تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم

حدّثني القاضي أبو عمر عبيد الله بن الحسين المعروف بابن السمسار، قال: حدّثني أبو علي بن إدريس الجمّال الشاهد، قال: حدّثني أبو عبد الله بن أبي عوف، قال:

كان سبب اختصاصي بعبيد الله بن سليمان»

، أنّي جزت يوما في الجامع بالمدينة، فوجدته وهو ملازم في يد غريم له، في عقب النكبة، بثلاثمائة دينار، وكنت أعرف محلّه من غير مودّة بيننا.

فقلت له: لأيّ شيء أنت هاهنا أعزّك الله جالس وما مضيت إلى الصلاة؟

فقال: ملازم في يد هذا بثلاثمائة دينار عليّ.

فسألت الغريم إنظاره، فقال: لا أفعل.

قلت: فالمال لك عليّ، تصير إليّ بعد أسبوع حتى أعطيك إياه.

فقال: تعطيني خطّك بذلك.

فاستدعيت دواة ورقعة، وكتبت له ضمانا بالمال إلى شهر، فرضي وانصرف.

وقام عبيد الله فأخذ يشكرني.

فقلت: تمّم أيّدك الله سروري، بأن تصير معي إلى منزلي.

فحملته وأركبته حماري، ومشيت خلفه، إلى أن دخل داري، فأكلنا ما كان أصلح لي في يوم الجمعة، كما يفعل التجّار، ونام.

فلمّا انتبه، أحضرته كيسا، وقلت: لعلّك على إضاقة، فأسألك بالله، إلّا أخذت منه ما شئت.

قال: فأخذ منه دنانير، وقام فخرج.

فأقبلت امرأتي تلومني وتوبّخني، وقالت: ضمنت عنه ما لا يفي به حالك، ولم تقنع إلّا بأن أعطيته شيئا آخر.

فقلت: جميلا أسديته، [ويدا جليلة]، وهو رجل حرّ كريم، كبير جليل، من بيت وأصل، فإن نفعني الله به فذاك، وإن تكن الأخرى فلن يضيع عند الله.

[ومضى على الحديث مدة، وحلّ الدين، وجاء الغريم يطالبني، فأشرفت على بيع عقاري، ودفع ثمنه إليه، ولم أستحسن مطالبة عبيد الله] ودفعت الرجل بوعد وعدته إلى أيّام.

فلما كان بعد يومين من هذا الحديث، جاءتني رقعة عبيد الله يستدعيني، فجئته.

فقال: قد وردت عليّ غليلة من ضيعة لي، أفلتت من البيع في النكبة، ومقدار ثمنها [مقدار] ما ضمنت عني، فتأخذها، وتبيعها [ ط]

وتصحّح ذلك للغريم. فقلت: أفعل ذلك.

فحمل الغلّة إليّ، فبعتها، وحملت الثمن بأسره إليه، وقلت له: أنت مضيق، وأنا أدفع الغريم، وأعطيه البعض من عندي [فاتّسع أنت بهذا.

فجهد أن آخذ منه شيئا، فحلفت أن لا أفعل، ووفّرت الثمن عليه.

وجاء الغريم، فألحّ عليّ، فأعطيته من عندي البعض]. ودفعت به مديدة.

فلم يمض على ذلك إلّا شيء يسير، حتى ولي عبيد الله الوزارة، فأحضرني من يومه، وجعلني في السماء، وقام لي في مجلسه، وكسبت به الأموال، وقدر هذه النعمة التي أنا فيها.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.