من «المعجب في تلخيص أخبار المغرب» لعبد الواحد المراكشي (ت ٦٤٧هـ)
ولاية الحكم المُسْتَنْصر
من الوافر
فقال وقد مضى ليل وثانٍولم يسمعه غنى: ليت شعري
أجاري المُؤْنِسي ليلًا غناءلخيرٍ قطعُ ذلك أم لشرِّ؟
فقالوا: إنه في سجن عيسىأتوه به بليل وهو يسرِي
فنادى بالطويلة وهي ممايكون برأسه لجليل أمرِ
ويمم جاره عيسى بنَ موسىفلاقاه بإكرام وبرِّ
وقال: أحاجة عرضت فإنيلقاضيها ومتبعها بشكرِ!
فقال: سجنتَ لي جارًا يسمىبعمرٍو! قال: يُطلَق كل عمرو
بسجنى حيث وافقه اسم جار الــفقيه ولو سجنتهمو بوِتْرِ!
فأطلقهم له عيسى جميعًالجار لا يبيت بغير سكرِ!
فإن أحببت قل لجوار جارٍوإن أحببت قل لطِلاب أجرِ
فإن أبا حنيفة لم يَؤُبْ منتطلبه تخلصه بوزرِ
وتلخيص هذه الحكاية التي نظمها أبو عمر في شعره، أن أبا حنيفة ﵀ كان يجاوره رجل كيال، فكان كل ليلة يأخذ سمكة ورغيفًا وشيئًا من النبيذ، فإذا صلى العشاء الآخرة أكل ثم شرب، حتى إذا انتشى رفع عقيرته واندفع ينشد هذا البيت:
أضاعوني وأي فتًى أضاعُواليوم كريهةٍ وسداد ثَغْرِ
فلا يزال يعيده حتى يغلبه النوم، وكان أبو حنيفة -على ما اشتهر عنه- يحيي الليل كله صلاة، فلما كان في بعض الليالي فقد صوت ذلك الرجل، فقال لبعض من عنده: ما فعل جارنا هذا الذي كان يغني كل ليلة؟ أهو مريض أم غائب؟ فقالوا له: إنه مسجون! فقال: ومن سجنه؟ فقالوا: خرج في الليل لبعض حاجته فلقيه أصحاب عيسى بن موسى صاحب الشرطة, فأتوا به فأمر بسجنه؛ فلما أصبح أبو حنيفة لبس ثيابه وركب دابته وقصد عيسى بن موسى في بيته، فلما أُعلم عيسى بمكان أبي حنيفة خرج يتلقاه مسرعًا، وبالغ في تكريمه وبره، وسأله عن حاجته، فقال: لي في سجنك جار اسمه عمرو, فقال عيسى: يُطلق كل من كان اسمه عمرو بسجني من أجل جار الفقيه! فأطلقه وخلقًا كثيرًا معه؛ فأتى الرجل أبا حنيفة يتشكر له، فلما وقعت عينه عليه قال له: أضعناك؟ قال الرجل: لا والله، بل حفظت الجوار -حفظك الله-!
والبيت الذي نظمه أبو عمر وكان يغني به الرجل جار أبو حنيفة، هو للعَرْجي، رجل من ولد عثمان بن عفان، سجنه المغيرة خال هشام بن عبد الملك وعامله على مكة، فلم يزل بسجنه إلى أن مات وخرجت جنازته من السجن.
ولأبي عمر هذا شعر كثير جيد، وهو من الطبقة الثالثة من طبقات شعراء الأندلس؛ فمما على حفظي له أول قصيدة يمدح بها أبا علي القالي المتقدم الذكر، وهي:
مَنْ حاكمٌ بيني وبين عذوليالشَّجْوُ شجوي والعويل عويلِي
أَقْصِرْ فما دين الهوى كفر ولاأعتدُّ لومك لي من التنزيلِ
عجبًا لقوم لم تكن أذهانهمْلهوًى ولا أجسادهم لنُحُولِ
دقت معاني الحب عن أفهامهمْفتأولوه أقبح التأويلِ
في أي جارحةٍ أصون معذبيسلِمتْ من التعذيب والتنكيلِ
إن قلت في عينى فثَمَّ مدامعيأو قلت في قلبي فثم غليلِي
لكن جعلت له المسامعَ موضعًاوحجبتُها عن عَذْلِ كل عذولِ
هذا ما بقي في حفظي منها. وكان أبو عمر هذا من مقدمي شعراء الحكم المستنصر، وكان مختصًّا بأبي الحسن المُصْحَفي، منضويًا إليه؛ وهو الذي حمله على هجو محمد بن أبي عامر، فلما أفضى الأمر إلى محمد قبض على المصحفي واستصفى أمواله ووضعه في المُطْبِق، فلم يزل به حتى مات جوعًا وهزالًا. وأما ما كان من أبي عمر الشاعر فإنه أوسعه عقوبة ونكالًا، وأمر بتغريبه، فشفع له عنده في أن يتركه ببلده، فأذن في ذلك، غير أنه خرج الأمر من جهته ألا يكلمه أحد من العامة ولا من الخاصة؛ أمر مناديه أن ينادَى بذلك في جميع جهات قرطبة. فأقام أبو عمر هذا كالميت إلى أن مات موتة الوفاة في آخر أيام أبي عامر.
وكان لحكم المستنصر مواصلًا لغزو الروم ومن خالفه من المحاربين، فاتصلت ولايته إلى أن مات في صفر سنة، فكانت مدة ولايته منذ بُويع له إلى أن مات ست عشرة سنة وأشهرًا؛ وانقرض عقبه بعد موت ابنه هشام المؤيد، لم يعش له ولد غيره.
النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع