تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

وصيف كامه يحسن إلى أهل قم

حدّثني أبو الفضل، قال: حدّثنا شيخ كان لنا بفارس، من أهل قم، قال:

ورد إلينا وصيف كامه»

، أميرا على بلدنا، فتلقّيناه، فرأينا من فضله، وعقله، وجلالة قدره، كلّ عظيم.

قال: فأقبل علينا بخطاب جميل، ووعدنا، ومنّانا، وعرّفنا رأي السلطان في العدل والإحسان، ثم أقبل يسأل عن أمور بلدنا، مسألة عالم به، ويسأل عن شيوخه، إلى أن انتهى في السؤال، إلى رجل، لم يكن جليلا، ولا مشهورا، ولا عرفه منّا إلّا واحد كان في المجلس.

قال: فأقبل يعظّم من أمره، ويسأل عن معيشته، وأولاده.

قال: فاسترقعناه.

قال: ثم قال لنا: أحضروني إياه إحضارا جميلا، فإني أكره أن أنفذ إليه من يستدعيه، فأروّعه.

قال: فأحضرناه، فحين وقعت عينه عليه، قام إليه قياما تاما، وأجلسه في الدست معه.

قال: فسقط من أعيننا، وقلنا جاهل لا محالة.

قال: ثم أقبل عليه، يسأله، عن زوجته، وبناته، وبنيه، والشيخ يجيب جواب ضجر، باهت، معظّم لما عمله.

فقال له: أحسبك قد نسيتني؟ وأنكرت معرفتي.

فقال: كيف أنكر الأمير- أيّده الله- مع عظمه وجلالته؟

فقال له: دع هذا، أتعرفني جيدا؟

قال: لا.

قال: أنا مملوكك وصيف.

ثم أقبل علينا فقال: يا مشايخ قم، أنا رجل من الديلم، كنت سبيت في وقت كذا وكذا، في الغزاة التي غزاهم فيها فلان الأمير، وكان سنّي إذ ذاك عشر سنين أو نحوها.

فحملت إلى قزوين، فاتّفق أنّ هذا الشيخ كان بها، فاشتراني، وحملني إلى قم، وأسلمني مع ابنه في الكتّاب، وأجراني مجراه، في حسن التربية، وفعل بي وصنع، وجعل يعدّد له ما يذكره، وأنّه أحسن ملكته، حتى إنّه ما تأذى منه قط، ولا ضربوه، ولا شتموه، وإنّهم كانوا يكسونه، كما يكسون ابنهم، ويطعمونه كما يطعمونه.

ولم أزل معهم في أحسن عشرة، إلى أن بلغت، وكانوا يهبون لي الدراهم لشهواتي، ويعطوني أكثر ممّا أحتاج إليه.

وكنت- مذ كنت صبيا- كلما وقع بيدي شيء، جمعته عند بقّائى في المحلّة، يعرف بفلان.

قال: ثم سأل عنه، فقيل: هو باق.

فلما بلغت واشتددت، طلبت السلاح، وعملت به، ومولاي- مع هذا- يشتري لي كل ما أريده، ويمكنني من شهواتي، ويحسن إليّ،

ولا يعترض في شيء أريده عليّ.

قال: واتفق، أنّ بعض الجند رآني، فقال: هل لك في أن تخرج معي إلى خراسان، فأركبك الدوابّ، وأفعل بك، وأصنع.

فقلت: أصحبك، على شرط أن لا أكون مملوكك، ولا تتملّكني، ولكن أشتري لنفسي دابّة، وسلاحا، وأتبعك غلاما لك، مالكا لنفسي، فمتى رأيت منك ما أكره، فارقتك، ولم يكن لك الاعتراض عليّ.

فقال: افعل.

قال: فجئت إلى البقّال، فحاسبته، وكان قد اجتمع لي عنده شيء كثير، فأخذته، واشتريت منه دابّة وسلاحا، وأخذت إليك، ومعي دراهم، وصحبت الجندي، وأبقت من مولاي هذا.

ومضيت إلى خراسان بأسرها، وتقلّبت بي الأمور، وترقّت حالي مع الأيّام، حتى بلغت هذا المبلغ، وأنا في رقّ هذا الشيخ، وأنا أسألكم الآن، مسألته أن يبيعني نفسي.

قال: فأكبر الرجل ذلك، وقال: أنا عبد الأمير، والأمير حرّ لوجه الله، وأتجمّل بولائه، وأفتخر أنا وعقبي بذلك.

قال: فقال: يا غلام، هات ثلاث بدر.

وأحضرت، وصبّ المال، وسلّمه إلى الشيخ، ثم استدعى له من الثياب، والدواب، والبغال، والطيب، والآلات، ما تزيد قيمته على قدر المال.

ثم استدعى ابنه، فأحضر، وأكرمه، وتطاول له، ووهب له عشرة آلاف درهم، وثيابا كثيرة، ودواب، وبغالا.

واستدعى البقال، ووهب له خمسمائة دينار، وثيابا كثيرة.

قال: ثم أنفذ هدايا، إلى بنات الشيخ، وزوجته، وعيال البقّال.

قال: ثم قال للشيخ: يا فلان، انبسط في هذا السلطان الذي قد رزقك الله [إياه]، انبساط من يعلم أنّ الأمير مولاه، واعلم بأنّك لا تحلّ شيئا فأعقده، ولا تعقد شيئا فأحلّه.

قال: ثم التفت إلينا، وقال: يا مشايخ قم، أنتم سادتي، وشيوخي، وما على الأرض، أهل بلد، أحبّ إليّ منكم، ولا أوجب حقا منكم، فانبسطوا في حوائجكم، انبساط الشريك الذي لا فرق بيني وبينه، إلّا فيما حظرته الديانة، وليس بيني وبينكم فرق، إلّا في ثلاث: طاعة السلطان، وصيانة الحرم، ومخالفتكم في الرفض، فإنّي قد طوّفت الآفاق، وسلكت الجبال والبحار، وبلغت أقاصي المشرق والمغرب، فما رأيت على دينكم أحدا غيركم، ومحال أن يجتمع الناس كلهم على ضلالة، وتكونوا أنتم من بين أهل الآفاق على حقّ.

قال: ثم سأل كل واحد منّا، عن حوائجه، ونظر إليه فيها بطرف، ونظر للشيخ بضعف ما نظر به لأجلنا.

قال: فخرجنا من عنده، وقد نبل في عيوننا نبلا شديدا، وانقلبت المواكب إلى باب الشيخ، فأقبل الناس إليه في الحوائج، وإلى ابنه، فصارا رئيسي البلد، ولم يكن وصيف يردّ هما في شيء يسألانه من قليل ولا كثير، إلى أن خرج عن قم.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.