
وما أنا فيما أقول بهاضم لنفسي كما قال الحسن ﵀ في أبي بكر الصديق ﵁ وقوله: " وليتكم ولست بخيركم " إنَّ المؤمن ليهضم نفسه وإنما صدقت الفاحص عني وعن كنه روايتي ودرايتي ومن لقيت وأخذت عنه وما مبلغ علمي وقصاري فضلي وأطلعته طلع أمري وأفضيت إليه بخبيئة وألقيت إليه عجزي وبجرئ وأعلمته نجمي وشجري.
وأما المولد فقرية مجهولة من قرى خوارزم تسمى زمخشر وسمعت أبي ﵀ يقول: اجتاز بها أعرابي فسأل عن أسمها واسم كبيرها فقيل له مخشر والرداد. فقال: لا خير في شر ورد ولم يلمم بها.
ووقت الميلاد شهر الله الأصم في عام سبع وستين وأربع مائة.
والحمد لله المحمود والمصلى عليه محمّد ﷺ. انتهى.
قلت: وإنما أوردت ذلك مع ما في بعضه من الغلو وعد التأدب مع الشرع في بعض الألفاظ كي تعلم فضل أهل السنة ﵃ حيث انتصروا على من هذه صفته على زعمه بالحجج البالغة وكسروا أم رأسه ورأس شيعته بالحجارة الدامغة ولم يغن عنه شيء من اعتقاد هؤلاء الغلاة فيه ولمتنفعه ألستنهم التي تأتي بالباطل في صور الحق وتستفضي مطلوبها وتستوفيه اللهم إلاّ أنْ يكونوا غير عالمين باعتقاده فلهم عذر عند اعتراض المعارض وانتقاده وأيا ما كان فقد هدم أهل السنة ﵃ له ولأحزابه أساسا وكلما حمى حوزته البدعية كليب من شيعته قيض الله له جساسا فظهر الحق وأهله وارتفع غي البتدع وجهله.
ومن بديع نظم الزمخشري المذكور قوله:
هو النفس الصعاد عن كبد حرىإلى أنْ أرى أم القرى مرة أخرى
سريت بشخصي لا بنفسي وهمتيوهيهات ما للأخشبين وللمسرى
مقيمان عند البيت ما ذر شارقمنيخان بالبطحاء ما ذكت الشعرى
وله من قصيدة:
مليح ولكن عند كل جفوةولم أر في الدنيا صفاء بلا كدر
ولم أنس إذ غازلته قرب روضةإلى جنب حوض فيه للماء منحدر
فقلت له جئني بورد وإنماأردت به ورد الخدود وما شعر
فقال انتظر رجع طرف أجئ بهفقلت له: هيهات ما لي منتظر
فقال ولا ورد سوى الخد حاضرقلت له إني قنعت بما حضر
وقوله:
إذا التصقت بالبحث في العلم ركبتيبركة نحري على الجد دأب
فإن دام لي عون الإله على الذيأعانيه من فضل وبر وأداب
وإنْ نظرت عيني على الد والصفامع البر والتقوى نواظر أحباب
فقل لملوك الأرض يلهوا ويلعبوافذلك أهوى ما حييت وتلعابي
وقوله أيضاً:
أربعة للدين أركانحبهم يمن وإيمان
أربعة أول أسمائهمعين وهم في الناس أعيان
عتيق والفاروق والجتبىمنهم ذو النورين عثمان
وقال السيوطي في لطبقات الصغرى ما نصه: محمود بن عمر بن محمّد بن أحمد الزمخشري أبو القاسم جار الله كان واسع العلم كثير الفضل غاية في الذكاء وجودة القريحة متفننا يقال كل علم معتزليا قويا في مذهبه مجاهرا به حنفيا.
ولد في رجب سنة سبع وستين وأرب مائة وور بغداد غير مرة وأخذ الأدب عن أبي الحسن عليّ بن المظفر النيسابوري وأبي مضر الأصبهاني وسمع من أبي سعد الشقاني وشيخ الإسلام أبي منصور الحارثي وجماعة وجاور بمكة وتلقب بجار الله وفخر خوارزم أيضاً. وكتب إليه الحافظ السلفي يستجيزه وأصابه خراج في رجله فقطعها وصنع عوضا عنها رجلاً من خشب وكان إذا مشى ألقى عليها ثيابا الطوال فيظن من يراه أنَّه أعرج.
وله من التصانيف: الكشاف في التفسير الفائقد في غري الحديث المفصل في النحو المقامات المستقضي في الأمثال ربيع الأبار أطواق الذهب صميم العربية شرح أبيات الكتاب الأنموذج في النجو الرائض في الفرائض شرح بعض مشكلات المفصل الكلم النوابغ القسطاس في العروض الأحاجي النحوية وغير ذلك.
مات يوم عرفة سنة ثمان وثلاثين وخمس مائة.
أسندنا حديثه في الطبقات الكبرى وتكرر في جمع الجوامع.
وله:
إنَّ التفاسير في الدنيا بلا عددوليس فيها لعمري مثل كشافي
إنْ كنت تبغي الهدى فالزم قراءتهفجهل كالداء والكشاف كالشافي
انتهى كلام السيوطي.
وقال ابن خلكان فيه ما نصه:
محمود بن عمر بن حتى الخوارزمي الزمخشري أبو القاسم الإمام له الكتب في التفسير والحديث والنحو واللغة وعلم البيان. إمام عصره غير مدافع تشد إليه الرحال في فنونه وصنف التصانيف الشريفة منا الكشاف لم يصنف قبله مثله والمفضل في النحو وغير ذلك. وسافر إلى مكة وأقام مجاورا زمانا فصار يقال له جار الله لذلك وكان هذا الاسم علما عليه وكانت إحدى رجليه ساقطة وكان يمشي في جارن خشب وسبب سقوطها أنَّه أصابه في بعض أسفاره ببلاد خوارزم ثلج وبرد شديد فسقطت رجله وكان بيده محضر فيه شهادة خلق كثير ممن أطلعوا على حقيقة ذلك خوفا من أنْ يظن به أنها قطعت لريبة وقيل إنَّه سئل عن قطع سبب رجله فقال: دعاء الوالدة وذلك أني في صباي أمسكت عصفورا وربطت خيطا في رجله فأفلت من يدي فأركته وقد دخل في خرق فجذبته فانقطعت رجله في الخيط فتألمت والدتي لذلك وقالت قطع الله رجل الأبعد كما قطعت رجله. فلما دخلت إلى بخارى لطلب العلم سقطت من الدابة وانكسرت الرجل وعملت على عملا أوجب قطعها. وكان الزمخشري معتزلي الاعتقاد متظاهرا به وكان إذا قصد صاحبا
له واستأذن عليه في الدخول يقول له: أبو القاسم العتزلي بالباب.
وأول من صنف الكشاف كتب استفتاح الخطبة: " الحمد لله الذي خلق القرآن " فقيل له: متى تركته على هذه الهيئة هجره الناس ولا يرغب أحد فيه فغيره وقال: " الحمد لله الذي جعل القرآن " وجعل عندهم: بمعنى خلق. ورئي في كثير من النسخ: " الحمد لله الذي أنزل القرآن " وهذا إصلاح الناس لا إصلاح المصنف.
ومن شعره يرثي شيخه أبا مضر محمودا:
وقائلة ما هذه الدرر التيتساقط من عينيك سمطين سمطين
فقلت لها الدر الذي كان قد حشاأبو مضر أذنى تساقط من عيني
وأنشد في كتابه الكشاف لبعضهم:
يا من يرى مدينة البعوض جناحهافي ظلمة الليل البهيم الأليل
ويرى عروق نياطها في نحرهاوالمخ في تلك العظام النحل
اغفر لعبد تاب من فرطتهما كان منه في الزمان الأول
ويروى أنَّ الزمخشري أوصى أنْ تكتب هذه الأبيات على لوح قبره.
وقال غير ابن خلكان في البيت الأخير:
أمنن على بتوبة أمحو بهاما كان مني في الزمان الأول
وهذا لا يناسب الكتب على لوح القبر وإنما يناسبه ما روي ابن خلكان فتأمله.
ثم قال ابن خلكان: وحدث بعض الأصحاب أنه رأى بجزيرة سواكن تربة ملكها عزيز الدولة ريحان وعلى قبره مكتوب:
يا أيها الناس كان لي أملقصر بي عن بلوغه الأجل
فليتق الله ربه رجلأكنه قبل موته العمل
ما أنا وحدي نقلت حيث ترىكل إلى ما نقلت ينتقل
توفي الزمخشري ليلة عرفة سنة ثمان وثلاثين وخمس مائة.
انتهى كلام ابن خلكان.
وقد تقدم في التأليف الذي نقلناه عن الشيخ ابن غازي ﵀ بعض إلمام بحال الزمخشري سامحه الله.
ومن نظم الزمخشري قوله يمدح كتاب سيبويه ﵀:
ألا صلى الإله صلاة حقعلى عمرو بن عثمان بن قنبر
فإنَّ كتابه لم يغن عنهبنو قلم ولا ابناء منبر
النص من طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع