تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

بين ابن المدبر وعريب

حدّثني أبو محمد، قال: حدّثني أبو أحمد الفضل بن عبد الرحمن الشيرازي الكاتب، قال: أخبرني من أثق به، أنّ إبراهيم بن المدبّر قال:

كنت أتعشّق عريب، دهرا طويلا، وأنفقت [ ط] عليها مالا جليلا، فلما قصدني الزمان، وتركت التصرّف، ولزمت البيت، كانت هي أيضا، قد أسنّت، وتابت من الغناء، وزمنت.

فكنت جالسا يوما، إذ جاءني بوّابي، وقال: طيّار عريب بالباب، وهي فيه تستأذن.

فعجبت من ذلك، وارتاح قلبي إليها، فقمت حتى نزلت إلى الشطّ، فإذا هي جالسة في طيّارها.

فقلت: يا ستّي، كيف كان هذا.

قالت: اشتقت إليك، وطال العهد، فأحببت أن أجدده، وأشرب عندك اليوم.

قلت: فاصعدي.

قالت: حتى تجيء محفّتي.

قال: فإذا بطيّار لطيف، قد جاء وفيه المحفّة، فأجلست فيها، وأصعد بها الخدم.

وتحدّثنا ساعة، ثم قدّم الطعام، فأكلنا، وأحضر النبيذ، فشربت، وسقيتها فشربت، وأمرت جواريها بالغناء، وكان معها منهنّ عدّة، محسنات، طيّاب، حذّاق، فتغنّين أحسن غناء وأطيبه، فطربت وسررت.

وقد كنت، قبل ذلك بأيّام، عملت شعرا، وأنا مولع في أكثر الأوقات بترديده، وإنشاده، وهو:

إن كان ليلك نوما لا انقضاء لهفإن جفني لا يثنى لتغميض
كأنّ جنبي في الظلماء تقرضهعلى الحشيّة أطراف المقاريض
أستودع الله من لا أستطيع لهشكوى المحبّة إلّا بالمعاريض

فقلت لها: يا ستّي، إنّي قد عملت أبياتا، أشتهي أن تصنعي فيها لحنا.

فقالت: يا أبا إسحاق مع التوبة؟

قلت لها: فاحتالي في ذلك كيف شئت.

فقالت: روّ هاتين الصبيّتين الشعر، وأومأت إلى بدعة وتحفة جاريتيها.

فحفّظتهما الشعر، وفكّرت ساعة، ووقّعت بالمروحة على الأرض، وزمزمت مع نفسها، ثم قالت لهما: أصلحا الوتر الفلاني على الطريقة الفلانيّة، [وأضربا بالإصبع الفلانية، وافعلا كذا وكذا، إلى أن فتح لهما

الضرب، ثم قالت غنّياه على الطريقة الفلانيّة]، واجعلا في الموضع الفلاني كذا.

فغنّتاه، كأنّهما قد سمعتاه قبل ذلك دفعات، وما خرج الغناء من بين شفتيها.

[فطربت] وقلت في نفسي: عريب تزورني وتلحّن شعري، وهي على كلّ حال مغنّية، وتنصرف من عندي صفرا؟ والله، لا كان هذا، ولو انّني متّ ضرا وجوعا وفقرا.

فقمت إلى جواريّ، وشرحت الحال لهنّ، وقلت: عاونّني بما يحضركن، فدفعت إليّ هذه خلخالا، وهذه سوارا، وهذه عقد حبّ، وهذه جان، إلى أن اجتمع لي من حليهنّ ما قيمته ألف دينار.

قال: واستدعيت زنبيلّا مشبّكا ذهبا كان عندي، فيه مائة مثقال، فجعلت ذلك فيه، وخرجت به إليها، وقلت: يا سيدتي، هذه طرف، أحببت إتحاف هاتين الصبيّتين بها، فأحبّ أن تأمريهما بأخذها.

فامتنعت امتناعا ضعيفا، وقالت: يا أبا إسحاق، بيننا اليوم هذا، أو فضل فضل له؟

فقلت: لا بدّ.

فقالت لهما: خذاه، فأخذتاه، وجلست إلى وقت المغرب.

ثم قامت لتنصرف، فشيّعتها [ ط] إلى دجلة.

فلمّا أرادت الجلوس في طيّارها، قالت: يا أبا إسحاق لي حاجة.

قلت: مري بأمرك.

قالت: قد ابتاعت فلانة، أمّ ولدك، ضيعة يقال لها كذا، وهي تجاورني، وأنا شفيعتها، وأريد أن تأمرها بأخذ المال منّي والنزول عنها لي.

فعلمت أنّها إنّما جاءت لهذا السبب.

فقلت: مكانك، فتوقّفت في الطيّار.

فدخلت إلى أمّ ولدي وضمنت لها المال، وأخذت العهدة بالضيعة، فجئت بها إليها.

وقلت: قد وهبتها لك، وضمنت المال لها، وفي غد أتقدّم بالأشهاد لك في ظهر الكتاب. فخذيه معك عاجلا.

فشكرتني ومضت.

وكان شراء الضيعة ألف دينار.

فقام عليّ يومها، وتلحينها هذا الشعر بألفي دينار ومائة دينار.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.