من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
بين علي بن عيسى وعلي بن الفرات
سمعت بعض شيوخ الكتاب يتحدّثون، قالوا:
كان أبو الحسن عليّ بن عيسى، شديد الإعظام لصناعة الكتابة، شحيحا على محلّه منها، غير مسامح لشيء يعاب به، مهما صغر فيها.
وكانت المسابقة فيما بينه وبين أبي الحسن عليّ بن الفرات فيها، وكان كلّ واحد منهما، يتقلّد ديوانا، في وزارة العباس بن الحسن.
وكان يتصرّف في الديوان الذي يتقلّده علي بن عيسى، عامل يعنى به ابن الفرات، فقصده عليّ بن عيسى، وعمل له مؤامرة بمائة ألف دينار في عمله، وعزم على أخذها منه، وأحضره، وسلّم إليه المؤامرة.
وقال له: إن كان عندك جواب لها، فأجب، وإلّا فالتزم المال.
فقال: آخذها إلى بيتي، وأجيب.
فقال له: خذها.
وأخذها العامل، وجاء إلى ابن الفرات، فشرح له الصّورة، وسأله أن ينظر في المؤامرة [ويلقّنه الجواب على كل باب منها.
فقرأها ابن الفرات، وقال للعامل] لولا الاتفاق، لما انحلّ عنك منها درهم، ولكنّ الله سهّل لك غلطا غلط به عليّ بن عيسى على نفسه فيها،
وهو رجل شديد الضنّ بصناعة الكتابة، غير مسامح لنفسه في العيب بها، وقد غلط غلطا قبيحا، لو غلط مثله صغير من الكتّاب لافتضح، وبطلت صناعته، وسقط محلّه، وذاك إنّه قد صدّر في أول المؤامرة بابا، ذكر فيه ما وصل من فضل الكيل في غلات عملك، وأنّك لم تورده، وألزمك مالا جليلا عنه، ثم ذكر بعد ذلك، أنّك اقتطعت من غلّات المقاسمة، أشياء أوردها، وذكر الحجج عليك فيها، وألزمك مالا جسيما، هو شطر مال المؤامرة.
وقد كان من قانون الحساب، ورسم الصناعة في مثل هذا، أن يبتدئ بما ثنّى به من الاقتطاع الواقع في أصول الغلّات، ثم يثنّي بذكر فضل الكبا.
فإمّا إذا صدّر فضل الكيل، فقد صحّح لك الأصول، فإيراده ما اقتطعته من الأصول، ناقض للفعل الأول، وهو خطأ قبيح في الكتبة، مسقط لمحلّ من يعمله.
وسبيلك أن تمضي إليه وتخلو به، وتقول: يا سيدي محلّك في هذه الصناعة، لا يقتضي ما قد عملته في هذه [ ط] المؤامرة، وقد أخطأت خطأ قبيحا، وهو كذا وكذا، وواقفه عليه.
وقل له: لا يخلو أمري معك من حالين:
إمّا كشفت خطأك للناس، ففضحتك في الصناعة بما تنكبني به من المال، وألزمت بعد ذلك ما يبقى في المؤامرة، وهو يسير.
وإمّا تفضلت بإبطال هذه المؤامرة، وأبطلت عنّي مالها، وسترت على نفسك خطأك، وارتفقت مني، مع هذا، بما شئت، وابذل له مرفقا جليلا، فإنّ حذره على صناعته، وحبّه للمرفق، سيحمله على
إبطال المؤامرة، وتخريقها.
فإن امتنع من ذلك، واقفته على الخطإ بين الملإ، فإنّه يوجب عليه أن يسقط عنك ما خرّجه في أصول غلّات الناحية، وهو شطر المال.
قال الرجل: فمضيت إلى عليّ بن عيسى سحرا، إلى منزله، فحين رآني، قال: ما عملت في جواب المؤامرة؟
قلت: بيننا شيء أقوله سرا.
قال: أدن.
فدنوت منه، فقلت له ما قاله لي ابن الفرات بعينه، وفتحت المؤامرة، ووقفته على الموضع.
فحين رآه اغتمّ، وقال: يا هذا، قد وفّر الله عليك المرفق، فإنّ مرفقي في هذا الأمر التيقّظ على الخطإ الواقع منّي، وستره على نفسي، والحذر من مثله مستأنفا، وقد أسقط الله عنك جميع المؤامرة، ولن تسمع بعدها لفظة في معناها، والله بيني وبين ابن الفرات، فإن هذا من تعليمه لك، وليس أنت ممن يعرف مثله.
قال: فمضيت من عنده، وقد زالت المطالبة، وربحت المرفق، وعدت إلى ابن الفرات، فحدثته، فضحك.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع