من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
الخوارج يقطعون السارق من المرفق
حدّثني أبو الحسين علي بن لطيف، المتكلّم على مذهب أبي هاشم، قال:
كنت مجتازا بناحية قزدار، مما يلي سجستان ومكران، وقد كان يسكنها الخليفة من الخوارج، وهي بلدهم ودارهم، فانتهيت إلى قرية لهم، وأنا عليل، فرأيت قراح بطيخ، فابتعت واحدة، فأكلتها، فحممت
في الحال، ونمت يومي وبقيّة ليلتي، في قراح البطيخ، ما عرض لي أحد بشيء، وكنت قبل ذلك، قد دخلت القرية، فرأيت شيخا خيّاطا في مسجد، فسلّمت إليه رزمة ثيابي، وقلت له: تحفظها لي.
فقال: دعها في المحراب.
فتركتها، ومضيت إلى القراح، فلما أفقت من الغد، عدت إلى المسجد، فوجدته مفتوحا، ولم أر الخياط، ووجدت الرزمة بشدّها في المحراب.
فقلت ما أجهل هذا الخيّاط، ترك ثيابي وحدها، وخرج، ولم أشكّ في أنّه قد حملها بالليل إلى بيته، وردّها في الغد إلى المسجد، انتظارا لي.
فجلست أفتحها، وأخرج شيئا شيئا، فإذا بالخيّاط.
فقلت له: كيف خلّيت ثيابي؟
فقال: أفقدت منها شيئا؟
قلت: لا.
فقال: ما سؤالك؟
قلت: أحببت أن أعلم.
قال: تركتها البارحة في موضعها، ومضيت إلى بيتي.
فأقبلت أخاصمه، وهو يضحك.
وقال: أنتم قد تعودتم أخلاق الأرذال، ونشأتم في بلاد الكفر، التي فيها السرق والخيانة، وهذا لا نعرفه هاهنا، لو بقيت ثيابك مكانها، إلى أن تبلى، ما أخذها أحد غيرك، ولو مضيت إلى المشرق والمغرب، ثم عدت
لوجدتها مكانها، فإنّا نحن، لا نعرف لصّا، ولا فسادا، ولا شيئا ممّا عندكم، ولكن، ربما لحقنا في السنين الطويلة، شيء من هذا، فنعلم انّه من جهة غريب قد اجتاز بنا، فنركب وراءه، ولا يفوتنا، فندركه، فنقتله، إمّا نتأوّل عليه بكفره، وسعيه في الأرض بالفساد، أو نقطعه كما يقطع السرّاق عندنا من المرافق، فلا نرى شيئا من هذا.
قال: وسألت عن سيرة أهل البلد، بعد ذلك، فإذا الأمر كما ذكره، وإذا هم لا يغلقون أبوابهم بالليل، وليس لأكثرهم أبواب، إنّما هي شرائج تردّ الكلاب والوحوش.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع