تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

إسحاق المصعبي تحركه رقاع أصحاب الأرباع في بغداد

وحدّثني، قال: حدّثني أبو يحيى بن مكرم، القاضي البغدادي، قال: حدّثني أبي، قال:

كان في جواري شيخ يعرف بأبي عبيدة، حسن الأدب، كثير الرواية للأخبار، وكان ينادم إسحاق بن إبراهيم المصعبي.

فحدّثني: إنّ إسحاق استدعاه ذات ليلة، في نصف اللّيل، بعدّة رسل.

قال: فهالني ذلك، وأوحشني، لما أعرفه من زعارة أخلاقه، وشدّة إسراعه إلى القتل، وخفت أن يكون قد نقم عليّ شيئا في العشرة، أو بلغه عني باطل، فأحفظه، فيقتلني.

فخرجت طائر العقل، حتى أتيت داره.

فأدخلت من دار إلى أخرى، إلى أن أدخلت دار الحرم، فاشتدّ جزعي، ثم أدخلت إلى حجرة لطيفة، فسمعت في دهليزها، بكاء امرأة، متخافتا، وهو جالس على كرسيّ، وبين يديه سيف مسلول.

فذهب عليّ أمري، وسلّمت، ووقفت.

فقال: اجلس يا أبا عبيدة، فسكن روعى، وجلست.

فرمى إليّ قصصا، فإذا هي رقاع أصحاب الشرط في الأرباع، يخبر كلّ واحد منهم، بخبر يومه، وفي أكثرها، كبسات وقعت، بنساء من بنات الوزراء، والرؤساء من الكتّاب، وبنات القوّاد والأمراء، مع رجال على ريب، وإنّهنّ محصّلات في الحبوس، ويستأذن في أمرهنّ.

فقلت: قد وقفت على هذه الرقاع، فما يأمرني الأمير؟

فقال: إن هؤلاء، كلّهنّ، أجلّ آباء مني، وأكثر حسبا ومالا، وقد أفضى بهنّ الدهر، إلى ما قد رأيت، وقد وقع لي أنّ بناتي سيبلغن إلى هذا، وقد جمعتهن- وهن خمس- بالقرب من هذا الموضع، لأقتلهنّ كلّهنّ الساعة، وأستريح، فماذا ترى في هذا؟.

فقلت: أيّها الأمير، إن آباء هؤلاء المحبّسات، أخطأوا في تدبير هنّ، لأنّهم خلّفوا عليهنّ النعم، ولم يحفظوهنّ بالأزواج، فخلون بأنفسهنّ، ففسدن، ولو كانوا علّقوهنّ على الأكفاء، ما جرى هذا منهنّ.

والذي أراه، أن تستدعي فلانا، القائد، فله خمسة بنين، كلّهم جميل الوجه حسن النشوة، فتزوّج كلّ واحدة منهن، بواحد، فتكفى العار، والنار.

فقال أحسنت يا أبا عبيدة، أنفذوا الساعة إليه، وافرغ لي من هذا.

قال: فراسلت الرجل، فما طلع الفجر، حتى حضر وأولاده،

وعقدت النكاح لهم، على بنات إسحاق، في خطبة واحدة، وحمل إسحاق بين يدي كلّ واحدة، خمسة آلاف دينار، عينا، وشيئا كثيرا من الطيب، والثياب، والدوابّ، والبغال، والغلمان.

فأعطاني كلّ واحد من الأزواج شيئا ممّا وصل إليه، وأنفذ لي أمّهات الأولاد، هدايا في الحال، وشكرنني على تخليص بناتهنّ، وانقلبت الحال إلى السرور.

فخرجت، وقد حصل لي ثلاثة آلاف دينار عينا، وشيء كثير، من الطيب والثياب.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.