تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

أفضل ما يخلف المرء لعقبه صديقا وفيا

حدّثني أبو القاسم الجهنيّ، قال:

كنت بحضرة أبي الحسن بن الفرات، وابن الجصّاص حاضر، فتذاكروا ما يعتقده الناس لأولادهم.

فقال ابن الفرات: ما أجلّ ما يعتقده الناس لأعقابهم؟

فقال بعض من حضر: الضياع.

وقال بعضهم: العقار.

وقال آخرون: المال الصامت.

وقال آخرون: الجواهر الخفيفة الثمن، فإنّ بني أمية سئلوا: أي الأموال كانت أنفع لكم في نكبتكم؟ فقالوا: الجوهر الخفيف الثمن، كنّا نبيعه، فلا نطالب بمعرفة، ولا يتنبّه علينا به، والواحدة منه أخفّ محملا من ثمنها، وابن الجصّاص ساكت.

فقال له ابن الفرات، كالمستهزئ به: ما تقول أنت يا أبا عبد الله؟

فقال: أجلّ ما يعتقده الناس لأولادهم، الصنائع والإخوان، فإنّهم إن اعتقدوا لهم ضياعا، أو عقارا، أو صامتا، من غير إخوان، ضاع

ذلك وتمحق، وأحدّث الوزير أعزّه الله بحديث جرى منذ مدّة، يعلم معه صدق قولي.

فقال له ابن الفرات: ما هو؟

فقال: الناس يعلمون أنّي صنيعة أبي الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون، وكان رجلا مستهترا بالجوهر، يعتقده لنفسه، وأولاده، وجواريه.

فكنت جالسا يوما في داري، فجاءني بوّابي، فقال: بالباب امرأة تستأذن، في زيّ رثّ، فأذنت لها، فدخلت، فقالت لي: تخلي لي مجلسك، فأخليته.

فقالت لي: أنا فلانة، جارية أبي الجيش.

فحين قالت ذلك، ورأيت صورتها، عرفتها، وبكيت لما شاهدتها عليه، ودعوت غلماني ليحضروني ما أغيّر به حالها.

فقالت: لا تدع أحدا، فإنّي أظنّك دعوتهم لتغيير حالي، وأنا في غنية وكفاية، ولم أقصدك لذلك، ولكن لحاجة هي أهمّ من هذا.

فقلت: ما هي؟

فقالت: تعلم إنّ أبا الجيش، لم يكن يعتقد لنا إلّا الجوهر. فلما جرى علينا بعده من طلب السلطان، ما جرى، وتشتّتنا، وزال عنّا ما كنّا فيه، كان عندي جوهر قد سلّمه إليّ، ووهبه لي، ولابنته [ ط] منّي فلانة، وهي معي هاهنا.

فخشيت أن أظهره بمصر فيؤخذ مني، فتجهّزت للخروج، وخرجت

على هيأة زريّة، مستخفية، وابنتي معي، فسلّم الله تعالى، ووصلنا هذا البلد، وجميع مالنا سالم.

فأخرجت من الجوهر شيئا، قيمته على أبي الجيش خمسة آلاف دينار، وصرت به إلى سوق الحرّازين فبلغ ألفي دينار.

فقلت: هاتم.

فلما أحضروا المال، قالوا: أين صاحب المتاع؟

قلت: أنا هي.

قالوا: ليس محلّك أن يكون هذا لك، وأنت لصّة، فتعلّقوا بي وجذبوني، ليحملوني إلى صاحب الشرطة.

فخشيت أن أقع في يده فأعرف، فيؤخذ الجوهر، وأطالب أنا بمال، فأخرج الباقي.

فرشوت القوم بدنانير يسيرة كانت معي، وتركت الجوهر عليهم، وأفلتّ.

فما نمت ليلتي غمّا على ما ذهب، وخشية الفقر، لأنّ ما لي هذا سبيله، فأنا غنيّة فقيرة، فلم أدر ما أفعل.

فذكرت كونك ببغداد، وما بيننا وبينك، فجئتك، والذي أريده منك جاهك، تبذله لي، حتى تتخلّص لي ما أخذ مني، وتبيع الباقي، وتحصّل لي ثمنه مالا، وتشتري به لي ولابنتي عقارا، نقتات من غلّته.

قال: فقلت: من أخذ منك الجوهر؟

فقالت: فلان.

فأحضرته، فجاءني، فاستخففت به، وقلت: هذه امرأة من داري،

وأنا أنفذتها بالمتاع لأعرف قيمته، ولئلا يراني الناس أبيع شيئا بدون قيمته، فلم تعرّضتم لها؟

فقال: ما علمنا ذلك، ورسمنا- كما تعلم- لا نبيع شيئا، إلّا بمعرفة، ولما طالبناها بذلك اضطربت، فخشينا أن تكون لصّة.

فقلت له: أريد الجوهر الساعة، فجاءني به، فلما رأيته عرفته، وكنت أنا اشتريته لأبي الجيش بخمسة آلاف دينار.

فأخذته منهم، وصرفتهم.

وأقامت المرأة في داري، ونقلت ابنتها إليّ، وأخرجت الجوهر، فألّفته عقودا، وعرضته، وتلطفت لها في بيعه بأوفر الأثمان، فحصل لها منه أكثر من خمسين ألف دينار.

فابتعت لها بذلك ضياعا وعقارا ومسكنا، فهي تعيش به وولدها، إلى الآن.

فنظرت، فإذا الجوهر لمّا كان معها بلا صديق، كان حجرا، بل كان سببا لمكروه يجري عليها، وقد رشت على الخلاص منه دنانير، ولما وجدت صديقا يعينها، حصّل لها منه هذا المال الجليل.

فالصديق أفضل العقد.

فقال ابن الفرات: أجدت يا أبا عبد الله.

ثم قال لنا: الناس ينسبون هذا الرجل إلى الغفلة، وقد سمعتم ما يقول، فكيف يكون مثل هذا مغفّلا؟

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.