من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
أنموذج من إسراف السيدة أم المقتدر
حدّثني أبو الحسن البرسي، العامل بالبصرة، إن بعض بني إسحاق الشيرازي المعروف بالخرقيّ، ممن كان يعامل أمّ المقتدر، أسماه هو وأنسيته أنا، حدّثه: إنّها طلبت منه في يوم يقرب من نيروز المعتضد، ألف شقّة زهريّة خفافا جدا.
قال: فبعثت في جمعها، والرسل تكدّني بالاستعجال، والقهارمة يستبطؤوني، حتى تكاملت، وصرت بها إلى الدار.
فخرجت القهرمانة، فقالت: اجلس في الحجرة التي برسمك، واستدع الخيّاطين، وتقدّم أن يقطعوا ذلك أزرارا على قدر حبّ القطن، [ويحشونها من الخرق، ويخيطونها، ليجعل بدل حبّ القطن] ويشرّب دهن البلسان، وغيره من الأدهان الطيّبة الفاخرة، وتوقد في المجامر [ ط] البرام على رؤوس الحيطان ليلة النيروز بدلا من حبّ القطن
والنفط والمجامر الطين.
ففعلت ذلك، ومضت تلك الثياب الكثيرة الأثمان في هذا.
قال، وقال لي: كنت أشتري لها ثيابا دبيقيّة، يسمونها ثياب النعال.
وذلك إنها كانت صفاقا، تقطع على مقدار النعال المحذوّة، وتطلى بالمسك والعنبر المذاب، وتجمّد، ويجعل بين كل طبقتين من الثياب، من ذلك الطيب ما له قوام، ونحن نفعل بطاقات كثيرة كذا، وتلفّ بعضها على بعض، ثم تصمّغ حواليها بشيء من العنبر، وتلزق حتى تصير كأنّها قطعة واحدة، وتجعل الطبقة الأوّلة بيضاء مصقولة، وتخرز حواليها بالإبريسم، ونجعل لها شركا، من إبريسم كلّها، كالشّرك المضفورة من الجلود، وتلبس.
قال: وكانت نعال السيّدة من هذا المتاع، لا تلبس النعل إلّا عشرة أيام، أو حواليها، حتى تخلق، وتتفتّت، وتذهب جملة دنانير في ثمنها، وترمى.
فيأخذها الخزّان، أو غيرهم، فيستخرجون من ذلك العنبر والمسك فيأخذونه. [وهو يساوي جملة دنانير]
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع