تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

أنموذج من إسراف المتوكل

حدّثني أبو القاسم الجهنيّ، قال: حدثني أبو محمد بن حمدون، عن أبيه:

إن المتوكّل اشتهى أن يجعل كلّ ما تقع عليه عينه، في يوم من أيّام شربه، أصفر.

فنصبت له قبّة صندل مذهبّة، مجلّلة بديباج أصفر، مفروشة بديباج أصفر.

وجعل بين يديه الدستنبو والأترج الأصفر، وشراب أصفر في صواني ذهب.

ولم يحضر من جواريه إلّا الصفر، عليهن ثياب قصب [ ط] صفر.

وكانت القبّة منصوبة على بركة مرصّصة يجري فيها الماء، فأمر أن يجعل في مجاري الماء إليها الزعفران على قدر، ليصفرّ الماء ويجري من البركة، ففعل ذلك.

وطال [جلوسه] وشربه، فنفد ما كان عندهم من الزعفران، فاستعملوا العصفر، ولم يقدّروا أنّه ينفد قبل سكره، فيشترون منه، فنفد.

فلما لم يبق إلا قليل، عرفوه، وخافوا أن يغضب إن انقطع، ولا يمكّنهم قصر الوقت من شري ذلك من السوق.

فلما أخبروه أنكر لم لم يشتروا أمرا عظيما، وقال: الآن إن انقطع هذا تنغّص يومي فخذوا الثياب المعصفرة القصب، فانقعوها في مجرى الماء ليصبغ لونه بما فيها من الصبغ، ففعل ذلك.

ووافق سكره مع نفاد كلّ ما كان في الخزائن من هذه الثياب.

فحسب ما لزم على ذلك الزعفران والعصفر، وثمن الثياب التي هلكت، فكان [قدر جميعه] خمسين ألف دينار.

ويشبه هذا ما أخبرنا به الجمّ الغفير:

إنّ الحسن بن سهل، لما زفّ ابنته بوران إلى المأمون، بفم الصلح، انقطع بهم الحطب في المطبخ يوم العرس، أحوج ما كانوا إليه، فعرّفوه ذلك.

فأمر بالخيش، فصب عليها الزيت وغيره من الأدهان حتى تشرّبها، وأمر بإيقاده تحت القدور، وبثّ الرسل في طلب الحطب.

فاستعمل من ذلك الخيش شيء كثير إلى أن حمل الحطب.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.