من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
شغف المتوكل بالعود الهندي
حدّثني الحسين بن محمّد الجبائي، قال: حدّثني أبو القاسم عمرو ابن زيد البزّاز الشيرازيّ، المقيم ببغداد، قال: حدّثني ابن حمدون النديم، عن آبائه، انّ أحدهم أخبره:
إنّ المتوكل، كان مشغوفا بالعود الهندي، فشكا إليه ذات ليلة، إعوازه، قال: فقلت له: يا أمير المؤمنين، الملوك لا تستقبح أن تستهدى من الملوك، طرائف ما في بلادها، فلو أنفذت إلى ملك الهند، هديّة حسنة، واستهديت منه عودا هنديا، ما كان ذاك عيبا.
قال: فتكون أنت الرسول.
فأبيت.
فألزمني، إلى أن أجبت، فتمنّيت أنّي لم أكن أشرت عليه بالرأي، وإن كان صحيحا، لأجبر على الخطر بالنفس، وقلت في نفسي: قد كان يسعني السكوت.
وأعدّ المتوكّل الهدايا، وتأهّبت للخروج، ووصّيت، لإيآسي من الرجوع.
فلما أجدّ بي الخروج، قلت: ليس إلّا أن أحمل معي شرابا كثيرا، فإذا اشتدّت الأمواج، شربت، وسكرت، ولا أعقل إن غرقت، ولا أحسّ بعظم الأمواج، مع السكر.
فاستكثرت من الشراب القطربّلي والغناء الحسن، والتفاح الشاميّ، وجعلت بعضه في العسل، ليبقى.
وخرجت، فأقمت بالبحر شهورا، وعانيت أهوالا عظيمة، إلى أن وصلت إلى الساحل من بلد الهند، فأركبت الظهر، وسرت من بلد إلى آخر، إلى أن دخلت بلهوار، دار الملك الأعظم من ملوك الهند، وهو اسم الملك الأعظم هنالك.
فوصلت إلى البلد، مع أصحابه، وقد تلقّيت، وأكرمت، وخدمت، وأنزلت دارا حسنة، من دورهم.
ثم جلس مجلسا عاما، فدخلت إليه، وهو في حفله، وتأهبّه، وجيشه، ورعيّته، وقد جلس على سرير ملكه، وعليه مئزران حرير صينيّ، وقد اتّشح بأحدهما، واتّزر بالآخر، وفي حلقه خيط فيه صرّة من ذلك الحرير، لا أدري ما فيها.
وكلّمني بترجمانه، وقال: يقول لك الملك، لأيّ شيء قصدت؟
فقلت له: إن أمير المؤمنين أحب صلة الحال والمودّة بينه وبينه، فبعثني لذلك، وحمل على يدي هداياه، وسألت أن يأمر بتسلّمها.
فأعاد الترجمان عنه، جوابا حسنا جميلا، وإنّه أمر بقبض الهديّة، وانصرفت، ورسله معي، فتسلّمها.
وتردّدت إلى المجالس العامّة، دفعات.
فلمّا كان بعد أيّام، استدعاني في نصف نهار، وكان الزمان حارّا، فدخلت دار العامّة التي كنت أصل إليه فيها، فلم أجد فيها كثير أحد، فأدخلت من موضع إلى آخر، حتى أدخلت إليه، وهو جالس في حجرة في غاية الحسن، والسرو، والظرف، والملاحة، وفاخر الآلات، كأنّها من حجر دار الخلافة، ودست طبريّ في نهاية الحسن، والملك جالس فيه، وعليه قميص قصب في نهاية الخفّة والحسن، وسراويل دبيقيّ، بتقطيع بغدادي، وعلى مسورته رداء قصب فاخر جدا، وبين يديه آلات ذهب، وفضّة، وصياغات كثيرة عراقيّة، كلها حسنة، مملوءة بالكافور والماورد، والعنبر، والندّ، والتماثيل.
فلما دخلت، كلّمني بالعربيّة، بلسان طلق ذلق، وقال: كيف أنت من قشف بلادنا؟
فشكرت إنعامه، وقرّظت بلاده، وذكرت له أنّي في ريف من تفقّده، وبرّه.
فباسطني، وطاولني، واستطاب حديثي، وأفضت معه في فنون من الأمور، حتى تكامل انبساطه إليّ.
وتأمّلت أمره كله، فإذا رجل عراقيّ، متأدّب.
فسقاني من شراب بين يديه، أصفر، في قدح، في صينيّة، وقال: اشرب هذا، وقل لي، هل عندكم مثله؟
فقبّلت يده، وقبّلت القدح، وشربته، وقلت: هذا، في نهاية الطيب والحسن والجودة.
فقال: أصدقني، هل عندكم مثله؟
فوصفت له الشراب القطربّلي، وذكرت منافعه، وفضائله، وطيبه، وزدت في الوصف، وبسطته، فرأيت في عينه، استبعادا لقولي.
فقلت له: إنّي كنت استصحبت منه شيئا في طريقي، وقد فضل منه فضلة، لا أرضاها لحضرة الملك، ولكن إن أمر بإحضارها، ليعتبر بها صحّة ما ذكرته له، أحضرتها.
فقال: افعل.
فقلت لغلامي: احمل كلما بقي عندنا من الشراب، فجاء الغلام بأدنّ يسيرة.
وقلت له: أن يحمل شيئا من التفاح الشاميّ.
فحمل ممّا كان في العسل، عدّة تفاحات، ومسحها من العسل، وكان في بعضه قد بقيت منه بقيّة صالحة.
فلمّا وضعت الدنان بين يديه، أمرت غلامي، ببزلها في قدح، وشربت منه أوّلا، ثم دفع إليه، فاستحسن ذلك.
ثم أخذ التفّاح، فلما رأى لونه، رأى شيئا غير ما عنده، وشمّه، فكاد أن يشهق استطابة، وشربه، وتقدّح بشيء من التفّاح، وقد كنت كسرت واحدة، وأكلت نصفها في حال شربه، وتركت النصف الآخر بين يديه، فتنقّل به، ومسح فاه.
ثم قال لي: ما ظننت أنّ في الدنيا مثل هذا الشراب، ولا مثل هذا
النّقل، ولقد بعد في نفسي ما أخبرتني به، فلما شاهدته صدّقتك، وعظم في نفسي بلد يكون مثل هذا فيه مبتذلا، ولم أصدّق ذلك لو لم أشاهده.
ثم قال لي: ويحك، تشربون مثل هذا، وتتنقّلون بمثل هذا، وتموتون؟
إنّ هذا لأمر عجيب.
ثم صار يستدعيني، كلّ يوم، إلى تلك الحجرة، فآكل معه، ونشرب، ويخرج إليّ بالأحاديث.
فلما أنست به، قلت له: أيّها الملك، أتأذن لي، أن أسأل عن شيء؟
قال: قل.
قلت: إنّ الله ﷿، قد جمع لك من الملك العظيم، أنّك جالس في هذه الحجرة في قطعة من دار الخلافة بالعراق، بلا فرق ولا شكّ، وقد أعطاك من حسن الرأي والفهم، واللسان العربيّ، ما جعلك به، كأنّك رجل من أهل بغداد، فمن أين لك هذا؟
فقال: ويحك، إنّ أبي كان من أولاد الملوك، وقتل أبوه، وانتزى على ملكه بعض قوّاده، ثم خرج عليه، ولم يكن من أهل بيت الملك، فهرب أبي خوفا على دمه، إلى عمان، فدخلها مستخفيا، وتنقّل في البلدان، إلى أن وقع ببغداد، في زيّ التجّار، ومعه من يخدمه، ويكتم أمره، وطاف بلدان العراق، وكانت المادة تحمل إليه من هاهنا.
فأقام بالعراق سنين، حتى تفصّح بالعربية، وعاشر أهل العراق، ونكح منهم، وخالطهم، وتطاولت السنون به، ومات ذلك الخارجيّ، الذي قتل أباه، وغصبه الملك، فأوقف أهل المملكة الملك عليه، وكاتبوه بالصورة، واستقدموه، وأمدّوه بالأموال، فاستصحب قوما من العراقيّين، من أهل الأدب والعشرة، وأهل الصنائع، فقدم، فملك الأمر، وجعل غرضه،
طلب العراقيين، وأسنى لهم العطايا، فكثروا عنده، فبنوا له هذه الحجرة، وخدموه بهذه الآلات.
فكان يجلس لأهل المملكة في زيّهم، لئلا يشيع عليه مخالفتهم في الزيّ، وينقص بين ملوكهم، فيهون أمره عندهم، ويجلس في خلواته هكذا.
فلما ولدت، أسلمني إلى العراقيين، والهنديّين، فكلّموني باللغتين، فنشأت أتكلّم بهما، ثم أدّبني العراقيّون، وغلبوا عليّ.
فلمّا مات، سلّم الملك إليّ، فاتّبعت طرائقه في الجلوس العام لأهل المملكة بزيّهم، والانفراد عنهم في الخلوة بهذا الزيّ.
قال: فقلت له: فما ذلك الذي تعلّقه في حلقك في الصرّة؟
فقال: هذه الصرّة، فيها عظم من عظام الرجل الذي جاء بعبادة البدّ»
وأقام هذه الشريعة لهم، وله كذا وكذا ألف سنة، وذكر عشرات ألوف سنين.
وقال: إنّ الرجل، لمّا مات، وصّى، بأن يجعل في تابوت، بعد تابوت، كذا وكذا ألف سنة، فما يزال، كلّما بلي شيء من عظامه، احتفظوا بالباقي، ونحّوا البالي، لئلّا يسرع الفساد إلى الصحيح، إلى أن لم يبق منه إلّا هذا العظم الواحد، فخافوا أن يبلى أيضا، فجعلوه في حقّ من ذهب، وجعلوهما في صرّة، وصارت الملوك تعلّقه في حلوقها، في خيط، تعظيما، وتبركا به، وتشرّفا بمكانه، وصيانة له عن البلى، فقد علّق في حلق كذا وكذا ملك، مدّة أيّام ملكهم كذا وكذا سنة، وذكر أمرا عظيما، وقد صار عندنا كالبردة التي لصاحبكم، يلبسها خلفاؤكم.
