تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

أبو أحمد الشيرازي والصفراء

حدّثني بعض إخواني الثقات عندي، قال: حدّثني أبو أحمد الفضل بن عبد الرحمن بن جعفر الشيرازي الكاتب، قال:

لما صحبت أبا عليّ بن مقلة إلى بغداد، واستكتبني، كان يتعمّد نفعي بكلّ شيء، ويوصل إليّ أموالا جليلة، فلم أكن أحفظها، وكانت كلها تخرج عن يدي، في القيان، والشراب، وأتلفها.

قال: فهويت جارية من القيان صفراء، واشتهر أمري معها، وأتلفت كلّ كسبي عليها، حتى بلغ أبا عليّ، وكان يعذلني، ويوبخني، ويمنعني من مفارقة حضرته، وأن أخلّ بها.

قال: فأفلتّ يوما من حضرته، ومضيت إلى بيتي، وقد حصّلها غلامي، وأعدّ لي مجلسا بالفاكهة الكثيرة، والتحايا الظراف، والشراب الفاخر.

قال: فشربت ليلتي معها، وخفت أن أخلّ بالوزير، فحملتني الشهوة للجلوس مع المغنّية، على أن كتبت إلى الوزير رقعة، أعتذر فيها من التأخر، وأقول: إنّ الصّفراء تحركت عليّ، واضطراب جسمي، فلم أقدر على المجيء، وأباكر الخدمة في غد، وأسأل قبول عذري.

قال: فعاد إليّ الجواب، بخط أبي عليّ بن مقلة، في أضعاف السطور،

بأجلّ خطاب، وألطف مداعبة.

وقال فيه: يا هذا، ظلمت الصفراء، أنت تحركت على الصفراء، ليس هي تحركت عليك، وقد علمت مغزاك في التأخّر، وبحسب ذلك أجبتك، وقد بعثت إليك منديلا مختوما فاستعن بما فيه.

قال: ففتحت المنديل، وإذا فيه، رطل ندّ، وشيء كثير من الكافور، والمسك، ومائتا دينار عينا.

وأنشدني أبو الحسن عليّ بن هارون بن المنجم، لنفسه في معنى الصفراء، بيتين ما سمعت أظرف [منهما] في معناهما، وهما يقاربان قول ابن مقلة، وهما:

قال الطبيب وقد تأمل سحنتيهذا الفتى أودت به الصفراء
للشاعر علي بن هارون المنجم، اقرأ القصيدة
فعجبت منه إذ أصاب وما درىقولا ومعنى ما أراد خطاء

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.