من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
الخليفة المعتضد يتنبأ بأن ضياع الدولة يجري على يد ولده المقتدر
حدّثني أبو عليّ الحسن بن محمد الأنباري الكاتب [قال: سمعت دلويه الكاتب]، يحكي عن صافي الحرمي الخادم، مولى المعتضد، إنّه قال:
مشيت يوما بين يدي المعتضد، وهو يريد دور الحرم، فلما بلغ إلى باب دار شغب أمّ المقتدر، وقف يتسمّع ويطّلع من خلل الستر، فإذا هو بالمقتدر، وله إذ ذاك خمس سنين أو نحوها، وهو جالس وحواليه مقدار عشر وصائف من أقرانه في السنّ، وبين يديه طبق فضّة، فيه عنقود عنب، في وقت فيه العنب عزيز جدا، والصبيّ يأكل عنبة واحدة، ثم يطعم الجماعة عنبة عنبة، على الدور، حتى إذا بلغ الدور إليه أكل واحدة مثلما أكلوا، حتى فني العنقود، والمعتضد يتمزّق غيظا.
قال: فرجع، ولم يدخل الدار، ورأيته مهموما.
فقلت: يا مولاي، ما سبب ما [ ط] فعلته؟ وما قد بان عليك؟
فقال: يا صافي، والله لولا النار والعار، لقتلت هذا الصبيّ اليوم، فإنّ في قتله صلاحا للأمّة.
فقلت: يا مولاي، حاشاه، أيّ شيء عمل؟ أعيذك بالله يا مولاي، إلعن إبليس.
فقال: ويحك، أنا أبصر بما أقوله، أنا رجل قد سست الأمور، وأصلحت الدنيا بعد فساد شديد، ولا بدّ من موتي، وأعلم أن الناس بعد موتي لا يختارون إلّا ولدي، وأنهم سيجلسون ابني عليّا- يعني المكتفي - وما أظن عمره يطول، للعلّة التي به، قال صافي، يعني الخنازير التي كانت في حلقه، فيتلف عن قريب، ولا يرى الناس إخراجها عن ولدي، ولا يجدون بعده منهم أكبر من جعفر، فيجلسونه وهو صبيّ، وله من الطبع في السخاء، هذا الذي قد رأيت من أنّه أطعم الصبيان مثلما أكل، وساوى بينه وبينهم، في شيء عزيز في العالم، والشحّ على مثله في طباع الصبيان، فتحتوي عليه النساء، لقرب عهده بهنّ، فيقسم ما جمعته من الأموال، كما قسم العنب، ويبذّر ارتفاع الدنيا ويخربها، فتضيع الثغور، وتنتشر الأمور وتخرج الخوارج، وتحدث الأسباب التي يكون فيها زوال الملك عن بني العباس أصلا.
فقلت: يا مولاي بل يبقيك الله، حتى ينشأ في حياتك، ويصير كهلا في أيّامك، ويتأدّب بآدابك، ويتخلّق بخلقك، ولا يكون هذا الذي ظننت.
فقال: احفظ عنّي ما أقوله، فإنّه كما قلت.
قال: ومكث يومه مهموما.
وضرب الدهر ضربه، ومات المعتضد، وولي المكتفي، فلم يطل
عمره، ومات، وولي المقتدر، [فكانت الصورة] كما قال المعتضد بعينها.
فكنت كلما وقفت على رأس المقتدر وهو يشرب، ورأيته قد سكر ودعا بالأموال، فأخرجت إليه، وحلّت البدر، وجعل يفرّقها على الجواري والنساء، ويلعب بها، ويمحقها، ويهبها، ذكرت مولاي المعتضد، وبكيت.
قال: وقال صافي: كنت يوما واقفا على رأس المعتضد، فأراد أن يتطيّب، فقال: هاتم فلانا الطّيبيّ،- خادم يلي خزانة الطيب- فأحضر.
فقال له: كم عندك من الغالية؟
فقال: نيّف وثلاثون حبّا صينيّا، مما عمله عدّة من الخلفاء.
فقال: فأيّها أطيب؟
قال: ما عمله الواثق.
قال: أحضرنيه.
فأحضره حبّا عظيما، يحمله خدم عدّة، بدهق ومصقلة ففتح، فإذا الغالية قد ابيضّت من التعشيب، وجمدت من العتق، في نهاية الذكاء.
فأعجبت المعتضد، وأهوى بيده إلى حوالي عنق الحبّ، فأخذ من
لطاخته شيئا يسيرا، من غير أن يشعّث رأس الحب، وجعله في لحيته، وقال:
ما تسمح نفسي بتطريق التشعيث على هذا الحب، شيلوه، فرفع.
ومضت الأيّام، فجلس المكتفي للشرب يوما، وهو خليفة، وأنا قائم على رأسه، فطلب غالية، فاستدعى الخادم، وسأله عن الغوالي، فأخبره بمثل ما كان [ ط] أخبر به أباه.
فاستدعى غالية الواثق، فجاءه بالحبّ بعينه، ففتح، فاستطابه، وقال:
أخرجوا منه قليلا، فأخرج منه مقدار ثلاثين [أو أربعين] مثقالا، فاستعمل منه في الحال ما أراده، ودعا بعتيدة له، فجعل الباقي فيها، ليستعمله على الأيّام.
وولي المقتدر الخلافة، وجلس مع الجواري يشرب يوما وكنت على رأسه، فأراد أن يتطيّب، فاستدعى الخادم، وسأله، فأخبره بمثل ما أخبر به أباه وأخاه.
فقال: هات الغوالي كلّها، [فأحضرت الحباب كلّها]، فجعل يخرج من كل حبّ، مائة مثقال، وخمسين، وأقلّ، وأكثر، فيشمّه ويفرّقه على من بحضرته، حتى انتهى إلى حبّ الواثق، فاستطابه.
فقال: هاتم عتيدة، فجاءوه بعتيدة، وكانت عتيدة المكتفي بعينها، ورأى الحبّ ناقصا، والعتيدة فيها قدح الغالية، ما استعمل منه كثير شيء.
فقال: ما السبب في هذا؟
فاخبرته بالخبر على شرحه، فأخذ يعجب من بخل الرجلين، ويضع منهما بذلك.
ثم قال: فرّقوا الحب بأسره على الجواري، فما زال يخرج منها أرطالا، وأنا أتمزّق غيظا، وأذكر حديث العنب، وكلام مولاي المعتضد، إلى أن مضى قريب من نصف الحبّ.
فقلت له: يا مولاي، إنّ هذه الغالية أطيب الغوالي وأعتقها، ولا يعتاض منها، فلو تركت منها لنفسك، وفرّقت الباقي من غيرها كان أولى.
قال: وجرت دموعي لما ذكرته من كلام المعتضد، فاستحى مني، ورفع الحبّ.
فما مضت إلّا سنتين من خلافته، حتى فنيت تلك الغوالي، واحتاج إلى أن عجن غالية بمال عظيم.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع