تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

يوسف بن وجيه صاحب عمان

وحدّثني أبو الفضل، قال:

كنت مقيما بسيراف، أتصرّف، واجتاز بها يوسف بن وجيه، يريد البصرة، ومحاربة البريدي، وضامنها - إذ ذاك- ابن مكتوم الشيرازي، وهو مدبّرها حربا وخراجا من قبل الأمير عليّ بن بويه، فتلقّاه، وخدمه خدمة ارتضاها، ونزل بظاهر البلد، فحمل إليه ابن مكتوم، كلّ شيء من الألطاف والهدايا.

قال: فقال له يوما: والله، ما وردت هذا البلد، إلّا وفي نفسي الاجتراء عليه، وتخليف جيش به، ثم الخروج إلى البصرة، ولقد كاتبني جميع وجوه البلد في ذلك، وأشاروا عليّ بهذا، ولكني قد استحيت منك أن أفعل، فإنّك بدأتني بالخدمة، وأنا في أطراف عملي، وليس بكثير أن أهب لك هذا البلد.

قال: وقد كان بلغنا أنّ أهل البلد كاتبوه بذلك، ولم نتحقّق هذا، ولمّا قرب، أشار أهل البلد، على ابن مكتوم، بالانصراف، وأن لا يحضر،

وخوّفوه أن يقبض عليه، وأرادوا بذلك أن يتمّ التدبير لهم، في تملّك يوسف ابن وجيه البلد.

فلم يجسر ابن مكتوم على ذلك، وقال: لأن يقبض عليّ، وليس لي إليه ذنب يقتلني به، أحبّ إليّ من أن أصيّر لنفسي ذنبا عند عليّ بن بويه، فيقتلني به، فإنّه يظن أنّي واطأت على خروج البلد من يده لأكسر مال الضمان، ويقول لي: كان يجب الصبر، إلى أن يدخل، فيقبض عليك، أو تجيئني بعد واقعة يخدش فيها رجل، ولم يبرح، وأخلد إلى خدمته [الخدمة] العظيمة، فنفعه ذلك، وتخلّص.

قال: فلما كشف له يوسف، ما كان في نفسه، دعا له، وشكره، وتذلّل.

فقال له يوسف: وقد كنت عملت أن لا أشرب، إلى أن أفتح هذا البلد الذي أقصده، ولكن قد اشتقت إلى الشرب، شهوة لأن أشرب معك، لما رأيته من ظرفك وفتوّتك، فتعود العشيّة إلى الشرب، ومعك من تأنس به من أصحابك.

قال: فانصرف، واختار جماعة من وجوه البلد، ووجوه المتصرّفين، كنت واحدا منهم.

وجاءنا رسول يوسف بعد الظهر، فركب، ونحن معه، حتى أوصلنا إلى حضرته، فأجلسنا في فازة بهنسي لم أر قبلها مثلها حسنا، في صدرها سدّة أبنوس مضبّبة بالذهب، ومساميرها ذهب، وعليها دست ديباج

فاخر جدا، وبين يديها بساط جهرمي فوقه حصير واسع، كبير، عظيم، طبرانيّ، ومخاد، وصدر منه.

وخرج يوسف، فجلس، وجلسنا معه، وأحضرت مائدة فضّة بزرافين، تسع عشرين نفسا، فجلسنا عليها، ونقل علينا من الطعام، ما لم أر مثله حسنا، في أواني كلها صينيّ.

قال: وتأملت، فإذا خلف كلّ واحد منّا، غلام صغير، مليح، قائم بشرابي ذهب، وكوز بلّور فيه ماء، فأكلنا.

فلما تمّ أكلنا، نهض يوسف، فخرج من وراء الفازة، إلى موضع، وجاءنا فرّاشون بعددنا، بطساس وأباريق فضّة، ومجامع فضة، فغسلنا أيدينا دفعة واحدة.

ومضى أولئك الغلمان الأصاغر، وجاء غيرهم بعددنا، ومعهم المرايا المحلّاة الثقيلة، والمضارب البلّور، والمداخن المحلّاة الحسنة، فتبخّرنا دفعة [واحدة].

وتركنا ساعة في موضعنا، ثم استدعينا، فأدخلنا إلى فازة ألطف من تلك، ديباج، وفيها [سدة] صندل محلّاة بفضّة، فيها دست ديباج، وحصر

طبرية، مثل تلك الحصر، وفيها نحو ثلاثين مطاولة، مسبكة، ذهب كلّها، عليها تماثيل العنبر، على هيأة الأترج والبطّيخ، والدستنبو، وغير ذلك.

قال: فدهشنا، وتحيّرنا، وإذا في أربع جوانب تلك المطاولات، أربع أجاجين بيض، كبار، عظام، كل واحدة كالقدس الكبير، والجميع مملوءة ماء ورد، وفيه أمر عظيم من تماثيل الكافور، وغلمان قيام بعددنا، يروّحون، وغلمان أخر بعددنا، بأيديهم مناديل الشراب، وبين يدي كلّ واحد، صينيّة ذهب، ومغسل، ومركن ذهب، وخرداذي بلّور، وقدح بلّور، وكوز بلور، والجميع فارغ.

قال: فأمر يوسف، بإخراج الأنبذة، في مدافات بلّور، تسمى بالفارسية: جاشنكير، فأخرجت عدّة أنبذة من العنب، ممّا يعمل في جبل عمان، لم نظن أنّه يكون في تلك [النواحي] بحسنها وطيبها.

فاختار ابن مكتوم، نبيذا منها، فملئت الظروف منه، وقام على رأس كل واحد منّا، غلام يسقيه، ويتفقّد نقله، ويتفرّد بخدمته، إلى أن شربنا أقداحا.

ثم أجرى يوسف، حديث عليّ بن بويه، فقال لابن مكتوم، وقد خرج من حديث إلى حديث: أحبّ أن تخبرني عن أخي أبي الحسن عليّ بن بويه،

أيّ شيء اعتقد في إمارته هذه؟

قال: إنّ له ألفي غلام أتراك، وأربعة آلاف بغل، وألفي جمل.

قال: وأخذ يكثر عليه من هذا.

فقال له: ويحك، هؤلاء عيال، وسبب خرج، لم أسأل عن هذا، إنّما سألت أيّ شيء أدّخر، ممّا يتنافس فيه الملوك.

قال: فقال له: وصل من الكنوز العتيقة، والأموال التي استخرجيها إلى تسعين ألف ألف درهم.

قال: فقال: ولا هذا أردت، إنّما أردت الذخائر والجواهر، وما يخفّ، وما يحمله الملوك معهم، محملا لطيفا، إذا حزبهم أمر.

قال: فقال ابن مكتوم: لا أعلم، إلّا أنّي سمعت، أنّ الجبل الذي كان للمقتدر، قد وصل إليه.

فقال: وما الجبل؟

قال: فصّ ياقوت أحمر، فيه خمسة مثاقيل، إلّا أنّي ابتعت له جوهرتين، بمائة وعشرين ألف درهم.

فقال: قد أنست بك، واقتضى أن أريك، ما صحبني في هذه السفرة، من هذا الجنس، إن نشطت لذلك.

قال: فشكره، ودعا له، وقال: إي والله، أنشط لذلك، وأتشرّف به.

قال: فدعا بغلام، وقال: امض، فهات الربعة الفلانية.

قال: فجاءه بربعة كبيرة.

قال: وكانت بين يديه خرائط خراسانية، مطروحة في المجلس،

فاستخرج من واحدة منهنّ، مفتاح ذهب، وتأمّل أوّلا، ختم الربعة، ثم فتحها بالمفتاح، وأخرج إلينا قضيبا عليه خواتيم، نحو خمسمائة خاتم، يواقيت، وفيروزج، وعقيق، لم نر مثله، فأرانا إيّاه، وقال: ليس هذا بشيء، فدعوه.

قال: فتركناه، ثم أخرج إلينا عقدا، فيه ثلاث وتسعون حبّة جوهر، كل واحدة منها، على قدر بيض الحيّة والعصفور، فدهشنا من عظمها.

فقال: إنّ هذا العقد، في خزانة خالي أحمد بن هلال وخزانتي من بعده، منذ كذا وكذا سنة، والجوهر إلينا يصل أوّلا، ثم يتفرّق من عندنا إلى البلاد، ونحن مجتهدون، في أن نجد سبع حبّات تشابه هذا، فيحصل في العقد مائة حبّة، فما نقدر على ذلك، منذ كذا وكذا سنة.

قال: ثم أخرج إلينا فصّا من الماس، فلبسه في الحال، وأدناه من فصّ عقيق كان في يد ابن مكتوم، فجذبه كما يجذب المغناطيس الحديد، حتى تكسّر فصّ ابن مكتوم.

قال: ثم استخرج منديلا لطيفا، فحلّه، وأخرج قطنا، ففرّقه بيده، واستخرج منه شيئا خطف أبصارنا، وأضاء المجلس له، حتى دهشنا، وسلّمه إلى ابن مكتوم، وقال: تأمّله.

قال: فتأمّلناه، فإذا هو ياقوت أحمر، على كبر الكفّ، وقدّها من الطول والعرض.

قال: فدهشنا.

فقال يوسف بن وجيه: أين هذا، يا ابن مكتوم، من الذي وصفته؟

قال: فانكسر ابن مكتوم.

وما زلنا نقلّب تلك الكفّ، ونشرب عليها ساعة.

قال: ثم أخرج إلينا من الربعة، حشائش، ذكر أنّها سموم قاتلة في الحال، وحشائش، ذكر أنّها تبرىء من تلك السموم في الحال.

قال: وأخرج أشياء، هائلة، طريفة، لم يعلق بحفظي منها، إلّا ما ذكرته، لدهشتي بما رأيت.

قال: فلما جاء المساء، جاءنا بشموع عنبر، فوضعت تتّقد.

قال: وشربنا إلى نصف الليل، وانصرفنا.

وشخص يوسف إلى البصرة، وحاربه البريديّ، فهزمه، وأفلت في مركب، وأحرقت باقي مراكبه، فلم يحب الاجتياز بسيراف، فتوّه في البحر، وسلك وسطه، يريد عمان.

قال: وبلغنا الخبر، وأنفذ ابن مكتوم، صاحبا له، إلى عمان، يتوجّع له، ويتعرّف خبره، وكاتبه على يده.

قال: فدخل صاحبنا إلى عمان، قبله بأيّام، ثم وردها يوسف، فلما وقف على الكتب تذكّر عهد ابن مكتوم، وذكره بالجميل، ووهب لصاحبه خمسة آلاف درهم، وأنفذ إلى ابن مكتوم هديّة قيمتها مائة ألف درهم تجتمع على طرائف البحار، وأنفذ إلى كل واحد من الجماعة الذين كانوا حضورا دعوته مع ابن مكتوم، عدّة أثواب من صنوف الثياب، وأفخرها، وأحسنها، وكنت ممّن وصل إليه ذلك.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.