من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
الأمير معز الدولة يطوف في قصور دار الخلافة
حدّثني أبو الحسن، عليّ بن أحمد الحاجب، المعروف بابن الخراسانيّ، وكان يحجب معزّ الدولة، قال:
كنت مع معزّ الدولة يوما في دار الخلافة، بحضرة المطيع لله، فلما انفضّ الموكب، قال لي: قل له: إنّي أريد أن أطوف في الدار، فأراها وأشاهد بساتينها، وصحونها، فيأمر من يطيفني فيها.
قال: فقلت ذلك للخليفة، بالعربية.
فأمر الخليفة، شاهك خادمه، وابن أبي عمرو حاجبه، أن يطيفاه فيها.
فلما مشيا بين يديه، وأنا وراءهما أمشي، وبعدنا عن حضرة الخليفة، وقفا، فقالا: أيّها الأمير إنّه لا يصلح أن تطوف الدار، إلّا ومعك نفسان،
أو ثلاثة، أو نحو هذا، فاختر لنفسك من تريد، وردّ أصحابك.
قال: فأخذ الصيمريّ كاتبه، معه، ونحو عشرة غلمان، من حجّابه، وغلمانه، وترك باقي غلمانه، وجيشه، في صحن السلام.
فتوقّفت أشدّ منطقتي، فسبقني، ودخل مع شاهك، وابن أبي عمرو، ولم ينتظروني، وأسرع في مشيه.
فشددت منطقتي ولحقته، وجذبت ثيابه من ورائه، فالتفت، فقلت بالفارسية: في أي موضع أنت؟ ما لك تعدو على وجهك؟ وليس تعلم انّك في دار قد قتلت ألف أمير ووزير، أيش كان غرضك في طوف هذه الدار وحدك؟ ما كان يؤمنك، لو وقف لنا عشرة من الخدم، أو عشرون نفسا، في هذا الممر الضيّق، فنقتل.
قال: فكنت أكلّمه بالفارسية، وأصحاب الخليفة لا يفهمون.
فقال له الصيمريّ، بالفارسيّة: قد صدقك.
فقال لنا: إن أنا رجعت الساعة، علموا أنّي قد فزعت، فضعفت هيبتي في نفوسهم، ونظروا إليّ بعين جبان، ولكن التفّوا حولي، فإنّ مائة من هؤلاء، لا يقاومونا، ولا صاحبهم يجسر أيضا، على الحيلة عليّ.
وتسرّع في مشيه، حتى انّنا لم نثبت ما شاهدناه، حقّ تثبيته.
حتى انتهينا إلى دار فيها صنم من صفر، على صورة امرأة، وبين يديها أصنام صغار، على صور الوصائف، فما رأينا شيئا قط، أحسن من ذلك، وخاصّة المرأة.
قال: فتحيّر معز الدولة، وسأل عن ذلك، وقالوا: هذا صنم يقال
له: شغل، حمل إلى المقتدر من بلد من بلدان الهند، وكان يعبده أهل ذلك البلد، ففتحه صاحب عمان، وملكه، وحمل الصنم.
فقال معزّ الدولة: قد والله عشقت هذا الصنم، لحسنه، ولو كان جارية، مع زهدي في الجواري، لاشتريتها بمائة ألف دينار، وأريد أطلبه من الخليفة، ليكون قريبا مني، فأراه في كلّ وقت.
فقال له الصيمريّ: لا تفعل، فإنّك تنسب في ذلك، إلى أخلاق الصبيان.
قال: وأسرعنا الطوف، والخروج، فما عقلنا، ولا رجعت نفوسنا إلينا، حتى صار مع عسكره، وغلمانه.
فلما نزل إلى طيّاره، التفت إلى الصيمريّ، وقال: يا أبا جعفر، قد زادت محبّتي للخليفة، لأنّه لو كان يضمر لي سوءا، وكان فيه شرّ، لكان قد قتلني اليوم بأسهل حيلة.
فقال له الصيمريّ: الأمر كذلك، فاحمد الله.
قال: فلما رجع إلى داره، أمر أن يحمل إلى نقيب الطالبيّين عشرة آلاف درهم، ليفرّقها فيهم، شكرا لله ﷿، على سلامته.
ففرّقت، ولم يعرفوا سبب ذلك.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع