من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
أبو القاسم الجهني يتولى الحسبة بالبصرة
وولي أبو القاسم الجهنيّ، عندنا بالبصرة، الحسبة، من قبل أبي جعفر الصيمريّ، فسمعت إذ ذاك، شيوخنا، يقولون:
إنّهم ما شاهدوا ولا سمعوا، من بلغ مبلغه، في ضبط العامّة، ورفع الغشوش، ومن عرف من أسرار الصنائع، والأمتعة، ما عرفه، حتى كأنّه لا يحسن شيئا غيرهما، مثله.
وطالب الناس بمطالبات صعبة، فانتشر له حديث عظيم جميل، في البلد بذلك، وهيبة في نفوس الأكابر، فضلا عن الأصاغر.
فاجتاز يوما وبين يديه رجّالته، بمؤذّن يؤذّن لبعض الصلوات، فقالوا: الجهنيّ، والجهنيّ.
فتطلّع المؤذّن، فرآه، فقال: الحمد لله الذي لم يجعل لك عليّ طريقا، فقال للرجّالة: خذوه إلى الدار.
فضجّ من ذلك، وقام معه الجيران، وجاءوا، ونزل الجهنيّ في داره:
فأدخلهم.
فقالوا له: أمرت بإحضار هذا الرجل المؤذّن، فأيّ طريق لك عليه؟
فقال: تحتاج أن تحلف لي أن لا تدخل المسجد بالنعل الذي تدخل به
الكنيف، فإنّ هذا يفسد صلاة الناس، ولا يحلّ، ولا تؤذّن وأنت جنب.
فسألوه أن يعفيه، [فأبى]، وقال: إمّا أن يحلف أو لا يدخل المسجد، فما زال به حتى أحلفه على ذلك.
فلما أراد الانصراف، قال له: يا شيخ، الآن علمت أنّ لي عليك طريقا، وإنّ بيننا معاملة، أم لا؟
فقال: أيّدك الله، أخطأت، ولم أعلم.
فقال: لا تعاود الكلام فيما لا تحتاج إليه، فإنّ الفضول ضارّ.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع