تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

تاجر يتمدح بتجسسه على رسائل التجار

وحدّثني، قال: حدّثني قاضي القضاة أبو محمد بن معروف، ﵁، قال: حدّثني بعض أهل بغداد، عن أبي عبد الله بن أبي عوف، إنّه قال:

ضاق صدري، في وقت من الأوقات، ضيقا شديدا، لا أعرف سببه، فتقدّمت إلى من حمل لي طعاما كثيرا، وفاكهة، وعدة من جواريّ، إلى بستان لي على نهر عيسى، وأمرت غلماني، وأصحابي، أن لا يجيئني أحد منهم بخبر يشغل قلبي، ولو ذهب مالي كلّه، ولا يكاتبوني، وعملت على أن أقيم في البستان بقيّة أسبوعي، أتفرّج مع أولئك الجواري.

قال: وركبت حماري، وقد تقدّمني كلّما أمرت بحمله.

فلما قربت من البستان، استقبلني فيج، معه كتب.

فقلت له: من أين وردت؟

فقال: من الرقّة.

فتتبّعت نفسي، أن أقف على كتبه، وأخبار الرقّة، وأسعارها.

فقلت له: تعرفني؟

فقال: نعم.

فقلت: أنت قريب من بستان لي، فتعال معي، حتى أهب لك دنانير، وأغيّر حالك، وأطعمك، وتستريح الليلة في البستان، وتدخل بغداد غدا.

فقال: نعم.

ومشى معي راجعا، حتى دخل البستان، فأمرت من فيه، أن يدخله حمّاما فيه، ويغيّر ثيابه ببعض ثياب غلماني، ويطعمه.

فابتدوا معه في ذلك.

وتقدّمت إلى غلام لي فاره، فسرق كتبه، وجاءني بها، ففتحتها، وقرأت جميع ما فيها، وعرفت من أسرار التجّار الذين يعاملوني شيئا كثيرا، وتفرّجت بذلك.

ووجدت جميع الكتب، محشوّة إلى التجار، بأن يتمسّكوا بما في أيديهم من الزيت، ولا يبيعوا منه شيئا، فإنّه قد غلا عندهم وعزّ، ويوصونهم بحفظ ما في أيديهم.

فأنفذت إلى وكلائي في الحال، فاستدعيتهم، فجاءوا، فقلت لهم:

خذوا من فلان الناقد، وفلان الناقد، كل ما عندهم من العين والورق الساعة، ولا ينقضي اليوم إلّا وتبتاعون كلما تقدرون عليه من الزيت، واكتبوا إليّ، عند انقضاء النهار، بالصورة.

فمضوا، فلما كان العشاء، جاءني خبرهم، بأنهم قد ابتاعوا زيتا، بثلاثة آلاف دينار، فكتبت إليهم بقبض ألوف دنانير أخر، وبشرى كل ما يقدرون عليه من الزيت.

وأصبحنا، فدفعت إلى الفيج ثلاثة دنانير، وقلت له: إن أقمت عندي، دفعت إليك ثلاثة دنانير أخرى.

فقال: أفعل.

وجاءتني رقعة أصحابي، بأنّهم ابتاعوا زيتا بأربعة آلاف دينار، وانّه قد تحرّك سعره لطلبهم إيّاه، فكتبت بأن يبتاعوا كلّ ما يقدرون عليه، وإن كان قد زاد.

وشاغلت الرسول، اليوم الثالث، ودفعت إليه في اليومين، ستّة دنانير، وأقام ثلاثة أيام، وابتاع أصحابي بثلاثة آلاف دينار أخرى.

وجاءوني عشيّا، فقالوا: كان ما ابتعناه اليوم زائدا على ما قبله، في كلّ عشرة، نصف درهم، ولم يبق في السوق شيء يفكّر فيه.

فصرفت الرسول، وأقمت في بستاني أيّاما، ثم عدت إلى داري، وقد قرأ التجّار الكتب، وعرفوا خبر الزيت بالرقّة، فجاءوني يهرعون،

ويبذلون في الزيت، زيادة اثنين في العشرة، فلم أبع، فبذلوا زيادة ثلاثة في العشرة، فلم أبع.

ومضى على ذلك، نحو من شهر، فجاءوني يطلبون زيادة خمسة، وستة، فلم أفعل.

فجاءوا بعد أيّام، فبذلوا للواحد الواحد.

فقلت في نفسي: ترك هذا خطأ، فبعته بعشرين ألف دينار.

فنظرت، فلم يكن لضيق صدري، وانفرادي في البستان، ذلك اليوم سبب، إلّا ما أحبّه الله تعالى، أن يوصل إليّ ربح عشرة آلاف دينار.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.