قال: فلما طال مقامي، وضجرت، سألته الإذن في تسريحي، وأعلمته
إعجاب الخليفة، بالعود الهنديّ، وأشرت عليه بالاستكثار منه، وقلت:
هو أحبّ إليه من جميع ما تهديه إليه، من غيره.
فأنفذ منه شيئا عظيما، هائلا، كثيرا، وفيه من الطرائف ما لم يسمع بمثله.
وأنفذ معه من الجواهر، واليواقيت، والتوتيا، وطرائف بلاده، ما يكون قيمته مالا جليلا، وأضعاف ما حملناه إليه.
فلما أردت توديعه، قال: اصبر، ثم دعا بصندوق، ففتحه، وأخرج منه مفتاح ذهب، وأخرج منه قطع عود هندي لطافا، فأعطانيها، وقد كان قدّ ما أعطانيه نصف رطل، ودعا بدرج، وجعله فيه، وقفله، وسلّمه ومفتاحه إليّ، وقال: هذا خاصّة، توصله من يدك إلى يده.
قال: فأنكرت ذلك في نفسي، وقلت: أبت الهندية فيه إلّا الحمق.
قال: فبان له التنكّر في وجهي. فقال: أظنّك احتقرته؟ فقلت:
وما هذا حتى توصيني فيه بمثل هذا.
فقلت: الملك يقول.
فقال: يا غلام، هات مجمرة، ونارا.
فأتى بهما، ودعا بمنديل لطيف للكمّ، فأتى به، وأخرج من ذلك العود شظيّة، مقدار أقلّ من نصف دانق فضّة، فطرحها في النار، وبخّر بها المنديل، ثم قال: شمّ.
فشممت شيئا، لم أدر ما هو، لا يشبه الندّ، ولا العود، ولا شيئا طيّبا نتبخّر به، ما شممت مثله قط.
فقلت: يحقّ لهذا أن يوصيني به الملك بما وصّى.
فقال: اصبر، حتى أريك منه أعجب ممّا رأيت.
ودعى بطشت وماء، فأحضرهما، وأمر بغسل المنديل بالصابون، فغسل بين يديه، ثم أمر بأن يجفف في الشمس، ويحضر.
قال: ففعل.
ثم قال: شمّه.
فشممت الرائحة بعينها، لم تتغيّر، ولا نقصت.
فأعاد الغسل بالصابون، والتجفيف، دفعات تقارب العشرة، إلى أن انقطعت الرائحة في الأخيرة.
فهالني ذلك.
فقال: اعرف الآن قدر ما معك، واعلم أنّه ليس في خزائن ملوك الهند كلّها، من هذا، رطل واحد، غير ما أعطيتك، وعرّف صاحبك فضيلته.
قال: فودعته، وانصرفت.
ورزق الله السلامة، ودخلت على المتوكّل، فسرّ بقدومي، وأكرمني، وسلّمت إليه الهدايا، فحسن موقعها منه، وأعدت عليه أكثر حديثي مع الملك، إلى أن بلغت خبر النصف رطل عود، وأخرجته، فسلّمته إليه، ولم أشرح له خبر الخرقة. فاستحمق الرجل، كما استحمقته، فقصصت عليه الشرح، وأخرجت المجمرة، والنار، وخرقة، وفعلت كما فعل الملك، فهاله ذلك، أمرا عظيما، وسرّ به سرورا شديدا، وقال: هذا النصف رطل بسفرتك.
قال الحسين: فقال لي عمرو بن زيد: استبعدت أمر هذا العود، إلى أن حدّثني بعض التجّار الثقات، المشهورين بدخول الهند دفعات، بحديث هذا العود، ووصفه لي، فخرج الحديثان واحدا على اتّفاق.
فقلت: هل سمعت من سبب قلّته؟
فقال: سألتهم عن سبب ذلك، فقالوا: ليس ينبت إلّا في موضع واحد، في قلّة جبل، بيننا وبينه مشاقّ، وغرر، وأخطار، ووحوش ضارية كثيرة، فالملوك تتكلّف إنفاق الأموال العظيمة، على مرور الأيّام، والشهور، والأعوام، حتى يصل أصحابهم إلى ذلك الجبل، ويصعدون منه إلى حيث يمكن، فيبلغون إلى حيث لا طريق فيه، ولا حيلة، ويرون تيوسا، كالتيوس الجبليّة التي هاهنا، ترعى في تلك الأشجار من بعد، فربّما اتّفق أن يروا الواحد، وهو في الذروة، وفي فيه قطعة من هذا العود يأكله، فيرمونه بالسهام، فإذا اتفق أن يصيبه السهم، فيسقط التيس إليهم بحميّة السهم، وفي فمه ذلك العود، فيتناولوه من فيه، وإلّا فلا سبيل إلى الحصول على شيء من العود البتة.
ففي سنين طوال، تتفق هذه القطعة اليسيرة، بعد المشقّة العظيمة، على مراصدة الرجال بذلك.
فبهذا السبيل يقلّ.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع