تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

الصوفي المتوكل وجام فالوذج حار

حدّثني محمد بن هلال بن عبد الله، قال: حدّثنا القاضي أحمد بن سيّار، قال: حدّثني رجل من الصوفيّة، قال:

كنت أصحب شيخا من الصوفية، أنا وجماعة في سفر، فحدّثني حديث التوكّل، والأرزاق، وضعف النفس فيهما، وقوّتها.

فقال ذلك الشيخ: عليّ وعليّ، لا ذقت مأكولا، أو يبعث إليّ بجامة فالوذج حار، ولا آكل إلّا بعد أن يحلف عليّ.

قال: وكنّا نمشي في الصحراء.

فقالت له الجماعة: الآخر جاهل.

ومشى ومشينا، وانتهينا إلى قرية، ومضى عليه يومان، وليلتان، لم يطعم فيهن شيئا.

ففارقته الجماعة، غيري، فإنّه طرح نفسه في مسجد القرية، مستسلما للموت ضعفا، فأقمت عليه.

فلما كان في ليلة اليوم الرابع، وقد انتصف الليل، وكاد أن يتلف الشيخ، فإذا بباب المسجد قد فتح، وإذا جارية سوداء، ومعها طبق مغطّى.

فلما رأتنا، قالت: أنتم غرباء، أو من أهل القرية؟

فقلنا: غرباء.

فكشفت الطبق، فإذا بجام فالوذج، يفور لحرارته.

فقالت: كلوا، فقلت له: كل، فقال: لا أفعل.

فقلت له: والله لتأكلنّ، لأبرّ قسمه، فقال: لا أفعل.

قال: فشالت الجارية يدها، فصفعته صفعة عظيمة، وقالت: والله، لئن لم تأكل لأصفعنّك هكذا، إلى أن تأكل.

قال: فقال: كل معي.

فأكلنا، حتى نظّفنا الجام، وجاءت الجارية تمضي.

فقلنا لها: مكانك، أخبرينا بخبرك، وخبر هذا الجام.

فقالت: نعم، أنا جارية رجل هو رئيس هذه القرية، وهو رجل أحمق حديد، فطلب منّا منذ ساعة، فالوذجا، فقمنا لنصلحه، وهو شتاء وبرد، فإلى أن تخرج الحوائج من البيت، وتشعل النار، ويعقد الفالوذج، تأخّر عنه.

فطلبه، فقلنا: نعم، وطلبه ثانيا، ولم نكن فرغنا منه، وطلبه الثالثة، فحرد وحلف بالطلاق، لا يأكله، ولا أحد من داره، ولا أحد من أهل القرية، ولا يأكله إلا رجل غريب.

فجعلناه في الجام، وخرجنا نطلب في المساجد رجلا غريبا، فلم نجد، إلى أن انتهينا إلى هذا المسجد، فوجدنا كما، ولو لم يأكله هذا الشيخ، لقتلته ضربا، إلى أن يأكل، لئلّا تطلق ستّي من زوجها.

قال: فقال الشيخ: كيف ترى، إذا أراد أن يرزق؟

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.