من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
الوزير حامد بن العباس يعذب المحسن بن الفرات
حدّثنا أبو الحسين الحارثيّ النهرسابسيّ، قال: حدّثني شيخ من شيوخنا:
إنّ أبا جعفر بن الشلمغانيّ، كان في نهاية الاختصاص بحامد بن العبّاس، فلما وزّر اجتذبه معه إلى بغداد، وكان يدخله في آرائه، ويشاوره في مهمّاته، ويوسّطه في كبار الأمور.
قال: فلما جرى من حامد على المحسّن بن الفرات، تلك القضيّة الشديدة، كتب إلى ابن الشلمغانيّ، يسأله، مسألة حامد الرفق به،
والتقدّم إلى المستخرج بالتوقّف عن ضربه، وإذلاله، ليؤدّي على مهل.
فتكفّل ابن الشلمغانيّ بأمره، وخاطب حامد بن العباس في ذلك، فردّه، فعاوده في مجلس حافل، ولجّ حامد، ولجّ ابن الشلمغانيّ، إلى أن قال حامد هاتم المحسّن، ابن كذا وكذا، وهاتم الغلمان والمقارع.
قال: فقبّل ابن الشلمغانيّ يده، فلم يقنع، وحلف أنّه لا بدّ أن يصفعه، ويضربه في ذلك المجلس، وتوجّه الغلمان ليجيئوا به.
فلما عادوا، ومعهم المحسّن، قام ابن الشلمغانيّ، من قبل أن يدخل المحسّن، وانصرف، فاستشاط حامد، وجنّ، وكاد أن يقبض على ابن الشلمغاني، ويوقع به، ثم استرجع، وأخرج غيظه على المحسّن، وصفعه الصفع المشهور، الذي كان سبب قتل المحسّن له، لما ولي أبوه الوزارة الثالثة.
قال: ونهض ابن الشلمغاني، فدخل إلى دار حجبة حامد، مغموما، وأخذ يشكو ما يجده إلى الحاجب، ويتشاكيان، ويقول: هذا الرجل يريد أن يقتلنا كلّنا بعده، وأن لا يبقي لنا باقية، يا قوم، أيّ شيء يعمل بنفسه؟
قال: فهو كذلك، إذ دعا حامد بحاجبه، وقد قام عن مجلسه، وردّ حامد المحسّن إلى محبسه بعد ما جرى، وقال للحاجب: ويحك، أين ابن الشلمغانيّ؟
فقال: عندي في الحجرة.
قال: فما قال؟
قال: لم يقل شيئا.
فأمسك كالخجل، ثم قال: هاته.
فلما جاء، قال: يا أبا جعفر، من حقّ مودّتي لك، أن تتوافى لأعدائي، وتقوم عن مجلسي، إذا رأيتني أوقع بأعدائي؟
فقال: ننصف؟ أو نقول: صدق الأمير؟
قال: أسمع وأنصف.
قال: أيّها الوزير، هذا رجل سألتك فيه، فاعمل أنّه كان بقّالا، لابن وزير أنت تعلم حالته، وقديم رياسته، فما كان يحسن أن تردّني فيه، ولا إن رددتني، أن تسومني الجلوس، وحضور عذاب من شفعت فيه، ثم أنت تعلم، أنّ الأيّام دول، وأنّ لهذا الفعل عاقبة، يكفيك الله إيّاها، فأيّ شيء يضرّك من سلامة مهجتي، في حال العافية، وإفلات نعمتي من شرّ هؤلاء؟ وأن يقولوا غدا: داهننا، ولم يشفع لنا، ولو كان نصحنا ما خالفه الوزير، مع ما بينهما، وما قعد ليشاهد صفعنا، إلّا تشفّيا منا، وأيّ شيء أحسن بك من أن تنسب حاشيتك، ومن اخترته لمودتك وأنسك، إلى الخير، وبعدهم من الشرّ، فيقال: إنّه لو لم يكن خيّرا، لما استصحب الأخيار، وإنّما يحمله على ما فعله، الغضب، والحاجة إلى المال، وإلّا فالخير طبعه، والغالب عليه، ولا يقال: إنّه شرير جمع الأشرار حواليه، واعلم أنّي ما قمت من مجلسك، إلّا وقد وضعت في نفسي، أنّك تنكبني، وعلمت أنّي قد أسأت أدبي، وأنّي غير آمن من عجلتك في نكبتي، ولكن قلت: أكون على حقّ، ومتمسّكا بحجّة وحزم، وإن جنى عليّ، وإن سلمت، فبفضل الله، وإن هلكت فالله يخلّصني.
قال: فخجل حامد، واعتذر إليه وقال: اخرج الآن، وخذ بيد المحسّن، وتوسّط أمره، وخفّف محنته.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع