من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
المعتضد يلاعب ابن حمدون بالنرد
وحدّثني، وقال: حدّثني أبو جعفر، قال: حدّثني أبو محمد، قال:
كنت قد حلفت، وعاهدت الله تعالى، أن لا أعتقد مالا من القمار، وأنّه لا يقع في يدي شيء منه، إلّا صرفته في ثمن شمع يحرق، أو نبيذ يشرب، أو جذر مغنيّة تسمع.
قال: فجلست يوما ألاعب المعتضد بالنرد، فقمرته سبعين ألف درهم.
فنهض المعتضد يصلّي العصر، من قبل أن يأمر لي بها، وكان له ركوع طويل قبلها، فتشاغل به.
وصلّيت أنا العصر فقط، فجلست أفكّر، وأندم على ما حلفت عليه، وقلت: كم عساي أشتري من هذه السبعين ألفا، شمعا، وشرابا، وكم أجذر؟ وما كانت هذه العجلة في اليمين، ولو لم أكن حلفت، كنت الآن قد اشتريت بها ضيعة.
قال: وكانت اليمين بالطلاق، والعتاق، وصدقة الملك، والضيعة.
وأغرقت في الفكر، والمعتضد يراني، وأنا لا أعلم.
فلما سلّم من [ ط] الركوع، سبّح، وقال لي: يا أبا عبد الله في أيّ شيء فكّرت؟
فقلت: خيرا يا مولاي.
فقال: بحياتي أصدقني، فصدقته.
فقال: وعندك أنّي أريد أن أعطيك سبعين ألفا في القمار؟
فقلت له: أفتضغو؟
قال: نعم، ضغوت، قم ولا تفكّر في هذا.
قال: ودخل في صلاة العصر الفرض.
قال: فلحقني غمّ أعظم من الأوّل، وفكر أشدّ منه، وندم على فوت المال، وقلت لم صدقته، وأخذت ألوم نفسي.
قال: فلما فرغ من صلاته، وجلس، قال لي: يا أبا عبد الله، بحياتي أصدقني عن هذا الفكر الثاني.
فلم أجد بدّا، فصدقته.
فقال: أمّا القمار فقد فاتك، لأنّي قد ضغوت بك، ولكنّي أهب لك سبعين ألف درهم غير تلك، من مالي، فلا يكون عليّ إثم في دفعها، ولا عليك إثم في أخذها، وتخرج من يمينك، فتأخذها وتشتري بها ضيعة حلالا.
فقبّلت يده، فأحضر المال، وأعطانيه، فأخذته، واعتقدت به ضيعة
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع