من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
من مكارم أخلاق الأمير الموفق
حدّثني أبو الحسن ثابت بن إبراهيم بن زهرون، الحرّاني، الصابئ، الطبيب، قال: حدثني أبي، قال:
كنت، بين يدي الموفّق، يوما، فقال لي: يا إبراهيم، أنا أشتهي شهوة منذ سنين، وهو ذا، أستقبح أن أطلبها، وقد عنّ لي الساعة مواضعتك على طلبها.
قال: فقلت: يأمر الأمير.
قال: ويحك، أنا والله، منذ سنين كثيرة، أشتهي كبود الدجاج، وقوانصها مطبهجة، وأستقبح أن أطلبها، فيظنّ صاحب المائدة، انّ نفسي قد تتبّعته، شحّا به عليهم، لأنّ رسمهم جار، بأن يرتفقوا بأخذه
وبيعه، وأريد إذا قدّمت المائدة، وجلست معي للأكل، أن تتشهّى ذلك عليّ، وتشير به من طريق الطبّ، لأتقدّم إليهم باتخاذ شيء منه يسير، فيصير ذلك القدر رسما في كلّ يوم، لا يؤثّر عليهم قدره، ويبيعون هم الباقي، فإنّه كثير، وأكون قد قضيت شهوتي.
قال: فعجبت من كرمه، وفرط حيائه من خدمه، حتى يلفّق الحيلة في الوصول إلى شهوته، من غير إيحاشهم، أو تعرض لذمّهم.
وقدّمت المائدة، فجلس يأكل عليها وحده، وجلست مع الندماء، آكل، على مائدة بين يديه.
فلما أكل بعض أكله، قلت: لم لا يأمر الأمير الناصر، بأن يتّخذ له شيء يسير في زبديّات، من كبود الدجاج المسمّن، وقوانصه، بالبيض، والمرّي، فيطجّن بعضه، فيولع منه بالشيء اليسير، فإن في ذلك كذا وكذا، وأخذت أصف ما حضرني في الوقت، ونحن أيضا نشتهي أن نأكل منه.
فقال: يصلح لنا من غد، كذا وكذا زبديّة، مطجّن، وكذا وكذا زبديّة، من كبود الدجاج المسمّنة، وقوانصها.
فأصلحوا ذلك، وصار رسما جاريا، ولم يفطن أحد منهم لما جرى.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع