من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
الوزير عبيد الله بن سليمان والجهبذ اليهودي سهل بن نظير
حدّثني أبو الفضل محمد بن عبد الله بن المرزبان الكاتب الشيرازيّ، قال:
حدّثني سهل بن نظير اليهوديّ الجهبذ، قال: حدّثني جدّي سهل بن نظير، وكان يتجهبذ للوزير على قديم السنين، منذ أيّام الفتنة، وإلى أن مات، قال:
لما نكب عبيد الله بن سليمان، بعد كتبته للموفّق، النكبة العظيمة، كنت أتوسّم فيه الرفعة، وعلوّ الحال، فكنت أحمل إلى عياله، في كل شهر مائة دينار، وهو في الحبس، ثم أطلق، فكنت أحملها إليه، إلى أن وليّ الوزارة، فعرف لي ذلك، وبلغ بي كلّ مبلغ، وشكرني عليه أتمّ شكر.
قال: ثم إنّ عبيد الله، نكب جرادة الكاتب، وكانت قد جرت له عليّ الرئاسة، وعلى الناس والرؤساء، وكان له إحسان سالف إليّ كثير، فكنت أحمل إلى عياله، في كل شهر، مائة دينار، وأحدر به إلى البصرة.
قال: فبلغ ذلك عبيد الله بن سليمان، وأنا لا أعلم، فدخلت إليه يوما، فقال لي: يا سهل، بارك الله لك في عداوتنا.
قال: فقلت له: أيّها الوزير، من أنا حتى أعاديك، وأنا أخسّ كلب ببابك؟
قال: وأكثرت التنصّل، والتهيّب، وبكيت، وقلت: يا سيّدي، ما هذا الكلام؟ إن كان شيء رقى إلى الوزير أيّده الله، عنّي، واقفني عليه، ولعلّ عندي فيه، حجّة، أو برهانا، على بطلانه.
قال: فقال لي: تحمل إلى عيال جرادة، في كل شهر مائة دينار.
قال: فقلت: أيّها الوزير، أنا ما فعلت هذا، ولا تجاسرت عليه، إنّما فعله الرجل الذي كان يحمل إلى عيال الوزير- أيّده الله- مائة دينار في كل شهر رعاية لحقّ إحسانه إليه، فرعى لجرادة أيضا إحسانا له إليه أيضا، فحمل إليه، مثل ما كان يحمل، إلى عيال الوزير- أيّده الله-.
فاحمرّ وجهه خجلا، وأطرق، وسكت مليّا، ثم تصبّب وجهه بالعرق، وقلت: قبض والله عليّ، ونكبني.
قال: فأسقطت.
فرفع رأسه، وقال: أحسنت يا سهل، ما ترى بعد هذا منّي إنكارا، ولا بقي في نفسي عليك شيء، فأجرهم على رسمهم، ولا يوحشك ما خاطبتك به.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع