تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

أبو القاسم الجهني

يفخر بأنّه قد أجهد نفسه فيما لا يليق بالرجل الحرّ حدّثني أبو القاسم الجهنيّ، قال:

جرى بيني وبين محمد بن خلف، القاضي وكيع، ملاحاة في شيء، بحضرة أبي الحسن بن الفرات، فولّدت بيننا عداوة، فبحثت عن عيوبه.

فبلغني أنّ له أبا ساقطا في أصحاب الصناديق بباب الطاق، فركبت حتى جئت إليه، فرأيته يعمل الصناديق بيده، وفاتشته، فإذا هو أسقط رجل، وأجهله.

وانصرفت فكاتبت جماعة من وجوه الشهود بالجانبين، وأشرافهم من البطنين، وأكابر التجّار والكتّاب والتنّاء، وواعدتهم بحضور مسجد هناك كبير، فحضر خلق كثير.

وركبت، فحين حصلت هناك، قلت: عليّ بخلف الصناديقي، فجاءوا بالشيخ كما أقيم من العمل، وآلته معه، ويده ملوّثة، كما كنت وصيّتهم.

فقلت لهم: أعزّكم الله، إنّي كنت سألتكم الحضور لأخاطب هذا الشيخ بحضرتكم بشيء آخذ خطوطكم به، فاحفظوا ما يجري.

ثم قلت: يا شيخ، من أنت؟

قال: أنا خلف بن فلان.

قلت: وكيع القاضي، من هو منك [ ط]؟

قال: ابني.

فقلت لمن حضر من شيوخ المحلّة: هو كما قال؟

فقالوا: نعم.

قلت: أنت بهذه الصورة مع اتّساع حال ابنك؟

قال: لأنّه عاقّ بي، فعل الله به وصنع، ودعا عليه.

فقلت له: يا شيخ، تحفظ القرآن؟

قال: أحفظ منه ما أصلّي به.

فقلت: تحسن شيئا من القراءات؟

قال: لا.

قلت: وكتب الحديث قط؟

قال: لا.

قلت: رويت من الأخبار، والآثار، والآداب، والأشعار شيئا؟

قال: لا.

فلم أزل أعدّد عليه العلوم وأصنافها، وهو يقول لا، لا.

قلت: فتحسن شيئا من النحو أو العروض أو المنطق؟

قال: لا.

فقلت: أعزّكم الله، إنّ وكيعا رجل كذّاب، متعاط للعلم والأدب، ولم آمنه في الكذب على رسول الله ﷺ، والكذب في العلوم،

وأن يجعل ذلك طريقا متى مات هذا الشيخ، فيقول: حدّثني أبي، وأخبرني أبي، ويضع على لسانه كلّ كذب.

فأردت أن تحفظوا على هذا الشيخ ما ذكره من انّه ليس من هذا [الأمر]، ولا إليه، حتى لا يمكنه ادّعاء ذلك عليه بعد موته، وأن تعرفوا أيضا فسقه بعقوقه والده، وسقوط مروءته، بتركه أباه على هذه الحال.

قال: فما فارقتهم حتى أخذت خطوطهم بما جرى، على أشنع شرح قدرت عليه، وأجابوا هم إليه.

وصرت بالمحضر معي إلى مجلس الوزير، وتركته في خفيّ، وأجريت الحديث مع وكيع، إلى أن شاغبته في الكلام، وقلت: لا تسكت يا ابن الصناديقي الجاهل، فامتعض.

وأخرجت المحضر، وعرضته على الوزير، وسألته أن ينفذ ويستدعي أباه ويشاهده.

فضحك الوزير، وسقط وكيع من عينه.

وقامت قيامته من يدي.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.