من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
الوزير ابن الفرات يفحم مناظريه ويكاد يأكلهم
واخبرني بعض الكتّاب، قال:
كان ابن الفرات قد صودر على ألف ألف وستمائة ألف دينار، فأدّى جميعها في مدّة ستة عشر شهرا، من وقت القبض عليه، وكان في الحبس، يتوقّع أن يطلق.
فخاف عليّ بن عيسى، وحامد بن العبّاس، من إطلاقه، فتشاورا في شيء يستعملانه مع المقتدر، يمتنع معه من إطلاقه.
قال: وكان أبو زنبور، قد استقدم ليحاسب، وكان من صنائع عليّ بن عيسى في وزارته الأولى.
فلما ولي ابن الفرات، أقرّه، وأحسن إليه، فكان أبو زنبور يحمل إليه في كلّ شهر عشرة آلاف دينار، مرفقا عن أعماله، ويخفيها، فتصل في أعدال البزّ، وما يشاكل ذلك.
فقال عليّ بن عيسى، لحامد: ما أشكّ أنّ ابن الفرات، قد كان يرتفق من عامل مصر، بمرفق جليل، فنحضر أبا زنبور، ونسأله عن ذلك.
فأحضراه، وسألاه عن مرفقه، فكشف لهما عن الصورة، وصدّقهما
عنها، ولم يكن فيه من الفضل ما يخفي ذلك، على الرجل ونفسه.
فقال عليّ بن عيسى: هذا مال عظيم، فخذ خطّ أبي زنبور، بأنّه كان يحمل إليه ذلك، واعرضه على الخليفة.
ففعلا ذلك، وعرضاه عليه، وقالا له: يجب أن يطالب بذلك.
فقال الخليفة: أخرجوه [ ط]، وطالبوه، بعد أن تناظروه.
قال: فجلس حامد بن العبّاس، وعليّ بن عيسى، ونصر القشوري وابن الحواري، وأحضروا أبا زنبور معهم، واستدعوا ابن الفرات من محبسه ليناظروه.
وكان شفيع المقتدريّ، يتعصّب لابن الفرات، ويعتني بأمره، ويقوم فيما بينه وبين الخليفة، فقال للمقتدر: يا مولاي، إنّ ابن الفرات منكوب، وهؤلاء أعداؤه، ولعلّه أن يجيبهم بجواب لك فيه فائدة، فلا يبلغونك إيّاه، فأنفذ من يحضر المجلس، ويرقي إليك ما يجري.
فقال له: إمض أنت، وافعل هذا.
قال: فخرج شفيع، فوجد ابن الفرات، في الصحن، وقد أخرج من محبسه، وهو يمشي، ليدخل مجلس الوزير.
فقال له: اثبت، فإنّي معك.
ن
فقويت نفسه، ودخل المجلس، وحامد في صدر دست عظيم، برسم الوزارة، في دار الخلافة، وعلي بن عيسى عن يمينه، وبجنبه ابن الحواريّ، ونصر القشوري عن يساره، وبجنبه أبو زنبور.
فسلّم ابن الفرات، وتخطّى حتى جلس بين يدي حامد، فرفعه قليلا.
وخاطبه ابن الفرات بالوزارة، وسلّم على عليّ بن عيسى، وأدار عينه في المجلس، فعرف كلّ من فيه، إلّا أبا زنبور، فإنّه كان لغيبته بمصر، لم يشاهده قط.
فقال لمن كان إلى جانبه: من هذا؟
فقال له: هذا أبو زنبور عامل مصر.
فأحسّ ابن الفرات، بأنّه في بليّة سببها أبو زنبور. فقال: تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه.
قال: وكان أبو زنبور قصيرا دميما مقبّحا.
فقال أبو زنبور في الحال: لوددت أنّ الأرض ابتلعتني قبل ذلك.
قال: فقال له حامد، وعليّ بن عيسى: هذا فلان بن فلان، عامل مصر، قد ذكر أنّه كان يرفقك في كل شهر، من مال عمله، بعشرة آلاف دينار، تكون لمدة ولايتك، كذا وكذا، وما حملت لبيت المال شيئا منها، ويجب الآن عليك أداءها، فما تقول؟
فقال لهما: إنّ هذا- وأومأ إلى أبي زنبور- إن كان قد أمر بالسعاية، بوزير عامله، فكشف ستره في أيّام نكبته، وسعى بمرفق أرفقه به في حال ولايته، وأبان بذلك عن قدر عقله، وأمانته، وعقل من يركن إليه مستأنفا، فإنّه قد صدق فيما أخبر به.
ولم أكن لأرتفق هذا منه، لأدع له شيئا من مال السلطان، ولا لأمكّنه
من اقتطاعه، ولكن لأمهله من وقت إلى آخر، وأزيد في إكرامه، ومخاطبته، وأرفّهه عن إنفاذ المستحثّين، ومن تلزمه عليهم المؤونة التي لا يجب الاحتساب بمثلها، وكلّما يرتفق الوزراء من العمال، قديما، وحديثا [فهذا سبيله].
وإنّما صودرت على ألف ألف وستمائة ألف دينار، أدّيتها صلحا، عن هذا ومثله وشبهه، وإلّا فأي شيء كان موجب مصادرتي إلّا عن هذا وما يشبهه؟ فالمصادرة قد غسلت عنّي هذا كله.
ولكن، قد وجب على أبي زنبور من هذا المرفق، باعترافه [ ط] لمدّة عطلتي وحبسي، وهي ستة عشر شهرا، مائة ألف وستون ألف دينار.
فإن كان أرفق الوزير أعزّه الله بها، فقد سقطت عنه، والكلام فيها بين الخليفة والوزير، وإن كان لم يحملها إليه، فيجب الآن أن يحملها إلى أمير المؤمنين.
قال: فقام شفيع في الحال.
فقال له عليّ بن عيسى: إلى أين يا أبا اليسر؟
قال: إلى مولانا، أحكي له ما جرى، فإنّه أنفذني لهذا السبب، وأمرني به، ومضى.
وحمل ابن الفرات إلى حبسه.
فعاد شفيع، وقال: يقول لكم مولانا، لا يبرح أحد منكم، أو تحمل إليّ هذه المائة ألف وستون ألف دينار، كيف شئتم.
فقال عليّ بن عيسى: جئنا به لنصادره، فصادرنا.
فألزموا أبا زنبور معظم المال، وعاونوه بشيء تحمّل قسطه حامد، وعليّ بن عيسى.
وضمنوا المال، ثم انصرفوا.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع